#dfp #adsense

خاص ـ “فكر حر”: شرارة سقوط الأسد التي أطلقتها القوات اللبنانية (الجزء الأول)

حجم الخط

الأسد

كان الولي الفقيه في طهران صادقاً عندما قال أخيراً بأن “الأمّة تدافع عن نفسها خارج الأمّة”، فالأنظمة الشمولية والاستبدادية، كنظام الأسد البائد في سوريا، وقبله النظام النازي والستاليني وغيرها، تقوم واحدة من فلسفاتها السياسية على مفهوم التوسّع والتمدد خارج حدودها بحجة الدفاع عن نفسها من خلال التوسع خارج أراضيها، وذلك حتى تُبقي شعبها في حالة طوارىء وتعبئة وعسكرة دائمة تحت شعار “ضرورات المعركة الكبرى مع العدو”، منشغلاً بالحروب والقتال والتجنيد الإلزامي والرعب من هالة تلك الأنظمة وقوتها، بعيداً عن أمور السياسة والإصلاح والنمو والتطور والمطالبة بالحقوق والديمقراطية والمساءلة والمحاسبة.

لذلك تسعى تلك الأنظمة للدفاع عن مصالحها التوسعية خارج حدودها، إلى أقصى الدرجات الممكنة، باستخدام القتل والاغتيال والترويع، واستقطاب العملاء والفاسدين والمنتفعين وسرقة مقدرات البلاد التي تتوسّع داخلها، باعتبار أن انكماش تلك الأنظمة وتراجعها إلى داخل حدودها، وتالياً خسارتها لأي امتيازاتٍ ومكتسباتٍ توسعية تمتلكها، هو بمثابة ضرب هالتها المعنوية والسياسية والتخويفية أمام شعبها، وسحب الحجر الأول من بنيانها الديكتاتوري الشمولي، ممهِّداً الطريق لانهيار كامل هذا البنيان مع الوقت.

النظام الديمقراطي القائم في لبنان منذ ما قبل الحرب، شكّل على الدوام مصدر تهديد وجودي للنظام الأسدي، خصوصاً وأنه يقع على حدود سوريا بطول 400 كلم تقريباً، لذلك سعى الأسد لتقييد حرية الرأي والتعبير في لبنان، وحاول الضغط على السلطة اللبنانية منذ ما قبل الحرب في لبنان، للتضييق على صحافيين لبنانيين ورجال فكر وإعلام سوريين التجأوا إلى لبنان، وصولاً إلى اغتيال بعضهم منذ ما قبل دخول هذا النظام إلى لبنان، ناهيك عمّن اغتالهم بعد دخوله.

كما عمل الأسد بكل قوته إلى تغيير طبيعة النظام اللبناني بما يتناسب ويتكامل مع طبيعة النظام الأسدي في سوريا، للحؤول دون حصول تناقض بين طبيعة النظامين، بما يؤدي  في النهاية إلى تغليب منطق الديمقراطية على منطق الديكتاتورية، بحيث تناول الدكتور فريد الياس الخازن في كتابه “تفكك أوصال الدولة في لبنان” هذه النقطة بكثير من التحليل الدستوري العلمي والتفنيد.

من هنا، فإن الشرارة الأولى لانهيار نظام الأسد بدأت من لبنان، خصوصاً من قبل أولئك الذين قاوموا هذا النظام الأسدي بكل قوتهم لمنع تحويل لبنان إلى نظامٍ يُشبه نظام الأسد في سوريا، وفي طليعة هؤلاء القوات اللبنانية، بالإضافة إلى كوكبة من القيادات والإعلاميين ورجال الفكر والرأي والإعلام الذين دفعوا حياتهم ثمناً لانتصار حرية الرأي في لبنان.

أمّا لمن يقول بأن قيادات الجبهة اللبنانية هي التي طلبت من جيش الأسد الدخول إلى لبنان، فهذه مغالطة تاريخية كبيرة جداً لأسباب عدّة، منها أن الأسد كان يُسعّر نيران الحرب في لبنان بين أحزاب الجبهة اللبنانية من جهة والفلسطينيين وأعوانهم اللبنانيين من جهةٍ ثانية، من خلال تشريع الحدود لدخول السلاح والمسلحين من الفصائل الفلسطينية الموالية له ومن عناصر الجيش السوري تحت راية منظمة الصاعقة، بهدف الضغط على المسيحيين، طارحاً نفسه بالمقابل أمام العالمين العربي والدولي بأنه الكفيل وحده بوقف حمام الدم في لبنان وحماية الأقليات من الإبادة، وحماية المقاومة الفلسطينية بالتوازي من خطر تحالف المسيحيين مع إسرائيل، بحيث كانت هذه اللعبة المزدوجة التي يلعبها تؤدي إلى تدمير لبنان بالكامل، من دون أن يتحمّل هو أي مسؤولية عن ذلك.

من هنا، ارتأت بعض قيادات الجبهة اللبنانية من كبار السّن، تشريع هذا الدخول السوري، الذي كان واقعاً أصلاً بطريقة سرية وغير شرعية، ووضع الأسد تحت المجهر العربي والدولي، بدل أن يصول ويجول في لبنان ويدمّره بطريقة غير شرعية ويغسل يديه.

ما وافق عليه بعض أركان الجبهة اللبنانية كان دخول قوات ردع عربية مشتركة، بموجب قرارات الجامعة العربية في قمة الرياض سنة 1976، والتي تشكلّت حينها من سعوديين وسوريين وإماراتيين وسودانيين ويمنيين، وليس جيش الأسد منفرداً، بحيث كانت قوات الردع رسمياً تحت إشراف رئيس الجمهورية اللبنانية الياس سركيس.

غير أن حافظ الأسد ما أن وطّد أقدامه في لبنان حتى بدأ بافتعال المشاكل والتناقضات لقوات الردع العربية من الجنسيات السعودية والإماراتية، وراح يتفرّد باتخاذ القرارات بعيداً عن أوامر وتوصيات وإشراف الرئيس سركيس، وخصوصاً بعد استحواذه على غطاءٍ أميركي وإسرائيلي من خلال اتفاقية الخطوط الحمر، ممّا أدّى بالنهاية إلى إخراج القوى العربية الأخرى من قوات الردع العربية، وتحوّل رئيس الجمهورية إلى مجرّد رئيس إسمي لقوات الردع العربية، واحتكار حافظ الأسد قرار قوات الردع العربية في لبنان.

هذا علماً أن موافقة بعض أركان الجبهة اللبنانية على دخول جيش الأسد ضمن قوات الردع العربية إلى لبنان، قابله قائد القوات اللبنانية بشير الجميّل بمعارضةٍ شرسة، وصولاً إلى توتّر الأجواء بينه وبين والده بالذات، فتوجّه إلى زعيم الحركة الوطنية كمال جنبلاط محاولاً نسج تحالف سياسي وعسكري بمواجهة القوات الأسدية، وراحت مجموعات من القوات اللبنانية تعمل بشكلٍ مستقل عن القرار الرسمي للجبهة اللبنانية، فاعتكف قسم من المسؤولين في الجرود اعتراضاً على قرار الجبهة اللبنانية، وراحت مجموعات أخرى تقاوم الوجود الأسدي عسكرياً في المناطق الشرقية، كما تابع الدكتور سمير جعجع بصفته مسؤولاً عسكرياً في الشمال أعمال المقاومة بوجه الوجود الأسدي بخلاف قرار الجبهة اللبنانية، والذي كان قد بدأه قبلاً بمواجهة المنظمات المسلحة الغريبة.

من هذه المقاومة اللبنانية بالذات بدأت مسيرة كسر هيبة حافظ الأسد، والتي استُكملت عسكرياً وسياسياً وصحافياً وسلمياً بأشكال مختلفة وأماكن مختلفة، من لبنان إلى حمص وحماه وسوريا كلها، وصولاً إلى سقوط هذا النظام أخيراً. (يتبع)​

اقرا ايضاً

خبر عاجل