#dfp #adsense

“أبيض أحمر”.. كان لا بد من نفض الغبار عنها

حجم الخط

أوراق الحرب… لطالما تمنينا أن نطويها إلى الأبد. أن تصبح مجرد أوراق في كتب يقرأها جيل ما بعد الحرب الأهلية ويتعلّم منها دروسًا. لكنها بقيت مشرّعة على فصول ستُكتب أيضًا بالأبيض والأحمر لكن في ما يسمّى بزمن السلم.

ثمة من سيقول: “لماذا تعيدون فتحها اليوم؟ ولماذا تعودون إلى تلك الأيام التي دمّرت البشر والحجر وهجّرت الآلاف وسقط فيها مئات الآلاف من الأبطال الذين حملوا البندقية والرشاش دفاعًا عن الوجود وكرامة الإنسان، عدا عن المعتقلين والمعوقين؟”.

صحيح أننا في كل 13 نيسان نقول “تنذكر وما تنعاد”، لكن من قال إن الحروب تُخاض فقط بالمدفع والرشاش والراجمات واليوم بالمسيّرات؟ ثمة حروب أكبر وأشد خطرًا على الوجود، وكما وقف الأبطال على الجبهات لمواجهة كل من يجرؤ على اقتلاع اللبنان من جذوره وتاريخه وهويته وثقافته سنحارب لكن بسلاح الكلمة والإرادة والصمود والموقف!

نفتحها لنقول إلى كل من تَربّى ويُربي جيلاً على ثقافة الحرب ويهيئ لحروب تحت شعار “المساندة” حينا، والدفاع عن أرض الآخرين حيناً آخر، وإسناد جبهات لا ناقة للبنانيين فيها ولا جمل… اتعظوا!

نفتحها ليس بهدف إعادة إحياء أحقاد وحفر أثلام الكراهية ورفع السواتر النفسية بين اللبنانيين. نفتحها لتكون عبرة لجيل جديد لم يتعرّف إلى حقيقة تاريخه وماذا فعل المحتل بأرضه وشعبه وماذا خلّف وراءه من أوراق كُتِبت بدماء الشهداء.

نفتحها إكراما وتقديراً لشعب يعشق الحياة ويؤمن بوجوده وهويته اللبنانية التي نسجها نساك قنوبين وباركها القديسون، أن الأوطان لا تُبنى بالتسويات ولا تُحكم بقوة السلاح والاستيلاء على الدولة القانون والمؤسسات.

نعم نقولها بالفم الملآن: لا للحرب إلا دفاعًا عن أرض وهوية وكرامة شعب يستحق العيش في وطن وجمهورية قوية. والتاريخ يشهد على قوافل الشهداء التي لا تزال تستقبل أبطالاً استشهدوا في زمن السلم على أيدي مجرمين وحاقدين ومستظلين بهيبة السلاح.

إنها أوراق الحرب… نعود إلى صفحاتها مع شهادات دوّنها الإعلامي والمسعف السابق رائد جرجس في كتاب بعنوان “أبيض أحمر” صادر عن دار سائر المشرق يروي فيه فصولا من محطات عاشها مسعفون في الصليب الأحمر اللبناني خلال المعارك وفي سطورها سيتعرف الكثير من الجرحى من خلال الأحرف الأولى لأسمائهم على “الملاك الأبيض” الذي أنقذ حياتهم، وسيقرأ أهالي شهداء كثر تفاصيل اللحظات الأخيرة لأولادهم قبل أن ينتقلوا إلى أحضان يسوع.

ومع هذه الروايات المكتوبة بالأبيض والأحمر نستذكر محطات فكّرنا أننا طويناها إلى الأبد لكن كان لا بد من إعادة نفض الغبار عنها.

بالأبيض والأحمر الذي جمعه جرجس في كتاب اختصر فيه عمل الصليب الأحمر وتضحيات المسعفين بأربع كلمات “إلى ما وراء الواجب”، تنشر “المسيرة” في كل عدد فصولا تحاكي جيل الحرب وما بعده..

 

إرادة إلهية أو حظ؟ ماذا لو حصل أي خطأ؟

• من كتاب “أبيض أحمر”… شهادات لمسعفين في الصليب الأحمر للكاتب رائد جرجس

استمرت العمليات العسكرية خلال سنة 1989، وأثناء القصف المتبادل بين الجيش اللبناني والجيش السوري، أصيب مربض في قرنة شهوان بالقرب من كنيسة مار بطرس وبولس (أصبح الموقع حديقة عامة). يقول إيلي باسيل: «لم نتمكّن من التوجّه مباشرة إلى المربض بعد إصابته، لأن القذائف كانت تتفجّر في داخله. عندما وصلنا بعد حوالى خمس أو عشر دقائق وجدنا عنصرًا من الجيش مصابًا إصابة بليغة في رقبته وكأنه مذبوح من الوريد إلى الوريد. وضع عناصر المربض الشاب المصاب إلى جانب حائط بعيدًا عن المدفع. رأيتهم يحاولون إسعافه عندما وصلنا. بدأت عملية إنعاش القلب ورأيت عمق الزلعوم والدم يتدفّق من الشريان الأساسي في الرقبة. كنت أعلم أن لا أمل لأن الدم يتدفّق وأنا أضغط لتدليك القلب. لا أنسى هذا المشهد في حياتي. فارق الشاب الحياة قبل وصولنا إلى مستشفى بحنّس. كانت هذه من أكثر المهمات قساوة التي نفذتها (1).

 

إصابة مركز سبيرز

مثل مركز العمليات في التباريس ومركز جل الديب، لم يسلم مركز سبيرز من القصف أيضًا الذي طال بيروت ليل 30-31 تموز 1989. يضم المقر الرئيسي للصليب احمر في لبنان، باﻹضافة إلى مركز السعاف، اﻹدارة العامة حيث مكاتب الموظفين ومكتب الرئيسة ألكسندرا عيسى الخوري وبنك الدم والمشاغل وإدارة التعليم والمستوصف. يستذكر ماهر زريق ليلة إصابة المركز: “وزّعنا سيارات اﻹسعاف في أماكن مختلفة لتفادي إصابتها جميعها في حال سقوط قذائف أمام المركز (2)، فوضعنا واحدة في مستشفى الجامعة اﻷميركية وواحدة في مركز اللاهوت للإنجيليين وأبقينا سيارة واحدة أمام المركز. كنت في غرفة السنترال أكتب رسالة، وهي غرفة ملحقة بالمبنى الذي يضم مركز الإسعاف. قررتُ أن أعود إلى مبنى الإسعاف، وسرعان ما انفجرت قذيفة في مبنى السنترال وتوالت القذائف بعدها لعدة دقائق. وضعنا الدروع والخوذات واحتمينا تحت الطاولة في غرفة العمليات. كان في المركز بسام ديب وسليم بيتموني nesnes وأسامة الناطورsafir . لم يصب أي من المسعفين جراء القصف لكنه أدى إلى تدمير سيارة الإسعاف التي كانت أمام المركز، رقمها 124، باﻹضافة إلى اخضرار التي لحقت بالمشغل والغرف المجاورة. بعد توقّف القصف سمعنا نداءات من المبنى المقابل وهو بناية كبيرة من عدة طبقات. يا صليب أحمر، يا صليب أحمر. لم نستجب في بادئ اﻷمر، ﻷننا اعتقدنا أن عناصر حركة “أمل” يريدون أخذ سيارات الاسعاف بالقوة كما فعلوا سابقًا مع بسام ديب تحديدًا. طلبت من المسعفين ألا يتحركوا. خرجت لاستكشاف الوضع فأدركت حينها أن سكان البناية المقابلة ينادوننا لأن النيران اشتعلت في السيارات أمام المركز، واعتقدوا أننا أصبنا في الداخل. كان المنظر مخيفًا في الخارج. أحسست أن ساعتنا قد اقتربت ولكن أقلّه سنموت ونحن نقوم بعمل إنساني” (3).

أما سامي بيتموني (شقيق سليم) فتلقّى خبر إصابة المركز حين كان مع فريق من المسعفين في الجامعة الأميركية. يقول بيتموني: “جاءني نداء من المركز يفيد بأنهم يتعرّضون للقصف. كان في المركز أسامة الناطور والراحل بسام ديب وأخي سليم وطلبوا منا تأمين سيارة إطفاء للمساعدة في إخماد الحريق المندلع أمام المركز. طلبنا من سيارة إطفاء قرب المستشفى التوجّه إلى المركز فقالوا لنا: “لا، نحنا ما منضهر تحت القصف”. فأجبتهم نحن لا نخرج أيضًا تحت القصف، ولكن هناك حالات استثنائية، فرفاقنا محاصرون بالنيران ويجب مساعدتهم. أصرّيت عليهم لكي يتحركوا وقلت لهم إنني سأنطلق أمامهم بسيارة الإسعاف. توجّهنا عبر طريق البريستول، ونزولًا إلى الصنائع، وكانت أغصان الشجر المتكسّرة جراء القصف تغطي الأرض على الطرقات. وصلنا إلى المركز وقاموا بعملية إطفاء السيارات المشتعلة، وكان همّي الاطمئنان على الشباب… احترقت وتضررت سيارات وسَلِمَ الشبابُ من الإصابة. طلبت من المسعفين في المركز التوجّه على الفور إلى الموقع المستحدث (poste) في مستشفى الجامعة الأميركية وإلى مستشفى البربير. توجّه الفريقان إلى المواقع المحدّدة وبقيت مع بسام ديب وحيدَين في المركز للمساعدة على إطفاء الحريق”. ويضيف بيتموني أن رئيس الإقليم حينها خالد عثمان تدخّل لتغيير توجيهاته وإخراج فريق من المسعفين ليرتاحوا في مركز المريجة، فرفض بيتموني كي لا تخلو المنطقة من عديد مهم للمسعفين وهي بحاجة ماسة إليهم أثناء ليلة مجنونة من القصف (4).

صباح اليوم التالي، وصلت الرئيسة ألكسندرا عيسى الخوري إلى المقر الرئيسي كعادتها وتفقّدت المركز وتأثّرت كثيرًا عند رؤيتها الدمار، كما يتذكر متري حداد (5).  يقول ماهر زريق إنهم كانوا محظوظين فعلًا ﻷن القذيفة التي أصابت المركز ارتطمت بعمود كبير وسط حائط من الحجر، فيما لم تنفجر قذيفتان أخريان سقطتا على الطريق أمام المركز. ويضيف زريق أن أمه كانت مهمومة ولا تعرف مصيره حتى رأت صورته في جريدة “السفير” في اليوم التالي للقصف. حمل إليها الجريدة إبن الجيران ليطمئنها أنه بخير (6). ويؤكد حداد ما جاء على لسان زريق من ناحية موقع ارتطام وانفجار القذيفة ويقول: “لو كان موقع إرتطام مليمترات إلى ناحية أو أخرى لكنا قتلنا جميعًا في الغرفة” (7). وأوضح حداد أنهم لم يضعوا أكياس رمل أو حماية إضافية للمركز ﻷنهم كانوا يعتقدون أن المبنى المقابل القريب والمرتفع يشكل حماية طبيعية لهم. إلا أنه بعد هذه الضربة القوية بدأ المسعفون بتعبئة أكياس الرمل (8). استحدث مسعفو سبيرز مركزًا ثانيًا في حرب التحرير بعد إصابة مركزهم. وكان في مبنى تابع للطائفة اﻹنجيلية في منطقة الحمراء، وأطلقوا عليه اختصارًا اسم near east. اتخذوا من الطابق الثاني أو الثالث تحت الأرض مقرًا لهم، وكانوا يركنون سيارة الاسعاف تحت اﻷرض أيضًا (9).

 

السطو على سيارة الإسعاف

بعد يوم قصف كثيف على منطقة عائشة بكّار أدى إلى إصابة بنت جيرانهم وإلى أضرارٍ كبيرة في المنطقة، قرر ماهر زريق، وهو مسعف ومسؤول عن التعليم (تدريب المسعفين) في مركز سبيرز، أخذ قسط من الراحة. توجّه زريق إلى مركز قبرشمون للقيام بدورة تدريبية للمتطوّعين هناك. كان مركز قبر شمون في دير كبير وجميل في قرية عبيّه. لم يصمد زريق طويلًا أمام حماسته لتلبية نداء لمهمة مع المسعفين في عبيّه. انطلق زريق مع فريق منهم نحو جسر القاضي الذي يقع بين منطقتَي عالي والشوف ويشكّل صلة وصل بينهما. يقول زريق: “كنا ننقل سيدة حامل تعاني من نزيف إلى المستشفى… أثناء المهمة بدأت القذائف تنهمر من حولنا وكذلك الشظايا. قلت في نفسي… هالساعة، شو بدي إطلع أعمل؟ شعرت أن الساعتين اللتين استغرقتهما المهمة هما اﻷطول في حياتي. لم يكن بوسعنا السير بسرعة بسبب الطريق المتعرّج والضيق في المنطقة. لم نصادف كائنًا حيًا واحدًا على طول الطريق الذي كان مكشوفًا في بعض اﻷماكن على مصادر القصف والقتال” (10).

بعد عدة أيام من القصف المتبادل وإصابة جسر القاضي، بات الوضع أصعب على اﻷرض وازداد التوتّر على حد تعبير زريق الذي كان يداوم في مركز قبرشمون ومقره في عبيّه. يروي زريق: «كان هناك سيارة إسعاف رقمها 190 أذكرها جيدًا ﻷنها كانت سيارة هجينة تعرّضت لحادث كبير، وتم تلحيم الجزء اﻷمامي إلى الجزء الخلفي من السيارة وبإمكانك رؤية الجزء اﻷمامي مرتفعًا بعض الشيء عن الجزء الخلفي بمجرد النظر إليها. مررنا أكثر من مرة على حاجر للحزب السوري القومي اﻻجتماعي في بلدة عيتات حيث وجّه إلينا عناصره بعض الكلمات بسبب رفضنا اقتراب من جبهة سوق الغرب ﻹخلاء جرحاهم. لم آخذ بنصيحة رئيس إقليم بعبدا في تلك المرحلة زياد حمادة الذي نصحني بالنزول إلى بيروت. كنت مستمتعًا بالمناظر الطبيعية والمناخ والاسترخاء النفسي، فقلت له بدي آخد نفس… فرد: أوكي ولكن في حال حدوث أي تطورات ستكون مجبرًا على البقاء. تجدد القصف في الليل واشتعلت جبهة سوق الغرب! انطلقنا في مهمة لإخلاء جرحى بسبب القصف، ومررنا مجددًا في عيتات على حاجز الحزب القومي. أمرنا عناصر الحاجز بالنزول من السيارة. لم ينفع الحديث معهم. فكان الجواب: نزلوا ولاه! أبلغنا زملاءنا عبر جهاز اللاسلكي في مركز قبرشمون أنه تم السطو على السيارة في عيتات، وعدنا سيرًا باتّجاه عبيّه لمسافة كيلومتر تقريبًا، قبل أن يصل زملاؤنا في سيارة أخرى لملاقاتنا. أعاد القوميون السوريون السيارة بعد فترة لكن بحالة يرثى لها” (11).

واجه مركز قبرشمون نقصًا في العديد بسبب اﻷوضاع، وكان زريق في تلك الفترة ينهي دورة تدريبية للمسعفين الجدد الذين لا يستطيعون تأمين مهمات قبل تخرّجهم، لذا اضطُر إلى تنفيذ مهام في المنطقة، ومساندة زملائه لعدة أيام بالتوازي مع مهمة التدريب (12). في طريق العودة، وعند وصول السيارة التي أقلّت المسعفين إلى بلدة بيصور، كان هناك إصابة بسبب القصف المتجدّد فتوقّف المسعفون ﻹخلائها. يتابع زريق: «لم نستطع المباشرة بالمهمة بسبب شدة القصف فاختبأنا في الطابق السفلي لبيت بمستوى الطريق وتحت الدرج. أحسست يومها بالخوف وبدأت تراودني فكرة الموت وأنني رح روح رخيص. بقينا مختبئين لمدة ثلاث ساعات والقذائف تتساقط بالقرب منا. أصيبت سيارة اﻹسعاف التي تركناها على الطريق أمام البيت، وأحسست بالتراب المتطاير على فمي من جراء القذائف” (13).

قبل معركة سوق الغرب، أُصيبت مدرسة في منطقة الجديدة كان يختبئ فيها مدنيون من القصف. توجّه جوزيف عون لإسعاف المصابين مع هنري كلاّس… يقول عون: «وصلنا إلى جسر نهر الموت وكانت دبابات الجيش تعبر من تحته، تخطيت إحداها وعندما صعدت على الجسر سقطت قذيفة على بعد نحو 30 مترًا من سيارتنا. حين اقتربنا من المدرسة اشتد القصف، ولم يعد باستطاعتنا التحرّك، فأوقفنا السيارة وانبطحنا تحتها للاحتماء. أكملنا المهمة بعدها ونقلنا مصابين بينهم شاب عمره 14 سنة كان مصابًا في شريان فخذه. كان لا يزال على قيد الحياة عند وصولنا وتكلّمنا معه، لكنه توفي لاحقًا متأثّرًا بجروحه” (14).

 

معركة سوق الغرب

كان القصف العنيف يتزامن مع معركة سوق الغرب في 13 آب 1989. يروي ماهر زريق ما حصل في ذلك النهار الطويل ويقول: “بدأ المصابون يصلون من الخطوط اﻷمامية إلى المنطقة حيث نحن. لم نكن بالقرب من الجبهة، كانت اﻷحزاب المشاركة في المعركة تسحب جرحاها إلى الخطوط الخلفية وننقل نحن عند القدرة مصابين منهم إلى المستشفيات. فبعد الاحتماء من القصف، توجّهنا إلى نقطة اإلتقاء القريبة من عيتات حيث كنا نلتجئ وبدأنا عملية الإخلاء. تحوّلت نقطة اﻻلتقاء هذه إلى poste (موقع معالجة وإخلاء) تصل إليها آليات عسكرية تحمل مصابين لكي يتم إجلاؤهم. وصلت آليات عسكرية منها جيب مكشوف يحمل عدة جرحى من الحزب التقدّمي الاشتراكي، منهم من هو غائب عن الوعي وواحد رأيت معه 4 بطاقات لجنود من الجيش اللبناني وبندقيتين 16M   م 16. ورأيتُ آخر يحمل آرمة المدرسة الوطنية في سوق الغرب. توجّهنا إلى المستشفى الميداني الذي أقامه الجهاز الطبي في الحزب اﻻشتراكي في موقع قريب تحت مركز عبيّه، وكان يشرف عليه الطبيب الجرّاح سنان خدّاج. رأيت هناك 10 أو 12 مصابًا مع الذين أتينا بهم وكان بعض اﻹصابات بليغًا. تنوّعت الإصابات من طلقات رصاص أو شظايا إلى بعض حالات البتر وغيرها. رأيت امرأة تبكي إبنها المصاب وهي فقدت إثنين قبله في الحرب” (15).

توجّه ريمون دنيا بدوره أثناء معركة سوق الغرب إلى أدما حيث قاعدة الجيش وبعدها إلى مجمّع طبرجا بيتش وأجرى 97 عملية سحب دم لإرسالها إلى المستشفيات التي تستقبل الجرحى (16). كان المصابون في ذلك اليوم يصلون إلى المستشفيات من جبهة القتال أو من مرابض المدفعية التي أصيبت أو من المدنيين الذين أصيبوا في القصف العشوائي الذي طال مناطق عديدة وخصوصًا المتنَين وكسروان. يتذكّر جوزيف عون إصابة مربض للجيش في جورة البلوط ويقول: “انطلقت ثلاث سيارات على التوالي للقيام بالمهمة، وبقيت في المركز مع بيار خوري رئيس فرقتي وماريو أبو جودة. كانت الساعة حوالي الرابعة بعد الظهر. بعد حوالي نصف ساعة طلبوا منا التوجّه بالسيارة المخصصة إلى المربض لسحب جثث الجنود إلى المستشفى العسكري. كان هناك أربع جثث محترقة في المربض، ولم يبقَ شيء من الشباب. تبدو كلّ جثة وكأن وزنها خمسة كيلوغرامات. الدخان يتصاعد من الأرض وكأنه يوجد جمر تحت التراب. كان المنظر رهيبًا. سحبنا الجثث ووضبناها وتوجّهنا أولًا إلى مستشفى بحنّس ومنه إلى المستشفى العسكري. كان القصف كثيفًا، جهنم ومفتوحة. قبل وصولنا إلى مبنى ميرنا الشالوحي رأيت من ناحية الجبل شيئًا ينطفئ ويضيء عدة مرات فقلت لأبو جودة: هيدي راجمة نازلة علينا! خفف السرعة أبو جودة برد فعل سريع وتوقّف أمام مبنى ميرنا الشالوحي، وبعد خروجنا من السيارة مباشرة بدأت القذائف تتساقط بالقرب منا فاختبأنا في المبنى. سمعنا صوت أشخاص يتكلّمون فتعجّبنا لأن المبنى يضم مكاتب فقط. اكتشفنا عند دخولنا إلى الطابق الأول أنهم صحافيو وكالة “رويترز”. سألنا المصور د. ق.: شو معكن؟ فلم نعطيه معلومات، وطلبنا منه التوجّه إلى المستشفى العسكري إذا أراد الحصول على المعلومات من الجيش اللبناني. أصرّ المصوّر على التقاط صور وأصرينا بدورنا على الرفض. كان هناك صحفيون آخرون في المبنى، وعلى غفلة منا نزل المصوّر، وكان القصف مستمرًا، وفتح باب السيارة لالتقاط الصور فلم ينجح. كنا قد انتبهنا ولحقنا به بالوقت المناسب. انطلقنا لإكمال المهمة فلحق بنا بسيارته (رينو 12 بيضاء اللون). عند وصولنا، أنزلنا الجثث وكانت الإصابات كثيرة في المستشفى وكذلك النعوش. كان المشهد مؤثّرًا” (17). لم تنتهِ الخطورة مع انتهاء المهمة، فأثناء العودة تعطّلت السيارة في منطقة بدارو حوالى الساعة التاسعة مساء، ما أجبر الشباب على التوقّف حيث تعرّضوا للقنص وأُصيبت السيارة (18).

خلال معارك سوق الغرب المتكررة، أنشأ الصليب الأحمر poste متقدّمًا في حومال للمساعدة في إخلاء الجرحى من العسكريين والمدنيين نحو مستشفيات المنطقة. وكان المركز يشهد ضغطًا كبيرًا لعمليات الإخلاء أثناء القصف والمعارك. يخبر غابي كريكر عن إحدى عمليات الإخلاء حين أصيبت سيارة الإسعاف التي كان بداخلها فيقول: “كنت في الخدمة وكانت ملالة الجيش تصل أحيانًا محمّلة بالجرحى، فنقوم بإسعافهم ونقلهم إلى مستشفى الـ Sacré Coeur (القلب الأقدس) أو إلى المستشفى العسكري. كنا نجتاز طريقًا ينكشف في بعض مراحله على الجبهة فنتعرّض لرصاص القنص. وفي إحدى المهمات سقطت قذيفة على بعد مترين من سيارتنا وكنا محظوظين لأنها سقطت في أعلى الجلّ إلى جانب الطريق. قوة الضغط رفعت السيارة عن الأرض لكننا لم نتأذَ. نقلنا عشرات الجثث للجيش اللبناني في ذاك اليوم وحوالي الـ80 إصابة” (19).

ـ يتبع ـ

 

هوامش:

1 ـ إيلي باسيل، المصدر نفسه.

2 ـ هذا ما كانت تفعله معظم المراكز، فكان المسعفون يركنون السيارات بين دشم من التراب إذا أمكن (كما حصل في الباحة أمام مركز جونيه) أو يقومون بتوزيعها في أماكن مختلفة من الشوارع المحيطة بالمركز أو تحت اﻷبنية (كما في التباريس وجل الديب وغيرها من المراكز).

3 ـ ماهر زريق، المصدر نفسه.

4 ـ سامي بيتموني، المصدر نفسه.

5 ـ متري حداد، المصدر نفسه.

6 ـ ماهر زريق، المصدر نفسه.

7 ـ متري حداد، المصدر نفسه.

8 ـ متري حداد، المصدر نفسه.

9 ـ المصدر نفسه.

10 ـ ماهر زريق، المصدر نفسه.

11 ـ ماهر زريق، المصدر نفسه.

12 ـ المصدر نفسه.

13 ـ المصدر نفسه.

14ـ جوزيف عون، المصدر نفسه.

15 ـ ماهر زريق، المصدر نفسه.

16 ـ ريمون دنيا المصدر نفسه.

17 ـ جوزيف عون، المصدر نفسه.

18 ـ المصدر نفسه.

19 ـ غابي كريكر، المصدر نفسه.

 

كتبت “المسيرة” ـ العدد 1760​

إقرأ أيضًا

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل