
ونعود مرة جديدة الى جدلية أي لبنان نريد؟ للمرة الأولى، لم تكن مشاهد “الموتسيكلات” التي انطلقت مساء من الضاحية لتجوب عين الرمانة وفرن الشباك والجميزة والجديدة وبرج حمود ومناطق أخرى، والتي خرجت منتصرة بصيحات الحزب و”شيعة شيعة”، مستفزة بالنسبة لي.
هذه المرة أشفقت عليهم. أشفقت على هزيمة مدوية يحاولون تجميلها بعبارات النصر وحركات الاستفزاز التي اعتادوا عليها لاستجلاب الفتنة التي لن ينجرّ إليها أحد، مهما حاولوا. أشفقت على مجموعة، تحمل اسم “الحزب”، ولا تعرف من لبنان إلا الانتماء لإيران والخضوع لمنطق غسل الأدمغة والتزلف. أشفقت على من ذهب ضحية غدر الحزب الذي استخدم ناسه دروعًا بشرية علّه يحقق مكسبًا في السياسة ويرتاح من وجع ضمير المرحلة المقبلة، “جيش وشعب ودولة”. حزنت على الطائفة الشيعية التي يقود جزء منها، مجموعة من المتعطشين الى التحدي والاستعلاء والاستقواء والدماء، علّهم في ذلك يرون غليل عقد نفسية لا زالت تحفر في داخلهم. حزنت على شعبنا، حتى لو رفض أن يكون جزءًا من هذا اللبنان المتنوع، أشفقت عليه، فهو ويا حسرتاه، لا يبالي لا بالبيوت التي فُتحت بوجهه ولا بالتضامن والاحتضان، هوسه التنقل في مناطق السيادة والحرية والعيش الكريم، مهددًا متوعدًا علّه يخيف من لم يركع يومًا، فإذا به يقع تحت الصدمة مجددًا.
حرك “الحزب” المهزوم الأهالي محاولًا الإيحاء لبيئته بأنه منتصر، فاستخدمهم دروعًا بشرية غير آبه بالدولة والجيش والاتفاقات الدولية. حتى اللحظة وعلى الرغم من سوريالية المشهد جنوبًا، قد نفهم حماس بعض الأهالي الذين هرعوا لتفقد جنى العمر، لكن ما لا يمكن تبريره، كيف خطر للشعب “المنتصر” أن يترجم انتصاراته على تخوم المناطق التي استقبلت ناسه والتي اعتمدت في خطابها بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، كل وسائل الانفتاح والاحتضان السياسي. كيف خطر للشعب “المنتصر” أن يُسخّر
موتسيكلاته” مطلقًا “شيعة، شيعة”. ماذا يعني إذًا، إن صرختم “شيعة”، وماذا يتغير في الموضوع؟
كيف يخطر للشعب “المنتصر” أن يضع عينيه بعيني من يحاول تخطي تجاوزات “الحزب” في جر البلاد الى الحرب والتهجير والفساد؟
كيف يخطر للشعب “المنتصر” الذي يحركه “الحزب” أن يتذاكى بعد وهو الذي يستطيع تعليم أهم الدول سبل العرقلة والتعطيل؟
في الأمس، خرجوا منتصرين بالموتسيكلات، فحبذا أن يجدوا غدًا بيسكلاتات تترجم انتصاراتهم المدوية.
في المحصلة، ” إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا”… وهذا ما شبّ وشاب “الحزب” مع “أهاليه” عليه، أما لبنان الآخر فسيُبقي أبوابه مشرّعة لاستقبال لبنان الجديد وسيحافظ على ثوابته وتقاليده الراقية الصرفة مرحبًا بكل زائر وطالب مساعدة، لأن هذا النموذج بحد ذاته هو قضيته التي ناضل من أجلها واستشهد الآلاف.
