
يعتمد الرسام عادة تقنية الابتعاد عن لوحته لاكتشاف شوائبها أو عيوبها أو نواقصها، تمامًا كالمصور، الفوتوغرافي أو التلفزيوني، الذي يعتمد الـzoom out أي تقنية توسيع الصورة، لكشف تلك الشوائب والعيوب والنواقص، عكس الـzoom in التي تغطيها وتخبئها وتكتمها عن العيان والعيون. وقد سبق أن دعا نصرالله لـzoom out أثناء دعوته لتظاهرة 8 آذار من العام 2005 والتي غطت ساحة رياض الصلح، ليقع في حبائل دعوته في 14 آذار 2005 في صورة واضحة جلية عالية الدقة، “غطّت” وشملت ساحتي الشهداء ورياض الصلح والأوتوسترادات والشوارع المحيطة والمتفرعة.
بعد انتظار ما يناهز الخمسة أشهر لضمانات من العدوّ بوساطات قطرية عُمانية ألمانية، وبعد رصد ملايين الدولارات لفعاليات التشييع والتبريك إعلاميًا وتنظيميًا، وعشرات الملايين لشراء أرض مرقد الأمين العام السابق نصرالله والتي كانت ملكيتها تعود لمؤسسات الإمام موسى الصدر على طريق المطار القديمة، أقام “الحزب” في 23 شباط الحالي، مراسيم تشييع أمينيه العامين نصرالله وصفي الدين على وقع هدير طائرات العدو المقاتلة، وتصوير وتسجيلات المسيرات والأقمار الصناعية، بالإضافة الى التغلغل المفترض للمخبرين “البشريين” من بيئة المقاومة المحتشدة في ملعب مدينة كميل شمعون الرياضية، وعلى الطرقات المحيطة والمؤدية اليها والى مطار الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
لقد مهّد إعلام الممانعة و”الحزب” بالترويج “لمليونية” تقرّش أعداد المحتشدين في السياسة في الداخل قبل الخارج، وهذا ما عاد وألمح اليه أمين عام “الحزب” نعيم قاسم في خطابه المسجل بقوله: “إن حشد اليوم هو تعبير عن الوفاء ولم يشهد له تاريخ لبنان مثيلاً”… في حين أن قياس المساحات وإسقاط الأعداد عليها تؤكد على سبَقٍ مثيل سابق واحد، على الأقل في 14 آذار من العام 2005 ، أي قبل عشرين عامًا.
لم نكن لنتوقف على العدد أو الحشد لو لم يعتمده المحور الممانع وخاصة “الحزب” معيارًا للنجاح والانتصار والتأييد، ومقياسًا يستند اليه “المحشّدون” “المعبّئون” للاستثمار في اليوم التالي للحشد. فالأمين العام الراحل لـ”الحزب” نصرالله اعتبر في 24 أيار 2024 أن “جنازة تشييع الشهداء السيد رئيسي (الرئيس الايراني) وصحبه الكرام، هي ثالث أكبر جنازة في تاريخ البشرية بعد الإمام الخميني والشهيد قاسم سليماني”، في حين أن موسوعة غينيس سجلّت من ضمن تاريخ البشرية رقمًا قياسيًا لم يُكسَر بعد، لـ”سي إن أنادوراي”، كبير وزراء ولاية “تامل نادو” الهندية، الذي تُوفي في العام 1969، وشارك في توديعه إلى مثواه الأخير حوالي 15 مليون شخص.
نتوقف في هذا الإطار والمعيار الذي استند اليه “الحزب” في تحشيده واستثماره، عند جنازة الزعيم السوفياتي الشيوعي الذائع الصيت سلبيًا، جوزف ستالين في 9 آذار من العام 1953، التي حضرها ما يقارب 3 ملايين شخص من شتى أنحاء الاتحاد السوفيتي من الفلاحين وعامة الناس، وصولًا إلى القادة الكبار في “الحزب” ومارشالات الجيش وقادته، كما حضر جنازته عدد من القساوسة، وقد شهدت الجنازة عمليات تدافع بين الحاضرين أسفرت عن مقتل أكثر من 100 شخص. وأثناء دفن جثته، شهد الاتحاد السوفيتي لحظة صمت، كما دقت أجراس الكرملين ودوت صفارات الإنذار بالبلاد… وغني عن الذكر والتذكير ماذا كتب التاريخ عن ستالين وأين أصبحت الستاليتية “بُعيَد” الجنازة، وأين هي اليوم.
كما نتوقف عند جنازة الزعيم المصري الرئيس جمال عبد الناصر في العام 1970 حيث شارك في تشييعه حوالى 6 ملايين شخص، فيما قُدّر عدد متابعي جنازته عبر التلفاز بحوالي 350 مليون شخص حول العالم… وحضر الجنازة غالبية رؤساء وملوك الدول العربية، إلى جانب عدد من الشخصيات غير العربية.
للمقاربة والمقارنة، من المفيد التذكير أين أصبحت “الناصرية” في مصر بعد وفاة عبد الناصر وفي الأيام التالية لمراسم التشييع المهيب، وأين أصبحت حركاتها في العالم العربي وخاصة في لبنان، إذ لم يتبق الا واحد وحيد يتيم من فلولها هو النائب السابق نجاح واكيم، المتلّحف حاليًا راية “الحزب الديني الأصفر” والذي كان له الدور البطولي في نسف تمثال جمال عبد الناصر في 30 كانون الثاني من العام 1983 في بعلبك، وفي 11 نيسان من العام نفسه في الطريق الجديدة، إضافة الى محاولته تفجير تمثال عبد الناصر في 13 منه في عين المريسة… وتأكيدًا على مسؤولية “الحزب”، يقول الأمين العام الراحل نصرالله في 6 أيار من العام 2018 في مقابلة تلفزيونية، حول إعادة تمثال الرئيس المصري جمال عبد الناصر إلى مدينة بعلبك: “إن الرئيس جمال عبد الناصر يعنيه ويعني الجميع، بسبب تاريخه ومواقفه خصوصًا في الموضوع الإسرائيلي ومواجهة المشروع الصهيوني… إن إعادة التمثال قابل للنقاش مع بلدية بعلبك”.
من الحق أن يشيّع “الحزب” قادته، وأن تعبّر بيئة “الحزب” ومحبّو نصرالله وصفي الدين عن وفائهم وحزنهم وولائهم لفقيديهم، كما أنه وإجلاءً لـ”الصورة” وللحقيقة، يصبح من الخطأ أن تستغل وتستثمر الجنازات والشهادات والشعوب والقبضات والهتافات والاستفزازات و”التعدادات” في تغطية السماوات بالقبوات، والهزائم بأوهام الانتصارات الساقطة أمام حقائق الاتفاقات وتحت عباءتها ورعايتها، من اتفاق الطائف الى تنفيذ حذافير اتفاق وقف إطلاق النار “الذي طلبه الاسرائيلي”، على ما أعلنه نعيم قاسم في خطابه المتناقض المسجل المكرر غير المعدّل، والذي جمع فيه أبوة الولي الفقيه المطلقة عليه وعلى حزبه وناسه أشرف الناس، مستقويًا مهددًا لبقية الناس، مع قبوله بلبنان وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه، متساوين في الحقوق والواجبات.
.jpg)