.jpg)
في لبنان، ليس الصوم مجرد طقس ديني يعبره المسيحيون بين تقويمٍ وتقويم، بل هو وقفة مع الزمن، نظرة إلى التاريخ حيث بصمات أسلافنا غاصت في هذا التراب، وإلى الأمام حيث تراب آخر ينتظر أجسادنا يوم تنتهي رحلتنا في هذه الأرض. حين يهمس الكاهن على جباهنا المتواضعة في إثنين الرماد: “أذكر يا إنسان أنك من التراب وإلى التراب تعود”، لا نسمع هذه العبارة كنذير زوال، بل كإعلان لسرّ البقاء.
البقاء الذي صنعه آباؤنا من هذا التراب، حجرًا على حجر، وعرقًا على عرق، ودمًا على دم.
أليس التراب الذي سنعود إليه هو ذاته الذي جعلناه وطنًا؟ أليس هو الذي زرعناه حبّة قمحٍ، عجناه طينًا في جدران بيوتنا، وسقيناه بدم شهدائنا ليبقى حيًّا فينا؟ نحن، أبناء هذا الصوم، لا نخافه إطلاقًا، لأننا من ذاكرته، من جسده، من ألمه ومن قيامته.
حين نصوم، نحن لا نمتنع عن الطعام وحسب، بل نعود إلى حقيقة أنفسنا… إلى فراغ الجسد حين تفارقه الرغبات، وإلى امتلاء الروح حين تتّحد بعمق الحكاية التي كتبها أجدادنا على صخور الوادي المقدس، وعلى جدران الكنائس المعلّقة كقناديل في وجه العاصفة. نحن الذين أمضينا عمرًا نحفر في هذا التراب وطنًا يسكننا، كيف لا نتذكّر في الصوم أننا إليه عائدون؟ وكيف لا ندرك أن مجد الإنسان ليس في ما يملكه، بل في ما يتركه في هذا التراب حين تصمت الأجراس حزنًا، وتنطفئ الشموع، ويبقى الأثر؟
وفي هذا الصوم، كما في كل صوم، نجدد العهد أننا ننتظر القيامة، لا كحَدَثٍ نحتفل به، بل كحقيقة نحياها. ننتظر قيامة المسيح كما ننتظر قيامة لبنان. بكل صبرٍ وخشوعٍ ومقاومة. فكما لم يكن للصليب أن يكون النهاية، لن يكون لهذا الليل أن يطول. وكما انتصرت الحياة على الموت في فجر القيامة، سيولد فجر آخر على هذه الأرض التي اعتادت أن تقوم كلما ظنّوا أنها انتهت. نحن أبناء الصوم، وأبناء الرجاء… نعرف أن التراب الذي يحتضن الأموات، هو ذاته الذي يفجّر القيامة من القبر.
د. طوني بدر ـ منسق منطقة عاليه في “القوات اللبنانية”