#dfp #adsense

حملت صليبها ولم تمشِ منذ 42 عامًا.. ماري خوري

حجم الخط

ماري خوريماري خوريماري خوريماري خوريماري خوري

وكأنّ رائعة الكبير سعيد عقل كتبت لها: “ومن أنا لا تسل.. سمراء منبتها”. بلى سألت وتساءلت كثيرًا عن تلك السمراء المتّشحة بالصمود والكبريا.

من تكون تلك الصبية التي زهدت بمغريات الحياة واعتنقت قضية وجود، فإما نكون أو لا نكون، وإن كنّا، فسنكون لنبقى ونستمر.

من تكون تلك الشابة التي أزاحت فساتينها ومرآتها جانبًا قيد الانتظار وارتدت البزّة الكاكيّة لأن الخطر الداهم على أرضها وقريتها لا ينتظر. وحين يدق الخطر الأبواب، عليها أن تكون أولى المدافعات.

كثر احتاروا في وصفها. المناضلة؟ الصامدة؟ الشهيدة الحيّة؟ الرفيقة الباسلة؟ الفنانة المبدعة؟ الصابرة صبر لبنان؟

كل الأوصاف والتسميات الراقية تليق بها، لا بل لا تكافئ معاناتها، هي التي تحدّت القدر الذي سجنها في كرسيّ مدولب، فروّضت كرسيّها كما يروّض الخيّال الأصيل فرسه الجامحة وامتطته بثقة وعزم قلّ نظيرهما، وانطلقت في سباق الإبداع، وسلاحها هذه المرّة ريشة وألوان وخيال يفيض جمالًا.

أمّا السلاح الأبرز، فإيمان وعمق روحيّ وثقة بالله وبما رسمت ريشته لها، بدرب جلجلة شبيهة بجلجلة يسوع ولبنان، حتى تشعر بأن لآلامهم توقيع مشترك.

إنها ماري خوري، سيدة الجرح الأنيق.

طفولة ماري بدأت من هناك، من قريتها الشوفية، وتروي: بماذا أبدأ؟ إنها أروع الذكريات. أنا أعشق قريتي، البيرة الشوفية بطبيعتها وبساطتها وطيبة أهلها حتى انعكس ذلك في لوحاتي. ولدت في عائلة مترابطة عاطفيًا، تضم الى والديَّ سبعة إخوة وأخوات. عائلة بسيطة لا ينقصنا شيء، فوالدي كان مزارعًا أفنى حياته مع والدتي في تربيتنا خير تربية، فتعلّمنا حتى نلنا شهاداتنا. وإضافة الى زوادة العلم والمعرفة، تزوّدنا بالإيمان والالتزام بحب الوطن. فنحن عائلة مقاومة مسيحية بامتياز، اكتسبنا المبادئ والأسس التي جعلت جذورنا تتعمّق في أرض هذا الوطن، وطن عشقنا ترابه.

دخلت ماري خوري مدرسة البيرة، فكانت المرحلة الدراسية الابتدائية ثمّ التكميلية في مجدل المعوش ثم الثانوية في عين دارة. وتأثرت بشقيقها الأكبر الذي درس الهندسة وسافر إلى الولايات المتحدة الأميركية، فقررت أن تدخل الجامعة لدراسة الهندسة. هذا كان طموحها الى أن عصفت الرياح وغيّرت مجرى السفينة.

عام 1982 بدأ الاجتياح الاسرائيلي، وكانت شقيقتها تتابع تحصيلها العلمي في بيروت، فطلبت من ماري أن تلحق بها، نظرًا الى تردي الأوضاع الأمنية في الجبل. لكن ماري رفضت مغادرة البيرة وقرّرت المكوث مع والديها وشقيقها وعمّها.

وتتابع: “بدأت القوّات اللبنانية تنظّم دورات تدريبية لمن يرغب. ناقشت الموضوع مع والدي فلم يبدِ أي اعتراض وقال لي: “اتبعي مبادئك وقناعتك”. وهكذا فعلت. انتسبت الى سلاح الإشارة وكان خياري نابعًا من حسّ وطني ومسؤولية الدفاع عن الوجود. كنا حوالى الخمسين صبية خضعنا لدورة تدريب في قرية عين تراز. وفي نهايتها، عاد كل منّا الى قريته ليخدم الواجب فيها. بعد عام تقريبًا، وتحديدًا مطلع أيلول، اشتدت المعارك في الجبل وبدأ الخطر يقترب من قرانا ولم يكن هناك ملاجئ، الى أن دق الخطر أبواب قريتي البيرة في 6 أيلول 1983. انتقل من استطاع الى دير القمر، أما أنا ففضّلت البقاء والدفاع عن أرضي. وفيما أنا متّجهة الى منزلي، التقيت بشخص سألني:

ماري خوري؟ أجبته بنعم. قال لي: كمّلي طريقك عالكنيسة. فعلت وكان فيها حوالى 40 رجلًا، ومن هناك توجهت الى مركز “القوات اللبنانية” في القرية، وقد بات في عهدة مسلّحين غرباء. هناك تعرّضنا للاستجواب وطُلب مني الإفصاح عن أسماء الرفاق، فأنكرت، مما استفزّ أحد المسلّحين، لا سيما بعدما أصررت على الإنكار، فشهر مسدسه وأطلق علي النار، فأُصبت في عنقي.

كان ذلك في صباح الأربعاء 7 ايلول 1983. في اليوم التالي، وصل الدفاع المدني لجمع جثامين الشهداء وكنت في عدادهم، ولكن مشيئة الله أبقت فيّ النبض، فكنت الشهيدة الحيّة الوحيدة. ثلاثة أيام في الغيبوبة، استفقت بعدها في مستشفى بعقلين… وفكرت أنها أيام وأعود الى قريتي، لكن إحدى الممرضات أخبرتني قائلة: “البيرة فارغة من اهلها، لقد غادروها”.

في غرفة المستشفى كانت وحدتي قاتلة، لم أكن أشعر بأطرافي، حتى أنهم حلقوا شعري. وذات صباح دخل شاب في الدفاع المدني الى الغرفة وقال لي: “لا تقلقي سنأخذك الى أهلك”. نقلوني بواسطة سيّارة الإسعاف ووصلنا الى جزّين. كنت أعاني من ضيق في التنفس بسبب إصابتي بالتهاب حاد في الرئتين. كانت الرحلة شاقة وطويلة ومضنية، الى أن وصلنا الى مستشفى حمّود في صيدا، وهناك كان الاهتمام بي رائعًا وبمنتهى الإنسانية.

دخل الأطباء غرفتي وأخذوا ينظرون إليّ بسبب شكلي وعدم وجود شعر على رأسي، ثم يحدّقون ببعضهم البعض باستغراب وأسى. ظننت أنهم خافوا من شكلي، الى أن أمسك الطبيب بيدي ورفعها وسألني: “ما هذه الكتلة في يدك”؟ وأنا لا أعلم عن يدي شيئا. وقال لزميله: “أظنه حرق أسيد والأخرى حروق سجائر”.

مكثت في مستشفى حمّود فترة وقطعت نذرًا أمام الله بأنني عندما أتعافى سأخدم فيها لشهرين مجانًا. في هذه الفترة زارني المطران إبراهيم الحلو وكتب رسالة لأهلي يهنئهم بسلامتي، جاء فيها: العذراء مريم لفّتها بثوبها. ووضع أيقونة للعذراء داخلها. وقال لي: “غدًا نرسلك الى بيروت الى مستشفى أوتيل ديو”.

غالبية سكان البيرة بمن فيهم عائلة ماري كانوا قد نزحوا الى مدرسة الحكمة، وهكذا تم إبلاغ ماري بأنها مصابة وهي موجودة في بيروت. لكن شقيقتها التي كانت سمعت إسم ماري خوري في عداد الشهداء، لم تصدّق الى أن توجهت الى المستشفى وشاهدتها. فأبلغت العائلة بأن البطلة لا تزال حية تُرزق.

في هذا الوقت، كانت ماري تأمل أن تخرج من المستشفى وتعود الى مقاعد الجامعة. حتى سألت طبيبها: هل يمكن أن أغادر المستشفى قبل بداية العام الدراسي. فكان الجواب: الله كريم، الأمل بالله. الإجابة حفرت في ذاكرة ماري وشعرت أن ثمة أمرًا ما… وبدل الالتحاق بالجامعة، التحقت بمعهد بيت شباب للتأهيل. وتروي: “دخلت عالمًا غريبًا. شعور موحش ومكان لا يشبهني. عادت إليّ كل ذكريات قريتي والغربة عنها والإصابة… قلت في نفسي ستة أشهر وتمضي وأعود لمزاولة حياتي. لكن بدأت أكتشف وأتعرف على أشخاص مضى على مكوثهم في المعهد سنوات طويلة، وبدأت أشعر بالقلق. وذات يوم، وفيما كنت أخضع لجلسة تأهيل، سألت المؤهّل وكان قد مضى على وجودي في المعهد ثمانية أشهر: ما هو وضع اليدين؟ فأجابني: ماري، إنتي مش ولد، لن تعودي كالسابق ولكن سنساعدك”. هنا أدركت أنّه الشلل الرباعي الذي لا خلاص منه، وأحسست بأن الحياة انتهت وكانت الصدمة. طلبت منه أن يدربني على كتابة اسمي ولو بواسطة الفم، وبدأت التجربة بقلم الماكياج لطراوته. ثم استعنت بـ atelle main التي تشبه اليد الاصطناعية، وكنت أسند يدي على وجهي وأحرّك رأسي وأتمرّن على الكتابة”.

لم تكتفِ ماري بهذا الإنجاز، وكان الى جانبها والدتها التي لم تفارقها لحظة على مدى عام بكامله، الى أن طلبوا منها أن تعود. فماري في أيدٍ أمينة. وبشجاعتها قررت أن تحوّل الإعاقة الى طاقة إبداع، وتروي: “كانت يدي اليمنى أفضل حالًا من اليسرى، ففكّرت أن أستعيد موهبة الرسم. فكنت أخربش وأرسم الوجوه وأكرر المحاولة أكثر من مرة، الى أن زارني يومًا رئيس معهد بيت شباب سابقا الأب الراحل جورج كرباج، فأُعجب بلوحاتي، وقال إنه سيعرضها في معرض المعهد الميلادي. قلت له: لا يا أبونا، شو بدّك تضحّك العالم عليّ؟ أجابني: يلّي بيرسم هودي بيرسم أحسن. فضحكت وقلت الحكي شو هيّن. لكن جملته هزّتني ورسخت في فكري.

كان في المعهد شاب مصاب بشلل نصفي ويتعلّم الرسم في أحد المعاهد في برمانا. طلبت منه أن يسأل أستاذ الرسم إذا كان باستطاعته أن يأتي بنفسه الى بيت شباب ليعطيني دروسًا في الرسم، نظرًا الى صعوبة التنقل. ففعل وعاد ليخبرني بموافقة الإستاد على إعطائي دروسًا في الرسم في المعهد. بدأنا بتقنية التنقيط بالحبر واستغرق الأمر حوالى سنة ونصف، الى أن قال لي بأنني أخذت كل القواعد الأساسية. لم أكتفِ بهذا القدر وقررت أن أدرس الرسم وأنال شهادة. قصدت أكاديمية مايكل أنجلو للفنون الجميلة عام 1989 وتخرّجت بعد 3 أعوام، وكنت الأولى على دفعتي.

عام 2006 تحقق أول حلم، حيث أقمت أول معرض للرسم في فندق متروبوليتان في بيروت، وتتالت بعدها المعارض في لبنان والمشاركة في معارض عالمية منها الولايات المتحدة وتركيا وكولومبيا وفرنسا.

نسأل عن لحظات الانكسار والوقوع تحت أقدام الصليب، وتجيب ماري: “أحيانًا أسأل نفسي لماذا يا رب لم تتركني أستشهد؟ أنت الشاهد الأول والأخير على انهياري وأنا سجينة غرفة وكرسي… كنت أنظر الى المصلوب على حائط غرفتي وأتسامر معه… وفي ليلة ظلماء مكلّلة بالدموع جاء الرد: لا تحزني يا ابنتي، أنا مسمّر مثلك.

ومن حينه تعرّفت إلى المصلوب بعمق، وصار صديقي ورفيق دربي. كلامه في الإنجيل صار مرجعي وقراءاتي اليومية، جعلتني أفهم أكثر سر الإيمان والخشوع، والأهم صرت أفهم معنى عبارة… لتكن مشيئتك”.

ماذا عن المسامحة والغفران؟؟ “كلّما تعرّفت الى يسوع، كانت قدرتك على الغفران أكبر. من دون المسامحة والمحبة يبقى الإيمان المسيحي ناقصًا. دائما كنت أتأمل بالآية “أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم”. في البداية حسبتها مستحيلة، لكن مع الإتحاد بآلام يسوع شُفيت من الحقد والكراهية… نعم سامحت وغفرت. وإذا ما التقيت بالرجل الذي أطلق عليّ النار، أقول له: “الله يسامحك”، وأنا أدرك تمامًا أنه يتألم ويعيش عذاب الروح”.

ماذا لو عاد بك الزمن، ماذا تغيّرين؟

أعود الى البزّة الخضراء لأدافع عن الوجود عن أرضي وناسي وأهلي. تخيّلي لو أن هذه الأرض لم ترتوِ بدماء الشهداء، ماذا كان حل بنا؟ لقد قدّست هذه الدماء كل حبة تراب في هذا الوطن. إنها أرض مباركة وشهداؤنا قديسوها. أنا إيماني كبير بقيامة لبنان، والله يرى ويحاسب ويقدّر ويكافئ.

قبل أشهر باتت ماري خوري عاجزة عن الرسم بواسطة “الآتيل”، بسبب تقطّع أوتار اليد. حزنت. انكسرت. عاتبت يسوع وقالت له: “استكترت عليّي هالإيد؟”. وتختم: “لكن اليأس ليس في قاموسي. عدت الى اليد اليسرى على المهمّة بعدما تصالحت مع الموضوع والآن أرسم بها. استعمالها أصعب وأبطأ، ولكن أشكر الرب، أحسن من لا شيء”. وتودعنا بكلمات “لتكن مشيئته”.

 

كتبت جويس قزي  في “المسيرة” ـ العدد 1762​

حملت صليبها ولم تمشِ منذ 42 عامًا

ماري خوري: أعود الى البزّة الكاكية وأسامح القاتل

إقرأ أيضًا

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل