
لقد ظن البعض من قليلي الإيمان من اللبنانيين وتوّهم البعض الآخر من “المؤمنين”، بخط “الحزب” والمحور من الممانعين لدى سماعهم ومشاهدتهم لمقابلة الشيخ نعيم قاسم لقناة “الميادين” في 9 آذار 2025، أن فرض منطق الدويلة على اللبنانيين وعلى دولتهم وعلى اقتصادهم وعلاقاتهم الخارجية لا يزال كما كان ما قبل تاريخ السابع من تشرين الأول 2023، وفي أحسن الأحوال الى ما قبل جلسة مجلس الوزراء في السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024 التي أقرّت ووافقت على اتفاق وقف إطلاق النار بكل مندرجاته المفروضة على “الحزب” جنوب وشمال الليطاني وشرق وغرب الوطن اللبناني بحرًا جوًا وبرًا، لتكون جلسة مجلس الوزراء بتاريخ 13 آذار من العام 2025 بمثابة “نكزة” أو “نقزة” تعيد من ضلّ عن قلة إيمان وتسقط وهم من تشبّث وتعنّت بمواقف ومواقع وأدوار ومهام ثثبت هشاشتها وتصدّعها وانهيارها وعبثية اعتمادها في كل تفصيل من خطاب القسم الى الجلسة المذكورة، حيث وردت المعلومات من داخل مجلس الوزراء أن “وزراء القوات طالبوا خلال الجلسة باجتماع المجلس الأعلى للدفاع ووضع روزنامة لسحب سلاح الحزب ولاقى هذا الطرح تجاوبًا من دون اعتراض أيّ من الوزراء”.
فالسكوت “علامة الرضى” وهو تجسّد بعدم اعتراض ثلاثة وعشرين وزيرًا من الأطياف والطوائف والأحزاب والمستقلين، عن “جدولة سحب السلاح”، مسقطًا كلام نعيم قاسم الذي توهّم وأوهم بقوله: “عندما نقول المقاومة مستمرة، يعني أن المقاومة مستمرة في الميدان… ما رح بطل مقاومة ويلي بيطلع بإيدكن يطلع”، ومذكرًا إياه بكلامه في نفس المقابلة: “نحن التزمنا باتفاق وقف إطلاق النار وانسحبنا من جنوب نهر الليطاني… والحزب قَبِلَ باتفاق وقف إطلاق النار الذي طالبت به إسرائيل”، تمامًا كما أسقط قوله “إن حصرية السلاح ليس موجهًا لنا”. وفي نفس الإطار كان سقط ظن قليل الإيمان والمُوهم والمتوهم في جلسة مجلس الوزراء في السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024 والتي وافقت وأقرت اتفاقية وقف إطلاق النار برعاية الأخ الأكبر الدائم، الرئيس نبيه بري والتي تدحض وتسقط في مقدمتها وبصراحة كل شك وكل وهم بإيرادها: وفي مقدمته التي تقول حرفيا: “مع الاعتراف بأن هذا القرار يدعو أيضًا إلى التنفيذ الكامل لقرارات مجلس الأمن السابقة، بما في ذلك “نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة في لبنان”، بحيث تكون القوات المُصرَح لها فقط بحمل السلاح في لبنان هي القوات المسلحة اللبنانية الجيش اللبناني، وقوات الأمن الداخلي، ومديرية الأمن العام، والمديرية
العامة لأمن الدولة، والجمارك اللبنانية، والشرطة البلدية المشار إليها فيما يلي باسم “القوات الأمنية والعسكرية الرسمية للبنان”.
وكان قاسم نفسه قد مهد لهذا التسليم قبل التصديق عليه في كلمته في 20 تشرين الثاني من العام 2024: “أولاً، سنبني معًا بالتعاون مع الدولة وكل الشرفاء والدول والقوى التي ستساعد من أجل إعادة الإعمار. ثانيًا، سنقدم مساهمتنا لانتخاب رئيس بالطريقة الدستورية. ثالثًا، خطواتنا السياسية تحت سقف الطائف. رابعًا، سنكون حاضرين في الميدان السياسي بقوتنا السياسية والشعبية”، ليوضح هو نفسه لاحقًا في 27 كانون الثاني من العام 2025 الأسباب الموجبة التي أملت تراجع منطق الدويلة ووهم المقاومة:.. “أمام هذا الاستنزاف، وأمام هذه المراوحة، جاء طلب إسرائيل من خلال أميركا بوقف إطلاق النار، وافقنا مع الدولة اللبنانية على وقف إطلاق النار، وهذا انتصار، سجّلوا هذا نصر… وقف إطلاق النار، وافقنا على وقف إطلاق النار لأنّه مُعتدى علينا والمعتدي طلب أن يوقف اعتداءه بشروط… من الطبيعي أن نقبل بوقف إطلاق النار بصرف النظر عن بعض الشروط التفصيلية… بعض هذا الجمهور لديه تساؤلات، وتفاجأ بما حصل، وهذا حقّ مشروع، الحادث كان كبيرًا جدًا، الحرب كانت كبيرة جدًا، بعض النتائج لم تكن متوقعة، بسبب الإمكانات التي راكمناها كمقاومة والصواريخ التي أصبحت معنا والطائرات المسيرة التي تحدّثنا عنها والمناورات التي أبرزت قوة استثنائية بالنسبة لنا، ظنّ الكثيرون بأنّنا سنهزم إسرائيل عسكريًا بالضربة القاضية إذا حصلت معركة بيننا وبين إسرائيل قدرة الردع التي حقّقناها خلال 17 سنة… جعلت الناس يعتبرون أنّ قوتنا العسكرية بمستوى أن يكون الردع ردعًا كبيرًا و”حقيقيًا”… انتصارنا في التحرير سنة 2000 وانتصارنا في حرب تموز سنة 2006 وانتصارنا على داعش والتكفيريين سنة 2017 أعطت انطباعًا بأنّنا دائمًا مُنتصرون عسكريًا وهذا بسبب التفوّق الموجود لدينا… لم يتوقع جمهورنا أن نخسر هذا العدد الكبير من القيادات وعلى رأسهم سيد شهداء المقاومة نصر الله (رضوان الله تعالى عليه) في فترة زمنية قصيرة وبهذه السعة وبهذا الانتشار، لم يتوقعوا، لأنّه يقول لك القوة العسكرية الموجودة، هذا التنظيم العظيم الموجود عند الحزب، القدرة الأمنية الموجودة عند الحزب، معقول أنّه بهذه الكثافة وبهذا الشكل، لم يتوقع جمهورنا أن يحصل ما حصل. طبعًا حتى نحن لم نتوقع أن يكون قتل القيادات بهذه الطريقة وبهذه الشمولية… كان يُفترض ألا يكون هذا الانكشاف بهذه الصورة. لكنه أمر حصل… الأفضل أن نصبر قليلًا على الرغم من حالة الشعور بالمهانة وتصرف إسرائيل بطريقة فيها إزعاج وفيها محاولة انتقام”.
ما يؤكد على التوهّم الذي عرضه أمين عام “الحزب” بعد الضربات القاصمة لمحوره هو في ما كان قد أعلنه نعيم قاسم في 2 شباط 2024: “إلى الآن مرت أربعة أشهر، ومن الآن نستطيع أن نعلن نصر المقاومة، وأي وقت إضافي هو هزيمة إضافية لإسرائيل”.
لم تكن مطالبة وزراء “القوات اللبنانية” بضرورة جدولة تطبيق ما ورد في الدستور والقانون والقرارات الدولية واتفاق وقف اطلاق النار وخطاب القسم والبيان الوزاري، يتيمة في جلسة مجلس الوزراء، اذ كانت التعيينات، في المراكز الأمنية والعسكرية والتي كانت تأتي حسب هوى دويلة “الحزب” والمحور ورضوخًا لفيتوهاته مختلفة لا بل مخالفة لذاك الهوى ومسقطة لتلك الفيتوهات المعلنة سابقًا، وخاصة في تعيين رودولف هيكل قائدًا للجيش، لتشكل مسمارًا آخر في نعش الدويلة والتي عبّر عنها قاسم في “الميادين” بأضغاث أوهام وأحلام تثبت استحالة تحقيقها الأيام.
.jpg)