#dfp #adsense

دير الرَّاس

حجم الخط

دير الراسدير الراسدير الراسدير الراسدير الراس

تلَّةٌ رهبانيَّة من تلال بلاد العاصية كسروان ملتحفةٌ بآية مصابيح العذارى الحكيمات، وعذاراها ملتحقاتٌ منذ سكنوها بالمدعوين إلى يوم جبل التَّجلّي، ومَن زار ويزور التلَّة المزار يندفع إلى الهتاف كبطرس:

“حسنٌ أن نبقى ههنا يا معلم”، وهل مِن حسنٍ روحيّ يفوق مجالسة مختارات هُنَّ بنات الأنبا أنطونيوس أبي الراهبات والرهبان، ينظِّمن أعراسًا يوميّة ليس للجسد فيها نصيب، وكيف تنتهي أعراس المستعدّات إلى العرس ما دام العريس مقيم دائمًا في طاعتهنَّ وعفافهنَّ وفقرهنَّ وبسمة مُحيّاه في وجوههنَّ وخفقات قلبه في نبضهنَّ ويرتفع الترتيل والترنيم:

“يا قلب ربِّي يا رجائي، يا قلب ربِّي يا عزائي”!!

 

دير مار الياس الرَّاس

“مزرعة الرَّاس” المنتقلة عقاريًا منذ مطلع القرن الثامن عشر من وارثٍ إلى وريث، تقوم مقام فاصلة على زيحِ سطر جغرافيّ يستطيل أفقيًا بين منطقتي زوق مصبح جعيتا، لكنَّ دير الراس لا يحتار لمن ينتسبُ عقاريًا وجغرافيًا، فنسبُه الكتابيّ يعود إلى أحد أبلغ أسفار يشوع بن سيراخ: “رأس الحكمة مخافة الله”. إن كان هذا الدَّير من أعمال زوق مصبح المباركة فله منها دير سيدة اللويزة ومجمعها الرهباني عام 1734 وضريح النَّصيب الأوفر من رفات “المصباح الرهباني “القراعلي، وإن كان من خاصيّات وادي جعيتا، فإنَّه له فيها مغارة ليست أقلَّ من متحف ربانيّ وكاتدرائيَّة رصَّعتها دهور من نقاويط المياه بالشماعدين والجداريات والأيقونات والثريّات، وصنع الخالق من الماء فنَّانًا ثابر آلاف السنوات على نحت تماثيله تُحفات وخوارقَ ترفع العيون إلى فنَّان أزليّ، سرَّب إلى نبع الينابيع الكسراونية أسرار قواعد الفن المقدَّس!

دير إيليا النبي ومنذ وضع أول أحجار أساساته عام 1701 وهو الكليّ الشَّغف برؤيا: “المرأة الملتحفة بالشمس والقمر وعلى رأسها الكواكبُ تدور أثني عشر”.

دير مار الياس الراس ومنذ يوم تأسيسه قد ثابر مئتين وثلاث عشرة سنة على رجاء الانتظار الصبور المديد، انتظاره تحقيق حلم كالذي وافى يوسف البار فأستحق نعمة انتظاره ببرج مريميّ حويكيّ يرتفع كعمود الغمام فوق جبل حريصا، وسيدة لبنان ترسم علامة العلامات بين دير مار الياس الراس وبين رأس صرح المُعطى لهم مجد لبنان مار الياس الحويِّك!

بين عام 1701 وعام 1951 مئتان وخمسون من سنواتٍ فاضت فيها روح آشعيا المتنبِّئ عن مجيئ الملك المنقذ شعبه من مذلَّة العبودية، فنهض نبي أخوة يسوع الصّغار أبونا يعقوب الكبوشي يستدعي يسوع الملك مُشرفًا على دير قام على اسمه فأراده ملك الملوك ملكًا خاصًا لكهنةٍ من كهنته تقدَّم بهم العمر والأعمار في خدمة بيت الجسد والمذبح والكلمة والرعية والأمانة التامة لتوصية المعلم الرب البنَّاء الحكيم: “إن لم يُبنَ ربُّ البيت فعبثًا يتعب البنّاؤون”!!

 

روزنامة ديرية إيلياسيَّة

دير مار الياس الرّاس كان أحد أهم أولويَّات الأب العام المؤسس والموسوعة التقويَّة عبدالله قراعلي، وما انطبق على دير الرّاس كذلك تمَّ تطبيقه على أخوته: دير مار سمعان العمودي أيطو. دير مار ساسين بسكنتا. دير مار مارون القنيطري. دير مار يوسف جربتا. دير سيدة النَّجاة حبوب. دير مار يوحنا الحبيب مجاورًا دير مار الياس كمركز للرئاسة العامة، كما للأخوات المبتدئات، وكما لاستقبال من ناداهم حمل الله الحامل خطايا العالم وأوجاعه: “تعالوا إليَّ أيها التَّعبين الثقيلي الأحمال وأنا أريحكم” والخاتمة الآنيّة لأديار الراهبات اللبنانيات المارونيات هو دير مار سابا المشيَّد حديثًا في محلَّة “قرنة لطّوف” في بلاد دير الأحمر وبعدها تحوَّل على أسم القديسة رفقا!

هذه هي مجموعة الأديار التي أرادها المغبوط قراعلي موازيّة لأديار رهبان الرهبانية اللبنانية المارونية ومتوازنة معهم في مصير عديد الوزنات. كان للبار المنظِّم عبدالله رأيًا لاهوتيًا فيما أكدَّه وجزمه أحد أبرز أسفار التكوين ضمن كتاب العهد القديم بأن الله قد خلق الأنسان رجلاً وامرأة يتحاببان ويتزاوجان ويتناسلان، لكنَّ الأب العام أستلهم  من كتاب العهد الجديد خلقًا آخر يتباين بالهدف عن سفر الخلق الأساسي، فالله  الثالوث خلق ويخلق مختارين يتساوون مع الزوج والزوجة في قدسية الإنجاب، لكنَّ المدعوين للتخلّي عن كل شيء هم راهب وراهبة ينجبان للأرضيين ارتباطهم الأبدي بالكون السَّماوي في أعلاه وأسماه وأبهاه ويلدان للبشرية انتماءها العذري إلى النقاوة البِكر للفردوس المشتهى فردوس ما قبل مأساة معرفة الخير في هايبل ومعرفة الشَّر في قايين. الراهب والراهبة أب وأمٌ أبنة وحيدة متواجدة في خمس قارات الأرض أسمها الانسانية يربيانها على الأقدس الصَّفات: الصِّفة الملائكية والصِّفة الملكوتية!

نهار الأثنين 19 تشرين الثاني 1736 لم يكن رهبانيًا وديريًا من أيامهما العادية. ذلك اليوم المفصلي تمَّت الخلوة المرجوة بين القاصد الرسولي البابوي النَّابغة الحصروني اللبناني الروماني يوسف السَّمعاني وبين الأب العام الرهباني اللبناني الماروني توما اللبودي الحلبي المولد والمنشأ، فصدر عن تلك الخلوة المفصلية قرار تعيين وتخصيص دير مار الياس الرّاس ديرًا قانونيًا مؤبدًا للراهبات اللبنانيات المارونية بعد عقود سنواتٍ من تجاور سكنيٍّ بين رهبان عابدين وراهباتٍ عابدات يسكنون ديرًا واحدًا لكن ضمن جناحين منفصلين، لكلِّ جناح حصنه الخاص ومدخله الخاص وبوّابته الخاصة، لكنَّ الآباء الممتلئين من حكمة الروح، الحائزين موهبة المشورة الصّالحة، المتميِّزين بيقظة الحواس وصفاء الرؤيا، لم تغب عن ضمائرهم الواعية بأنَّ غريزة الظنون والتخيُّلات والتَّهيئات هي إحدى الغرائز الملتصقة كالجِّلد في اختلال نوايا بني البشر، وبأنَّ الشكوك متفشِّيةُ في خبث النظرات وغباء العيون، وتناقل الأخبار السَّامة متربّص على الألسن السَّليطة، والدينونة الرَّعناء حاضرة لتقلب البياض سوادًامن  دون أدنى اكتراث للإنذار الأقدس :

“لا تدينوا لئلا تدانوا والكيل الذي تكيلون فيه سيكال لم به وأزود” وكما الأنبا أنطونيوس الأب كذلك عبدالله المؤسس صمَّما على إغلاق نوافذًا ومنافذًا منهما تأتي أعاصير الظنون والشكوك، فالراهب في ديره والراهبة في ديرها وما بينهما ملكوت الرب وبِرَّه وأبراره!!

 

صيّادات مار الياس اللبنانيات المارونيات

بحضرة عيونكنَّ السَّابحات آلاف الأميال في بحيرة جنَّاشر الإنجيل وبحر أرض الجَّليل، وبكامل حضور نفوسكنَّ لصعود جبل التطويبات الثمانية، ها هو البحر مفتوح لناظرَي تلة دير الرّاس من شاطئ الزوقين حتى شاطئ نهر صخور لوحات الجَّلاء، كما أنَّه منفتحٌ على صفحات مائيَّة بيبليَّة وقف قبالتها المعلّم المفتَتح  خاتمة سنواته الثلاثة على الأرض قارئًا عيون جموع الصيَّادين قبل أن يعلن  نتيجة انتخابه أسماء اثنتي عشرة  صيّادًا لبَّوا طلب اعتزالهم صيد الأسماك كي ينصرفوا إلى صيد النفوس اصطيادًا  ينجِّيها من شتَّى أنواع الغرق واللجج وأخطرها لجَّة الحريَّة العبثية المتفلتة من ضوابط وقواعد حرية معطاة مجّانًا لأبناء الله، وما أشبه التَّحرر المتخلِّع بتلك السَّفينة الجانحة بالتلاميذ إلاَّ لولا استغاثتهم بمن وحده يزجر جنون الموج ويردع استبداد الأعاصير ويعيد للبحر سكونه وسكينته. وها كلُّ فردوسيَّة من فردوسيات دير تلَّة الراس تدركُ يمين السَّفينة حيث تُسحب الشَّبكة ملأى بمسحاتٍ من يد الرب مسح بها مكرَّسةً تطوف روحها الدنيا كي تبشِّر المساكين وكلِّ ذي خاطر مكسور وقلبٍ برَّحته الجراح!!

 

دير مار الياس تاريخًا وجغرافيا

آباء كهنة ورهبان مؤرِّخون وبمعيَّتهم أساتذة علمانيون برعوا في علم الأمانة لكتابة التواريخ من دون زيادة ونقصان وزوائد وحواشي لا إثباتات تدعمها ولاوثائق دامغة تمدُّها بالثقة. هؤلاء المتطوَّعون للحقائق وأهمها الكنسية والديرية قد تمموا سعيهم بحثًا وبحوثًا عن أدقِّ المفاصل الزمنية لإنشاء دير مار الياس الراس ومئات من أساقفة وكهنة ورهبان وراهبات وعلمانيين طبعوا في الدير المبارك بصماتهم وجميعها بصمات أيادٍ وضعت يدها على المحراث دون التفاتة إلى الخَلف، خلف التَّباهي بما أنجزت وديرنا في مزرعة الرأس صنيعة أيادٍ لم تدري شمالها بما صنعت يمينها، كما هناك قائمة أسماء لمواقع وأمكنة مرتبطة بأملاك الدير تستهلك عشرات الصَّفحات بينما الجوهر التاريخي ينبئ بأن الدير متَّصل الملكية بصاحب الكرم الأعلى الدّاعي الفعلة الأمناء للعمل في كرمه من دون التصنَّم بمحدودية المواقيت والأخوات في دير الراس منذ عمرانه الأول حتى اليوم، يخطُّ سيَر برارتهنَّ كتاب بستان الراهبات توأم كتاب بستان الرهبان. ومَن مِن العطاشى إلى الماء الحي لا يعرف بئر مياه دير مار الياس الرّاس النَّقيض لبئر يعقوب عند مدخل وادي شكيم حيث المرأة السَّامرية منعت مياه جرَّتها عن عطش يسوع، وها هو بئر عذارى مزرعة الرأس يستجيب لكلِّ صوتٍ يصرخ من أي صليبٍ صرخة: “أنا عطشان”!!

 

خيّات رفقا

المسمار وثَّق يديه على عارضة صلبِه المخرز حوَّل عينها إلى وثيقة مخطوطة على منديل مسح وجهه.. يسوع الناصري من يستطيب الإقامة في أديارك ورفقا الحملاوية لها على قياس كل أخت من أخواتها إسكيم وعباءة وزنّار ومشلح. توأمة مسمار اليد بمخرز العين سِمَةٌ مسيحانية خاصة معطاة لراهبات لبنان المارونيات وأختهنَّ الرفقاء هي التي استضافت المصلوب على جسدها المفكَّك عشرات السنين وأضاءت بعماء عينيها جميع ثريات السَّماء!!!

إقرأ أيضًا​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل