#dfp #adsense

ترسيم الحدود البرية عالق عند “التعيين والتحديد”

حجم الخط

الحدود الشرقية

تحت عنوان “تنظيف الحدود الشرقية”، اندلعت مواجهات عنيفة بين قوات الأمن العام التابعة للإدارة السورية الجديدة ومجموعات لبنانية مسلّحة، ما أدى إلى تفاقم التوتر في المنطقة، وزاد من تعقيد الوضع الأمني الهش فيها.

الحملة العسكرية التي أطلقتها القوات السورية تهدف إلى السيطرة على المناطق الحدودية وملاحقة شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات التي تنشط على جانبي الحدود. وقد طالت العديد من القرى اللبنانية المتداخلة مع سوريا، مثل حاويك، بلوزة، الفاضلية، أكوم، والجرود. كما تعرّضت بعض المناطق اللبنانية القريبة من الحدود لقصف وإطلاق نار من داخل الأراضي السورية، مما أسفر عن تدهور الوضع الأمني في المنطقة. فهل دقت ساعة ترسيم الحدود البرية بعد البحرية؟

سكان القرى التي شهدت على معارك واشتباكات عنيفة مع قوات الأمن التابعة للإدارة السورية الجديدة، هم في غالبيتهم من العشائر اللبنانية وقد خاضوا معركة وجود مع قوات عسكرية تسعى لفرض أجندات تتناقض مع تلك المصالح. إلا أن تفاقم الوضع فرض إعادة تقييم موقفها والانسحاب. وفي خضم هذا التوتر، تدخّل الجيش اللبناني، لضمان استقرار المنطقة، وحماية الأمن الوطني الذي كان مهددًا من صراعات متشابكة.

 

ملف الترسيم عالق

على مرّ العقود الماضية، تكثفت الجهود لإيجاد تسوية بشأن ترسيم الحدود البرية بين لبنان وسوريا، لكن الملف بقي عالقًا، في ظل العديد من التحديات والمواقف المتباينة التي تعرقل التقدم، وفقًا لما يوضحه الأكاديمي والباحث اللبناني الدكتور عصام خليفة.

ويضيف في حديث لـ”المسيرة” أن لبنان وسوريا لم يتوصّلا إلى ترسيم نهائي للحدود البرية بينهما، على رغم الاتفاقات التي تمت في عهد نظام الأسد، شارحًا أنها توقّفت عند مرحلة “التعيين والتحديد” للمناطق الحدودية، أي تعيين الحدود الفاصلة بين الدولتين من دون أن يتم تثبيت ذلك بشكل قانوني ورسمي. وبالتالي، لم تنفَّذ مرحلة الترسيم.

بحسب خليفة، تتطلّب عملية الترسيم البرية “رسم خط حدودي موثّق بمحضر رسمي وموقّع من كلا الجانبين، ومرفق بخارطة تفصيلية، ويُرفع إلى الأمم المتحدّة لاعتماده رسميًا”. ويكشف أن السبب الرئيسي في تعثر عملية ترسيم الحدود يعود إلى تصرفات الجانب السوري في الفترة السابقة، والذي كان يعرقل الوصول إلى اتفاق نهائي. وجلَّ ما تمّ العمل عليه هو “التوصل إلى اتفاقات عديدة بين الجانبين اللبناني والسوري على موضوعات مثل تحديد خطّ انحدار المياه إلى الأراضي اللبنانية والخراجات وغيرها. لكن تلك الاتفاقات كانت تُنسف من الجانب السوري في كلّ مرة يتم فيها الاقتراب من حسم القضية”، ما جعل من مسألة ترسيم الحدود قضية معقّدة تحتاج إلى حلّ جذري.

في المقابل، يلفت خليفة إلى وجود عوامل ساهمت بشكل كبير في تعقيد الوضع الأمني، وحالت دون القدرة على ضبط الحدود بفعالية، وتتمثل بتداخل بعض القرى مع سوريا: “هناك قريتان يقع نصفهما الأول في لبنان والنصف الآخر في سوريا. بالإضافة إلى وجود حوالى 12 قرية سورية يقطنها لبنانيون من العشائر الشيعية، المرتبطة ارتباطا وثيقًا بـ”الحزب”، وتنشط في عمليات تهريب الأسلحة والمخدرات عبر الحدود، خصوصًا في المنطقة الممتدة من القصير السورية حتى الهرمل اللبنانية.

 

القيادة السورية الجديدة

عقب الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد، لمس لبنان وجود رغبة واضحة لدى القيادة الجديدة والرئيس أحمد الشرع في ضبط الحدود المشتركة مع لبنان بشكل أكثر فعالية. وهذا التوجّه يقول خليفة يفتح المجال أمام لبنان لتحقيق مصالحه الوطنية في ضبط حدوده، وبالتالي تقليص عمليات التهريب والحدّ من تسلّل الأشخاص عبر الحدود. إلا أن الأطراف التي كانت تستفيد من عمليات التهريب ترفض هذا المنطق، لذلك عمدت إلى مواجهته عبر الاحتكاك مع الجانب السوري، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى المزيد من التعقيدات في هذا الملف.

 

التنسيق الداخلي

على الصعيد اللبناني، تؤكد تصريحات خليفة أن الحكومة اللبنانية برئاسة الدكتور نوّاف سلام أمام اختبار مصيري، حيث تُلقى على عاتقها مهمة وضع الملف على سلّم أولوياتها لا سيما وأن القرارين 1701 و1680 ينصّان عليه ويتضمنان التزام لبنان وسوريا بالترسيم الفعلي للحدود.

ويضيف خليفة أن “الحكومة تملك عشرات آلاف الوثائق في الدوائر العقارية ووزارة الخارجية والتي تُعرف بـ”محاضرالتحديد” ويمكنها أن تنطلق منها في عمليّة ترسيم الحدود”، مع تأكيده على أنها موجودة لدى الدولتين. وعند حصول أي نزاع بين قرية لبنانية وأخرى سورية، يتولى المختار ورئيس البلدية من كل طرف تقديم الوثائق اللازمة لتحديد مكان الحدود، ليقوم بعدها قاضٍ عقاري سوري وقاضٍ عقاري لبناني بالبت في الأمر». وهكذا يتم إخراج الوثائق الى الضوء من جديد؟

ويقدم خليفة سلسلة من الخطوات العملية التي ينبغي على الحكومة اتخاذها لتنظيم عملها ومعالجة هذا الملف بشكل منهجي، بدءًا من “مكننة” محاضر الاجتماعات والاتفاقات القائمة، وهي عملية يمكن أن تنجز بسرعة مع وجود فريق عمل متخصّص. كما يوصي بتشكيل “لجنة مشتركة” دائمة لمسألة الحدود تضم عناصر من الجيش اللبناني، الذي يمتلك معرفة عميقة بالحدود، إلى جانب ممثلين عن الشؤون العقارية ووزارة الخارجية، مشدّدًا على أن هذه اللجنة ستكون مسؤولة عن معالجة القضايا المتعلقة بالحدود بشكل مستمر.

ويختم خليفة بالتأكيد على أن جوهر السيادة يكمن في ضبط الحدود وعدم السماح بتفلتها، مستشهدًا بمقولة العالم الألماني كارل هاوسهوفر “إن الحدود مثل جلد الجسم، إذا التهب الجلد يلتهم الجسم”، محذرًا من التأثيرات السلبية لتهريب السلع عبر البحر والبر على تصنيف لبنان الاقتصادي في «موديز”.

 

نسف الادعاءات

في رده عن سؤال حول التطوّرات على الحدود الشمالية، يسلّط الكاتب والخبير في الشؤون الإسلامية أحمد الأيوبي الضوء على التاريخ المعقّد للمناطق الحدودية بين لبنان وسوريا، نافيًا الادعاءات التي يروّجها إعلام “الحزب” حول وقوع اعتداءات سورية على أراضٍ لبنانية.

ويؤكد الأيوبي عبر “المسيرة” أن بعض القرى السورية سكنها لبنانيون منذ نحو 70 عامًا، وفي عهد حافظ الأسد، تم توطين عدد من اللبنانيين الشيعة فيها، ما جعلها نقطة اتصال مع القرى العلوية في مناطق مثل حمص والساحل السوري. “هذه المناطق لم تخضع يومًا لسيطرة الحكومتين اللبنانية والسورية، وقد سكنها أفراد خارجون على القانون، يُطلق عليهم إسم “الطفار”، وقد استقروا في المنطقة وعمدوا إلى تهجير العديد من سكانها السوريين. ومع زيادة نفوذ “الحزب”، أصبحت هذه المناطق ممرّات للتهريب ومراكز لتصنيع المخدرات وتزوير العملات، وهو ما تم الكشف عنه بعد اقتحام القوات السورية التابعة للإدارة الجديدة لتلك المناطق.

بناءً على ذلك، يخلص الأيوبي إلى أن جميع الاشتباكات التي حدثت أخيرًا، كانت داخل الأراضي السورية.

الإشكال إذًا، لا يتعلق بوجود لبنانيين داخل الأراضي السورية، بل بنوعية هذا الوجود. وعمليًا، وفقًا للأيوبي، قامت القوات السورية بتطهير أراضيها من عصابات المخدرات وتزوير العملات.

 

خلفيات الحملة العسكرية

يرى الأيوبي أن الأسباب الحقيقية وراء قرار القيادة السورية الجديدة إطلاق عملياتها العسكرية، “قيام الحزب بتهريب الأسلحة من ترسانته الخاصة إلى المجموعات المتمرّدة في ريف حمص والساحل، اعتقادا منه بأن تقويض النظام السوري الجديد يمثل مصلحة استراتيجية عظيمة له بعد خسارته خط الإمداد الكبير من طهران إلى بغداد فدمشق وبيروت، ما يشكّل تهديدًا للسلم الأهلي السوري”. واستدعى هذا الوضع بالتالي «تحجيم نفوذ “الحزب” لحماية استقرار النظام السوري من محاولات تقويضه”.

ويشير الأيوبي إلى أن الصحافة التركية كشفت عن مخطط للانقلاب على القيادة السورية ونشر الفوضى، حيث تم إشراك تنظيم د. في هذا المخطط، واعتبر أنها محاولات إيرانية متواصلة لزعزعة الاستقرار وضرب الواقع الجديد في سوريا.

ميدانيًا، يقول الأيوبي إن “«المواجهات انتهت تقريبًا، وأعلن الجانب السوري أن معظم الحدود أصبحت مؤمّنة من جهتها. ولا يبقى بالتالي سوى أن ينتشر الجيش اللبناني بقوة على الشق اللبناني من الحدود، ليُفرض القانون ويُنهي ظاهرة التمرّد على الدولة وانتشار السلاح المتفلّت غير الشرعي”.

وفي ما خصّ عملية التواصل مع الجانب السوري، يوضح الأيوبي: “أن الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي شملت لقاءات مع مسؤولين عسكريين وأمنيين، وفُهم منها أنه تم فتح قنوات تواصل بين الجانبين. كما أجرى رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون اتصالًا بقائد الإدارة السورية الجديدة أحمد الشرع، ما يشير إلى وجود حد مقبول من التواصل اللبناني السوري”. لكن هذا التواصل يحتاج إلى مسألتين أساسيتين: أولًا، إعادة تفعيل النشاط الكامل للسفارتين في دمشق وبيروت، وثانيًا، تعزيز الأمن على الحدود بين الدولتين بشكل فعّال.

ويختم الأيوبي قائلًا إن “هذا المسار لا يقبل التأجيل، لأن أي تأخير في اتخاذ خطوات جدية من قبل الدولة اللبنانية قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة على الأمن القومي اللبناني. كما أن هذا الملف يُعدّ من الأولويات الأساسية، في مقياس المجتمع الدولي وما يتوقعه من العهد الجديد لجهة بسط سيادة الدولة على أراضيها”.

في ضوء كل هذه التحديات، يصبح من الضروري أن يعكف لبنان على حل قضية ترسيم الحدود البرية مع سوريا بشكل حاسم ونهائي، كون الملف يمثل حجر الزاوية للحفاظ على السيادة اللبنانية وضمان استقرار الوضع الأمني والاقتصادي في البلد. وعليه، فإن دور الحكومة اللبنانية في هذا السياق محوري، حيث يتطلّب الأمر توجيه كافة الجهود نحو حل هذا الملف من خلال التعاون الداخلي والتنسيق مع سوريا لضمان تنفيذ اتفاقات ترسيم فعّالة تراعي مصلحة الشعبين اللبناني والسوري على حد سواء.

 

كتبت  ألين الحاج في “المسيرة” ـ العدد 1761​

ترسيم الحدود البرية عالق عند “التعيين والتحديد”

هل ينقذه العهد بـ”التواصل والتنسيق”؟

 

إقرأ أيضًا

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل