.jpg)
.jpg)
ليل الأربعاء 23 آذار 1994 داهمت شاشات التَّلفزة اللبنانية سحنة وزير إعلام حكومة رفيق الحريري، فأطلَّ الرئيس الأسبق لمصلحة طلاب حزب الكتائب اللبنانية بوجهه البعثي المناقض لانتمائه الكتائبي السابق. وجهٌ مفخَّخ بملامح المرتزقة، وبصوت أقرب إلى صرير بابٍ من أبواب سجون الحضارة التدمرية قرأ بيان مقرَّرات مجلس وزراء مُلحقٍ بأقران ولاة الشام وأحمد باشا الجزّار، والكلام البياني يتساقط كما نسرات عظمٍ تلوكها أشداق ذئبٍ تم تجويعه تمهيدًا لانقضاضه على فريسته.
وسطَ خرَسٍ عميم ذليل سقط على ألسنِ المآمير، أعلن “سماحة” الإعلام ما يلي: “بعد اقتراح معالي وزير الدَّاخلية الأستاذ بشارة مرهج صدر القرار التالي: بناءً على قانون الجمعيات الصَّادر في 3 آب 1993 تم سحب العلم والخبر المعطى بتأسيس الجمعية المسمّاة قوات لبنانيَّة وحلّ الجمعية”!!
يوحنا الرأس والسَّيف
رأس يوحنا المعمدان كما رأس يوحنا مارون دفَعَا الرب يسوع لإعلان قداسة ذوي الأصوات الصّارخة بوجوه ملوك الأصفاد والفحشاء مُنعِمًا عليهم بوصفهم بـ”أعظم مواليد النِّساء”. أصوات انطلقت وتنطلق من حناجر لا تهاب سطوة الخناجر. وقفاتٌ باهظة الكِلفة خطيرة النتائج وعندما يتفشَّى زمن الأوبئة الأخلاقية والتصدُّعات المناقبية فإنَّ الواقفين أقلُّ من القليل.
أعظم مواليد الأمهات مَن علَّموا الأمَّة وأرشدوها إلى كفرٍ يقدِّس بنيها وإيمانٍ يهلكهم. كفرهم بإله يُميتُ ولا يموت، وبملوكٍ لم يطأ ملك منهم عتَبة قصر الجلجلة ولم يسند واحدهم رأسه على صخرة الدّم والهَمَّ. إنهم مَن أقاموا عقدًا إيمانيًا بينهم وبين هذين اليوحنَّاوين، إيمانهم لا ينقل الجبال بل ينقلهم بذاتهم إلى جبال الصلبان كافرين بالشمس صنمًا وعبادة، مؤمنين بالنُّور سيِّدًا وطريقًا وحقًا وحياةً، وآيةً عاش لأجلها الأنبياء ولأجل رفع العيون المظلمة إليها قد جُلدوا ولُطموا ورُجموا وقُتلوا.
يوحنّاويَّا نهر الأردن والنهر العاصي فرَّق بينهما زمن التَّوالد ومكان التَّواجد، لكنَّهما بما تمَّما وتمنيّا، فقد رفعا فينا بلادًا يوحنّاويّةَ الميرون والزيت والدّم والماء والإيمان والرجاء هي بلاد يوحنا ما بين النّهرين!!
حزب قواتٍ وعصيان
إنَّ ما جرى من أحداث يوم 23 آذار 1994 كان أصدق النبؤات لما سيجري يوم 14 آذار 2005.. سمير الفريد جعجع هذا القاديشيُّ الرأس صخرًا وعنادًا المتشبِّث بدقَّة موعد مجيئه مع يوحنا مارون من دون اكتراث لألفٍ وأربعمئة عام من فوارق التاريخ بينهما. فـ”يوحنا مارون” الذي سكن دير سيدة ميفوق صيف 1978، وانتقل بعدها إلى تلال القطّارة، ومنها إلى صرح مطرانية عين تراز، ومنها إلى “إلهي إلهي لماذا تركتني”… هو ذاته الآتي من موطنه سروم ليثبِّت لبنانيَّته داخل صرحَيه في بلاد البترون المعروفة بقضاء مار يوحنا مارون!
همايونية فرمان 23 آذار 1994 نُسِجَت لأن هذا البشرانيَّ ذا الحبر العميق والعناد النَّافر رفض المرور تحت قوس القزح المنصوب على الميلتين بين برج البيك وبرج الشيخ، كما عاف نيل البركات والإنعامات تتوزَّع داخل الخيمة المسقوفة بالطرابيش، وفي وجدانه جرحٌ لا يندمل وذاكرته تلتهب بسعير لهيب ذلك السِّعر الجهنمي الذي طلبه إبن الصَّبحا ثمنًا لخَلعةٍ وعباءة ألبستا جلباب العار والخساسة والدناءة والمذلَّة لكل من تمذهبوا ويتمذهبون وسيتمذهبون على مذهب مَن سلَّم المملوكين مفتاح سرِّ الممر المؤدي الى معقل عُصاة جبال أمانة ووديعة كنز التَّفاني الذي لا ولن يفنى.
هو البشراوي المستيقظ كالصباح اليقظ كالصلاة المُهجَّر طوعًا واختيارًا من كلِّيتي الطُبِّ في جامعتيه الأميركية ثم اليسوعية ساعيًا إلى اختصاصٍ في علم طبابة لاهوتيَّة تخرِّجه جرَّاحًا مهمته القيام بعمليات تشريحٍ غير مسبوقة يُشرِّح فيها الأسباب العميقة والمسبِّبات الدفينة التي كانت المحرِّض على قطع رأس يوحنا إعدامًا لصوته المنطلق من على ضفاف نهر الأردن عاصفًا في الضمائر الهيرودسية، كما تشريح أسباب قطع رؤوس ثلاثمئة وخمسين من عزِّ أبناء البطريرك الأول، لتجري دماؤهم على ممرِّ أدهار وأديار وادي النهر العاصي. وكما تشريح أهداف وغايات غزوات مماليك الدّاخل والخارج لجبَّة وادي القداسات والزهديات والحبرويات طيلة حروبٍ ذات وصفٍ وصفةٍ من رسالة بولس رسول الأمم إلى العبرانيين: “يضيق فيَّ الوقت كي أخبركم عن جدعون وباراق وشمشوم ويفتاح وداود وصموئيل الذين بالإيمان قهروا الممالك، وتقوُّوا من ضعفٍ، وأطفأوا حدة النار وسدّوا أفواه الأسود، ونجوا من حدِّ السَّيف، وأتقنوا القتال، وتغلَّبوا على الأعداء”.
بهكذا إيمان انصرف الطبيب الحكيم إلى غرفة طوارئ الوطن وما زالت يداه الجرَّاحتان تبحثان عن أصل العلَّة وعلّة العلل، كي يخرج لبنانه ولبناننا من طويل إقامته في غرف العنايات الفائقة !!
قائدنا زمنًا ورفيقنا أبدًا
قواتٌ تليها قوات. أجيالٌ تتلو حكايات أجيال، إنَّها عقيدة حكيمٍ لم يؤمن يومًا إلا بحكمة الذي هو أعظم من سليمان الحكيم، وإلاَّ كيف يتلاقى يوم 23 آذار بيوم 23 آذار رفقا راهبة المصلوب ولبنان. 23 آذار عيد انحلال آخر لهاثات الراهبة العمياء المفككة العظام، و23 آذار حل القوات اللبنانية، ألا يستحق أن يكون عيدًا من أعياد الذين كسيِّدهم ثبَّتوا أياديهم على صلبانهم بغرزة المسمار، وتحدّوا بعيونهم طعنة المخرز.
بين 23 آذار 1994 23 آذار 2025 واحدٌ وثلاثون سنة تقف فيها قواتنا اللبنانية أمام نفسها ككل وقفاتها المشهود لها من الرب أولاً، وعموديِّها يوحنا مارون ثانيَّة، وشعب الوفاء ثالثة تبحث في أدقِّ تفاصيل ملابسها تلك التي ارتدتها أعوام دير مار شليطا القطّارة، وتلك التي ترتديها اليوم وأيَّهما من هذين الملبسين هو المناسب لقياس لبنانها الذي لم ينكشف جسده مرَّة وإلاَّ يكون القماش المستورد هو السبب والمهانة والخطيئة!
أجيالٌ تسلِّم أجيال، والأهم منها أجيالٌ تسلِّم على أجيال.. 23 آذار يسلِّم 23 آذار والمطلوب من جيل القبل وجيل البعد أن يستحقا معًا حُلَّة العرس!
خطَّطوا ونفَّذوا جريمة 23 آذار 1994، وبظنِّ أولئك الخصيان أنه سيكون يوم اعتقال وأسر أب المقاومة اللبنانية “أبون يوحنا مارون” وإعادته أسيرًا مكبَّلاً مخفورًا إلى الأرياف والبوادي القطْرية الشّامية، إنهاءً لعصيانٍ مستمر منذ 1600 عام وربُّ المُلكِ سيمدُّ بعمر العصاة وعصيانهم إلى أبعد من 1600 سنة آتية!!!
كتب ميشال يونس في “المسيرة” ـ العدد 1761
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]