Site icon Lebanese Forces Official Website

غبطة البطريرك الأول أبون يوحنا مارون…

مار مارون

“قد جاهدتُ كلَّ حياتي لأستحق لقب الحقير الذي حمله أسلافنا، فعاشوا بتواضع وكرامة، وكرَّسوا ذاتهم للخدمة، يقينًا منهم أنَّ ملكوت الله ليس أكلاً وشربًا، لا ذهبًا وفضّة، بل برًّا وسلامًا صفاءً ومحبة “!!

كلمةٌ صفيريَّة التزهُّد ورفعةِ الإلقاء، بطرسيَّة كقواعد الصَّخرة، أنطاكيَّة المعنى والمبنى والبيان، ألقاها مار نصرالله بطرس صفير الكليِّ الأبوّة والحريَّة وسط جماعةٍ رهبانيَّةٍ رسليّة فاجأته بتنظيم احتفالية بلوغه خمسة وتسعين مجدًا جمعت تاريخيَّة عمره الكهنوتي والأسقفي والبطريركي على يوم 26 نيسان 2005 حافرًا جبل الاحتلال الأسود بإبرة خيط جبَّته. وكلماته هي مَن لوت ركبَ أشباح الإرعاب والتخويف والتسلّط العنفي على الإرادات والكرامات وبقايا السيادة، خلال زمنٍ تصدَّر فيه الأزلام والمخبرون صدور مجامع الوطن المحتل عنوةً ومؤامرة ومرارة إذلال وتذلّل.

صوامع رهبان مارون المحفورة في خدِّ شير الدير العاصي حفرًا يؤرِّخ تشابه طباع الموارنة وطباع نهر الراهب في سَيْرهما عكس أنظمةٍ قولبت التعدُّدية الفكرية والعقائدية في قالب واحد يخلط الجيِّد بالسيء والعبد بالسيِّد. الموارنة والنهر العاصي تشابَها وتناسبَا في سلوكهما مسلكية العناد والرَّفض والشَّغب. عاندا منطق جريان الأنهر انحدارًا، رفضا رتابة الوجهة المحدَّدة سلفًا، وشاغبا كلَّ من أراد جرَّ الينبوع الأكبر إلى سواقيهم الصَّغيرة. الموارنة والنهر العاصي بقدر ما تشابها وتناسبا، كذلك اختلفا وافترقا، هم شدّوا أقدامهم جنوب شرقٍ وجهتهم الأعلى والأوعر والأعصى والأصلب والأشقى والأخطر والأثبت، ومجرى النهر افترق شمالاً نحو السَّهل والأسهل ودوران النَّواعير. والمؤرِّخون والبحّاثة والرحّالة عجزوا عن فهم وتحليل رفض المارونية الأولى لكل عيشة سهلة المنال، ولكلِّ بحبوحةٍ يحظى بها من يعرف كيف يوالي الوالي، وإيمان هكذا موالين يحياه الذين «بطونهم آلهتهم ومجدهم عارهم”.

أمَّة مارونيا واجهت الغزاة طيلة أجيالها وتخضَّبت بالدماء خلال عشراتٍ من مئات سنواتها، لكنها أقسمت ألّا تقع أسيرة مناحة بنات أورشليم على يسوع النَّاصري. لم يهن عليها إطلاقًا النَّواح على بنيها، فالعويل والندب واللطم مذهب الذين يعيشون “كمن لا رجاء له”. مارونية الحبساء والزُّهاد المنقطعَين عن كل ما لذَّ وطاب قد فتحت الدعوة العامة الدائمة إلى مائدة عشاء سريٍّ سماويٍّ لبنانيٍّ تمتد من محبسة إلى محبسة، والمدعوون بأكملهم يؤلِّفون عدد التلاميذ الاثني عشر!!

 

أحد الموارنة الشاطرين

أبون يوحنا مارون الأب الذي بلغ عمره الأنطاكي القورشي اللبناني نيِّفًا وألفًا وأربعمئة سنة ما زال وسيبقى يُقيم العهد والوعد والموعد انتظارًا لعودة أبنائه من تشتُّتهم المزمن وضياعهم المخزي هائمين على وجوههم تائهين في أمكنةٍ لم تكن يومًا لآبائهم وأجدادهم، باحثين عن ثرواتٍ تزيد مِن فقرهم، طامحين إلى بيوتٍ فخامتها متاهة لعائلاتهم وقصور تبتلع “فلاَّحهم المكفي وسلطانهم المخفي”، وأيَّةُ مقاصف ترتادينها وفنادق تنزلقين إليها يا أمَّة حقولٍ وحصادٍ وبيادرَ فضَّلت لأبنائها خبزًا معجونًا من طحين زؤان بلادهم، فالقمح الصَّليبي لا يُشبِع كما القمح اليعربي!

يوحنا مارون قائم في بيته الذي هو بيوتنا متوجسًا مِن أيامٍ نشتهي فيها قرون الخرنوب الفاضلة عن قرون أفواه الخنازير.. ملكْنا قممًا وجرودًا وأوديةً مثبتة لنا منذ إنشاء دهور مارونية انطلقت من خيمة فوق رأس جبل سقفها ملكوتٌ وملائكة. قد حان يوم عودتنا من غربتنا وتغرِّبنا في فنادق الخمسة نجوم.. وقصور الخمسة فراعنة.. ومنتجعات الخمسة أفروديت والزُّهرة.. وشواطئ الخمسة أوراق تين حواء.. ومقاصف الخمسة “غنيّ وأليعازر”.. الأيام ترحل هباءً والأقداس تقرع جرس الإنذار: قد حان يوم انسحاب المارونية دينًا ودنيا من مكاتب الجباة والعشَّارين، ومنذ ألفين وخمسة وعشرين عامًا قد تركها متى الجابي وهجرها زكا العشّار.. ومن هو الذي قطع جذع شجرة الجمَّيز، ونحن الذين تقزَّمت قاماتنا الأحوج إلى تسلُّقها كي نرى يسوع مثلما رآه زكّا؟!

 

يوحنا مارون الصَّرح الأول

تميَّزت أوَّل خمسة صروحٍ للبطاركة الموارنة بمواقعها ورمزية بنائها عن سائر الصروح البطريركية الخاصة بالكنيسة الجامعة المسكونية. صروحنا الخمسة الأوَل هي الواحدة الوحيدة التي أخذت على طول امتدادها التاريخي والجغرافي الشكل الهندسي لصليب الفادي والفداء. صرح وادي حربا التحومي هو حدود قاعدة الصّليب. صرح كفرحي هو انبثاق جزعه. صرح يانوح رسمٌ لذراع المصلوب اليمين. صرح إيليج ذراع المصلوب الشمال، ثمَّ الصعود شرقًا بلوغًا لصرح قنوبين رسمًا لرأس المصلوب المرصَّع بالعرق والدم والخلِّ والكدمات، المكلل بوخز الشوك وشَعرِ مسوح النسّاك. حقارة بطاركة الصروح الموسومة هندسيًا بخمسة علامات وإشارات الصَّلب، هي احتقارهم أمجاد التِّيجان إن لم يكن في نسيجها ولو شيء ضيئلٌ من عوسج تاج معلمهم حبر الحربة والمسامير، وأمجاد الصولجان الأفخم الغريب شكلاً ومضمونًا عن صولجان القصبة التي رآها أشعيا في يد مَن وصفه بأنّه “فتيل مدخِّن لا يُطفِئ وقصبة مرضوضة لا يَكسِر”.

بطاركة الحقارة احتقروا أيَّ صخَبٍ مادّي يحرمهم سماع صوته الأمانة والوصية: “لا تقتنوا لا ذهبًا ولا فضة” فعاشوا وكل ما في نفوسهم ذهبٌ من مناجم الملكوت فحرَّروا أعناقهم من سلاسل صلبان الذّهب وأصابعهم من خواتم الياقوت وكنائسهم من الكؤوس والأواني الفضيّة، ومن أغصان السنديان صقلوا عصيَّهم الحبروية القيادية فكانت سندهم في قيادة شعبهم إلى مروج الأخيار، بها يُحطِّمون أقدام الذئاب الخاطفة وبالأخص تلك المتسللة من أدغال البِدَع ومغائر الهرطقات ووكورة الأنبياء الكذبة.. إنهم أسباط يوحنا مارون السَّبعة والسَّبعين على اختلاف حملهم الوزنات العشرة والخمسة والوزنتين والوزنة الواحدة، أولويَّة أولياتهم التطبُّع بطباع مارون أب آباء “القطيع الصَّغير الذي سُرَّ الآب أن يعطيه الملكوت”.

بطاركة المارونية هم كالمارونية لا يهادنون ولا يعترفون بالهدنة والروح وافى التلاميذ في اليوم الخمسين كي يرسلهم إلى أمِّ معاركه التي لم تنتهِ إلاَّ ببطرس مصلوبًا بالمقلوب وبولس مقطوع الرأس. صروح أخوة يوحنا مارون هي عليَّات هذا الشرق العليل الطَّالب الشفاء من ريحٍ لا يحرُّك هبوبها إلاَّ أحبار العنصرة البطرسية الأنطاكية وليس مثل الروح القدس من يعرف ملامحهم وأسماءهم وأفعالهم كما هو الأعلم بعناوينهم!!

 

يوحنا مارون الأمَّة والبيعة والدير

الشركة المستوفية كامل مبلغ رأسمالها التي أرادها وأسَّسها رأس الآباء يوحنا مارون وأضاف إليها عمره رصيدًا، هي شركة القدِّيسين وليس سواها. والقديسون هم المحبة المترجمة لقلب القدوس في نبضٍ لا يتوقَّف عن الخفقان. أرباح هذه الشركة متوقِّفة على همّة الورثة المدعوين لاستثمارٍ ذي ربح أكيد وفير إن نهضوا فجرًا إلى الحصاد الكثير وهم الفعلة المستنخبون من ربَّان بحر السَّنابل الذهبية المتماوجة بين مَدِّ حزيران وجَزر تموز. شركة آية “الرب محبة”، هي مؤسسة الوزنات الرَّابحة والمصابيح الملأى زيتًا وسهرًا على القرابين، لا مكاتب خارجية لها ولا وظائف شاغرة. فلاَّح القداسة يضع يده على المحراث وفصل الشتاء هو قبضة محراثه والمطر هو روح البراعم والرَّبيع سكَّة تشق ترابها إلى مواسم الصيف وخوابي مونة الخريف، وخريف الأبرار هو محطة صعودهم إلى ما فوق أوراق العمر الدنيوي المتساقطة ورقة تلوَ ورقة!

كما أن رفع السراج فوق مكياله مطلوب من أصفياء النور فإنَّ رفع صوت أنقياء النيّة والضمير قد آن أوانه والسَّكوت عن البلايا تحوَّل إلى عطَبٍ في أربع زوايا الرعية. الأزمة تستفحل وتتمدد والخراف الضائعة أصبحت أكثر بكثير من واحدٍ، والهجرة المفترسة تفتح أشداقها كحوت يونان، والأبرشيات والإرساليات تنزح خلف النازحين إلى ما وراء وراء البحار السَّبعة، والراهب شربل البقاعكفري جذب العالم إلى لبنانه من دون أن يغادر سياج كرم محبسته.. الطائرات تبتلع الرعايا والسادة الأجلاء يطيرون من اغتراب إلى اغتراب للثناء على “أبنائنا الأعزّاء” في نجاحاتهم التجارية والصناعية والطبية وأهمها نجاحهم في كسر أرقام قارون المالية القياسية. والهوس بالثروات الطائلة هو ألد أعداء شعب يوحنا مارون وانتهاكٌ لأقداس تاريخهم وتهديد لكيانهم الأول المدعَّم بوصية المعلم الرب المتنسِّك: “لا تعبدوا ربَّين الله والمال”!

الأمَّة أمّة مارونيا مدعوة لتحويل البيعة المارونية ببطريركيتها وأبرشياتها ورعاياها وأديارها إلى كرسي اعتراف شاملةٍ مختلف الرُّتب الكهنوتية، كما الرعايا، كما التاريخ والجغرافيا مدعوان بإلحاحٍ إلى كرسي الاعتراف على أن يكون “وطن الرسالة الفريدة” هو أول المعترِفين.. رسالة توازي خطيئة كتابتها بأقلام مختلفة، وبأسلوب ليس فيه حد أدنى من التجانس..

الثاني من آذار الآتي هو يوم كرسي الاعتراف الكبرى والكاهن المعرِّف هو البطريرك الأول يوحنا مارون منتظرًا التقدُّم إلى كشف الضمير والحساب العام، أقلَّه منذ عهد بطريرك دولة لبنان الكبير حتى السَّابع والسَّبعين..

الثاني من آذار المقبل هو يوم الصوت الصارخ ليوحنا مارون سميّ يوحنا المعمدان، صوت بطريرك مارونيا الأول رسالة لنائب المسيح على الأرض وخليفة بطرس هامة الرسل والبابوات قداسة الحبر الأعظم فرنسيس: إننا أيها الأب الأقدس ننتظر عبور الروح القدس من الدولة البابوية آتيًا إلينا باسم شبيه المزايا النسكية والراعوية ببطريرك أعجوبة مجمع الأفخارستيا عام 1215 داخل كنيسة بطرس الكبرى أبينا الثاني والثلاثين مار إرميا عبيد العمشيتي!!

 

كتب ميشال يونس في  “المسيرة” ـ العدد 1761​

إقرأ أيضًا

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com​​​​​​​​​​​​​

Exit mobile version