زحلة 1981 ـ 2025.. عندما يكتب الأبطال التاريخ بالدم والصمود

حجم الخط

زحلةزحلة

لم تكن معركة زحلة بين عامي 1980 و1981 مجرّد مواجهة عسكرية عادية، إنما حكاية نضال وبطولات عن مقاومة شعب أراد أن يثبت للعالم أن الأمل يمكن أن يبقى حيًا حتى في زمن الاضطهاد. رجال ونساء، مسنّون وشباب، حملوا في قلوبهم عزيمة لا تنكسر.  فالمعركة ليست فقط مجرّد صراع مع الاحتلال السوري، بل كانت صراعًا من أجل الكرامة والهوية والبقاء في وجه واقعٍ معقّد مليء بالتحديات.

في ذكرى هذه المعركة، تعيد “المسيرة” فتح صفحة من تاريخ المقاومة المسيحية التي نُقِشَت حروفها بدماء المقاومين وأوجاعهم، بنضالهم وصمودهم، في معركة كانت لأكثر من مجرّد حرب، كانت اختبارًا لصلابة أهلها المقاومين، وأسطورة صمود وملحمة إنسانية بكل ما للكلمة من معنى.

2 نيسان 1981 تاريخ حفل بتضحيات الشهداء الذين سطَّروا ملاحم بطولية. 90 مقاتلًا من المقاومة المسيحية تصدّوا مع أهالي زحلة لهجمات الجيش السوري، الذي حاول إذلالهم وقتل العنفوان فيهم، فهذه المدينة كانت بالنسبة للسوريين منطقة استراتيجية مهمة، تسمح لهم بتغيير الخارطة العسكرية لاحتلالهم، تمهيدا للسيطرة الكاملة على لبنان.

بعد 44 عامًا على هذه المعركة يستذكر جان أسعد جبرايل إبن بلدة تعلبايا وأحد المقاتلين الذين شاركوا فيها تفاصيل ما عاشه على جبهة حوش الأمراء، ويروي: “في بداية الحرب اللبنانية عام 1975 حملت البندقية للمرة الأولى، حيث كنت مع المرحوم والدي وشقيقي الأكبر وأبناء عمّي وكنا نتولّى مهام الحراسة أمام منزلنا. إلا أن تعلبايا لم تصمد طويلًا أمام جحافل جيش التحرير الفلسطيني وسائر المنظمات الفلسطينية واليسارية، التي ارتكبت المجازر بحق المسيحيين وعملت على تهجيرهم. فغادرت تعلبايا مع أهلي وإخوتي الى حوش الأمراء في زحلة، وهناك بدأت نشاطي الحزبي حيث انتسبت الى حزب الكتائب اللبنانية، وأصبحت لاحقًا مسؤولًا عن مكتب الرياضة في قسم حوش الأمراء، ومسؤولًا عن الشعبة الأولى في القوى النظامية”.

في تلك الفترة بدأ السوريون بمحاصرة زحلة، فأقاموا السواتر الترابية، والمواقع المحصَّنة، والحواجز على مداخل المدينة، ونشروا دباباتهم بدءًا من موقع تمثال السيدة العذراء حتى كساره، ومن الكرك الى حزِّرتا، ومن جسر زحلة الى المعلّقة الى خط السكة، بالإضافة الى تموضعهم على التلال المحيطة، بحيث أصبح أي تحرّك في زحلة مكشوفًا ومحفوفًا بالمخاطر.

ويتابع: “خلال فترة عيد الميلاد من العام 1980، شهدت زحلة معركة محدودة لمدة أسبوع، حيث قام جيش الاحتلال السوري بقصف المدينة عشوائيًا، لكن حرب زحلة الفعلية بدأت في 2 نيسان 1981 في محاولة من الجيش السوري لإخضاع المدينة. يومها كنت طالبًا في الجامعة اللبنانية سنة ثانية علوم سياسية. في الأيام الأولى للحرب كان لي شرف المشاركة في معركة الجسر على مدخل مدينة زحلة، حيث تم تدمير عدد من الآليات السورية، ومحاصرة الجنود الذين كانوا متمركزين في هذه النقطة، وقد عمد الجيش السوري لاحقًا الى شن هجوم واسع من جهة المعلَّقة من أجل فك الحصار عن نقطه الجسر، ولكنه فشل في ذلك بعد مواجهة أسطورية من قبل مجموعة من “القوات اللبنانية”، حيث تم تدمير عدّة دبابات سورية خلال الهجوم”.

المعارك التي دارت في زحلة آنذاك كانت غير متكافئة، كان جيش الاحتلال السوري متفوَّقًا من حيث العديد والعتاد العسكري، لكن مقاومة الزحلاويين ومقاتلي “القوات اللبنانية” كانت كبيرة، إذ استبسلوا في الدفاع عن هذه المدينة التي كانت قلب المقاومة المسيحية في البقاع، والتي تحوّلت مع مرور الوقت الى رمز للمقاومة، حيث كانت تشهد معركة استنزاف نجحت فيها المقاومة بصدّ العديد من الهجمات، وحققت بعض الانتصارات على القوات السورية، فأصبحت هذه المقاومة ملهمة لكثير من اللبنانيين، الذين بدأوا يشعرون بأن الأمل لا يزال موجودًا على رغم كل الصعاب.

هنا يتذكر جان أنه كان بعمر الـ21 سنة ومسؤولًا عن موقع متقدم على الجبهة من جهة منطقة كساره. “كان معي مجموعة من 15 مقاتلًا من القوى النظامية. خلال الأسابيع الأولى من الحرب حاول جيش الاحتلال السوري في أكثر من مناسبة اختراق خطوطنا الأمامية في حوش الأمراء، وفي سائر محاور مدينة زحلة، لكنه فشل فشلًا ذريعًا، بعد أن أدرك صلابة تحصيناتنا وجهوزية المقاتلين وعزمهم على الدفاع عن المدينة حتى آخر قطرة دم”.

ما يميّز مقاومة زحلة في تلك الحرب، هو الدور الذي لعبه المجتمع المحلي، فإلى البطولات التي سطَّرها مقاتلون في “القوات اللبنانية”، برز دور المواطنين الذين شاركوا في الدفاع عن مدينتهم، ولم يتوانوا عن تقديم الدعم اللوجستي للمقاتلين مثل تأمين الطعام والماء وإسعاف الجرحى. وهكذا تحوّلت مدينة زحلة في ذلك الوقت الى مجتمع مقاوم بكل ما في للكلمة من معنى. فالجميع شاركوا في معركة الصمود والدفاع عن المدينة، منهم من حمل السلاح ومنهم من ساعد في حفر الخنادق وإقامة التحصينات، ومنهم من التحق بفرق الإسعاف والدفاع المدني، كما أذكر أن العديد من فتيات ونساء حوش الأمراء، انضممن الى المطبخ المركزي الذي كان يؤمّن الطعام الى المقاتلين على الجبهات”.

يغوص جان في سرد حكايات البطولة التي سطَّرها المقاتلون وأبناء مدينة زحلة، ويقول: “التف الزحليون حول قيادة “القوات اللبنانية”، وكان قد وصل الى المدينة قبل شهرين من بدء المعركة، حوالى 100 مقاتل من وحدات المغاوير والدفاع ومقاتلين من مفوضية البقاع في بيروت.

بعد أيام قليلة على بداية المعركة، قرر الشيخ بشير الجميل دعم المقاتلين الموجودين في زحلة بالعديد والعتاد، فأوكل المهمة الى الدكتور سمير جعجع الذي كان حينها قائدًا لجبهة الشمال. وصلت مجموعة الحكيم عند الصباح الى مشارف الشير الأحمر في جرود عيون السمان، وانكشفت تحركاتهم من جانب السوريين الذين كانوا متمركزين في سهل البقاع، حيث تراءت لهم على شكل بقع سوداء على الثلج. فجأة انهمر القصف العنيف بالهواوين والراجمات على المجموعة، فاستشهد الرفيقان نجا الخوري من بلدة المغيري في جبيل وكان قائدًا لثكنة اللقلوق، ونبيل رحمه من بشري الذي كان مرافق الحكيم.

عند وصول القوة الى زحلة، تبلّغ الحكيم أمرًا من الشيخ بشير بالمغادرة والعودة الى منطقة الشمال خوفًا من اختراق الجبهة هناك، بعد أن عمد السوريون حينها الى تحريك قواتهم على طول خط جبهة الشمال.

تواصلت الإمدادات الى زحلة عن طريق الجرد وكانت مهمة شاقة للغاية، أولًا، بسبب القصف السوري المتواصل على المناطق الجبلية، وثانيًا، بسبب البرد وتراكم الثلوج، وقد استشهد الرفيقان فؤاد نمّور وجورج نخلة بعد أن تجمّدا من شدة البرد على الثلج وهما في طريقهما من عيون السيمان الى زحلة”.

في 26 نيسان 1981 قامت الوحدات الخاصة السورية بعملية إنزال على الغرفة الفرنسية والتلال المؤدية الى زحلة، وهكذا حوصرت المدينة بالكامل ابتداءً من هذا التاريخ. وكان الشيخ بشير قد وجّه قبلها برقية عبر الأجهزة اللاسلكية الى المقاتلين في زحلة، وفوّض إليهم صلاحية اتخاذ القرار بالبقاء في زحلة أو مغادرتها قبل إقفال الطريق، وقد أنهى برقيته بهذه الجملة الشهيرة “إذا قررتم أن تبقوا فاعلموا شيئًا واحدًا أن الأبطال يموتون ولا يستسلمون”،  فكان الجواب “صامدون والباقي على الله”.

ثلاث محطات بارزة ستبقى محفورة في ذاكرة جان جبرايل ووجدانه، الأولى استشهاد شقيقه طوني بعمر 19 سنة بقذيفة دبابة سورية، انفجرت خلف أحد المتاريس حيث كان يجري العمل على تحصينه في تلك اللحظة. حدث ذلك في الأول من أيار 1981، يومها كان طوني عائدًا من خدمته في جبهة السهل، مرّ على كنيسة مار الياس في حوش الأمراء وشارك في صلاة بداية الشهر المريمي. ويروي بغصَّة: “أخي استشهد على الفور بسبب إصابته بشظية اخترقت قلبه، وتحديدا حيث الشارة المطبوع عليها عبارة “القوات اللبنانية”، وكأن به يقول لنا “أرحل حاملًا في قلبي وإيماني روح “القوات اللبنانية”. ويتابع: “تم دفن أخي الشهيد وباقي الشهداء في باحة أمام مركز حوش الأمراء، بسبب الأوضاع الأمنية التي كانت سائدة آنذاك. وبعد انتهاء الحرب في زحلة تم نقل رفات أخي ورفاقه الشهداء من مدافن حوش الأمراء بطريقة لائقة وبمواكب مهيبة، ولم أستطع أن أشارك فيها بسبب انتقالي الى كندا بعد نهاية هذه الحرب بأسابيع قليلة”.

المحطة الثانية، عندما بدأ السوريون بالقصف على الأحياء السكنية في زحلة، لإجبار الأهالي على رفع شارة الاستسلام، فكان أن لجأ العديد منهم الى بناية العبسي على مشارف مدخل زحلة، والتي كانت لا تزال قيد الإنشاء، ظنًا منهم أنها آمنة بسبب حجمها وضخامتها، وكان يحتمي في الملجأ عدد كبير من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال. وفي 2 نيسان 1981 قصفت الدبابات السورية أعمدة البناية واحدًا تلو الآخر، حتى انهارت على ساكنيها، فاستشهد فيها 45 شخصًا من الاهالي والمقاتلين.

“المشهد لا يزال يمثل أمامي، خصوصًا أنني شاركت في عملية رفع الأنقاض بحثا عن رفاق، إضافة الى إنقاذ عدد من الجرحى وتحريرهم من تحت الركام. وما زالت صورة الرفيق الشهيد طوني بو منصور مغطى بالتراب ماثلة أمامي، وكم تمنيت أن أنقذه ولكن قدره كان شرف الاستشهاد”.

من الذكريات المؤلمة في بناية العبسي آنذاك، والتي لا يمكن أن يمحوها الزمن، صورة الطفل روجيه جورج معلوف الذي بقي الجزء السفلي من جسده محاصرًا لمدة ثلاثة أيام تحت الركام، بينما كانت فرق الإنقاذ تعمل على رفع الأنقاض وسحبه من تحتها كان الطبيب الميداني يزوِّده بالمصل والمقوّيات كي يبقى على قيد الحياة، والى جانبه والدته وشقيقتاه اللواتي لقينا حتفهن. تم إنقاذ روجيه وسافر الى فرنسا للعلاج لكنَّ الأطباء عجزوا عن إنقاذ رجليه وتم بترهما!

ويشير جان الى أن مدرسة العائلة المقدسة في حوش الأمراء، تحوّلت الى مستوصف ميداني في ظل ظروفٍ قاسية جدًا بسبب نقص المعدات الطبية والأدوية، وقد تم إجراء العديد من العمليات الجراحية من دون بنج، موضحًا أن الإصابات البليغة والشديدة الخطورة كان يتم إرسالها الى مستشفى خوري في زحلة الذي كان لا يزال أيضًا قيد الإنشاء.

المحطة الثالثة كانت استشهاد رفاق قياديين أواخر أيار 1981، وهم جوزف الحداد ووجدي ديب وطوني البش، خلال توجّههم الى منطقة السهل لتفقد الجبهة هناك، وعند وصولهم الى سوق حوش الأمراء سقطت قذيفة سورية بالقرب منهم، فاستشهدوا على الفور، وقد نجا من الموت الرفيق جان سلامة الذي كان برفقتهم، لكنه تعرَّض لإصابات بليغة استدعت إجراء عدة عمليات جراحية. وهنا أيضا شارك جان في نقل الشهداء من مكان الانفجار الى المستوصف الميداني، وما زالت وجوههم المغطاة بالدم راسخة في ذاكرته حتى اليوم.

“في اليوم التالي لاستشهاد الرفاق القادة، وللدلالة على إرادة الصمود لدينا في ذلك الوقت أقمنا احتفالًا مهيبًا في باحة كنيسة العائلة المقدسة، حيث تم تخريج دفعة من الأشبال بعد خضوعهم للتدريب العسكري، وكان من بينهم أخي شربل بعمر 15 سنة”، يقول جان.

بعد فك الحصار عن زحلة في 30 حزيران 1981 وخروج 90 مقاتلًا من الوحدات المركزية في القوات ودخول قوى الأمن الداخلي الى المدينة، سافر جان الى كندا والتحق بجامعة مونتريال ونال إجازة في المعلوماتية. ويقول: “تابعت نشاطي الحزبي، وتوليت رئاسة قسم الكتائب في مونتريال لمدة خمسة أعوام.  ومن أبرز المحطات التي عشتها آنذاك، كانت زيارة الدكتور سمير جعجع الى الولايات المتحدة الأميركية في شباط 1992، حيث كان لي شرف المشاركة في التحضيرات لهذه الزيارة المهمة، فقمت بتحضير المؤتمر الصحافي الذي عقده الحكيم مع وسائل الإعلام اللبنانية في أميركا الشمالية. بعد نيل حزب “القوات اللبنانية” العلم والخبر من وزارة الداخلة، قررت متابعة نضالي ضمن صفوفه بقيادة سمير جعجع الذي حمل مشعل القضية ولا يزال. وكلنا نعلم ماذا حصل بعد ذلك من اعتقال واضطهاد لتعود القوات معه عام 2005 حزبًا رائدًا يتمتع اليوم بأوسع قاعدة شعبية مع حصوله على أكبر كتلة نيابية في البرلمان اللبناني”.

عام 2013 عاد جان الى لبنان من الاغتراب حيث كان عضوًا في لجنة الإنتشار في “القوات” برئاسة الدكتور أنطوان بارد. وفي حزيران 2021 تم تعيينه رئيسًا لمركز القوات في تعلبايا – تعنايل ـ وبر الياس، وما زال حتى اليوم يمارس مهامه الحزبية وقناعاته الوطنية.

على رغم مرور السنوات، تبقى معركة زحلة درسًا في التضحية والإرادة والتمسّك بالأرض، وتذكّرنا جميعًا بأن الحرية لا تأتي بسهولة، وأن القتال من أجل الحق واجب.

 

كتبت رغرازييلا فخري  في “المسيرة” ـ العدد 1763

 

إقرأ أيضًا

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل