
.jpg)
.jpg)
تعيش الشّعوب حالة مقاومة مستمرّة، بدأها الإنسان في مواجهته لخوارق الطبيعة منذ لحظة الخلق الأولى ليحافظ على وجوده. هكذا تجلّت ثقافة الحياة التي غلبت ثقافة الموت وقتذاك. لكنّ الإنسان حوّل نضاله هذا إلى حالة صراع مع ذاته الكيانيّة أوّلا ومن ثمّ مع كلّ ما يحيط به من كيانات غريبة.
في نماذج المقاومة أنموذجان اثنان ينبثقان من صلب فهمنا لثقافتنا الإيمانيّة المسيحيّة بالتّحديد. الأوّل عندما دخل يسوع المسيح إلى الهيكل ورأى كيف حوّله الباعة والصيارفة إلى مغارة لصوص، فما كان به إلا أن جدل سوطًا من الحبال وقام بضربهم وقلب طاولاتهم وطردهم من الهيكل بفعل القوّة. والثاني في لحظة الصلب وتسليم الرّوح عندما بسط يديه على الصليب قائلًا: أغفر لهم يا أبتاه لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون.
ما بين هذين الأنموذجين جهد المسيح طيلة حياته الرّسوليّة الأرضية على بناء فكر تلاميذه من خلال تدعيمهم بالمقاومة الثقافيّة كما يفهمونها هم. “يُكَلِّمُهُمْ حَسْبَمَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَسْمَعُوا، وَبِدُونِ مَثَل لَمْ يَكُنْ يُكَلِّمُهُمْ. وَأَمَّا عَلَى انْفِرَادٍ فَكَانَ يُفَسِّرُ لِتَلاَمِيذِهِ كُلَّ شَيْءٍ”.
هذه هي حالات النّضال الثلاث التي وضعنا أمامها الرّبّ في تعاليمه لنا. ولنستطيع الحفاظ على وجودنا الحرّ علينا أن نقتدي بهذه النماذج حسب الظروف التي تُفرَضُ علينا. لذلك كلّه، مقاومتنا مستمرّة، لكن بأشكالٍ مختلفةٍ. فيوم كان صوت البندقيّة هو الأعلى لم يتردّد شعبنا في الدّفاع عن حرّيّته ووجوده. وعندما اغتيلَ المعلّمُ المؤسّس واعتقِلَ الوكيلُ الأمينُ بسطنا يدينا على صلبان الاحتلال وسامحنا من قتلنا غدرًا وسجننا زورًا.
أمّا اليوم، وبعد أن صوّب الرّبّ مسار التّاريخ بثالوث الإيمان والقوّة والصمود وعدنا حيثما وجب أن نكون، فها مقاومتنا ونضالنا يتّخذان المنحى الثقافي، إذ نبذنا السيف سلاحًا لأنّ ما أخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ؛ وحضنت أناملنا أقلامنا لنكتب فكرًا ينير ظلام الأجيال الطّالعة ويضيء على تاريخ الأبطال الذين سبقونا. لأنّنا روّاد مدرسة مار أفرام السرياني الذي يعتبر أنّ “الثقافة هي النور الذي يبدد ظلام الجهل، وبها ترتقي الأمم”. فهكذا فقط يتقدّم شعبنا ويستطيع أن يواجه الجهل في زمن التفاهة الذي نعيشه.
وهكذا أصبحنا نملك البراهين لأنّنا استلهمنا الفكر إبداعاته، واعتنقنا معتقداتنا عن وعي وإدراك وإيمان، بينما الرعاع على حدّ قول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه “اعتنقوا معتقداتهم من دون براهين، فكيف يمكنك أن تقنعهم بزيفها من خلال البراهين؟ إن الإقناع في سوق الرعاع لا يقوم إلا على نبرات الصوت وحركات الجسد، أما البراهين فتثير نفورهم”.
أيضًا، هكذا استطعنا اليوم أن نثير نفور هؤلاء كلّهم لأنّنا امتلكنا القدرة على المحاججة. كما أنّنا لم نكن يومًا تابعين، بل كنّا دومًا تلاميذ ورسلًا للقضيّة التي آمنّا ونؤمن بها. ومن استلهامات الذين كفروا بإيمانهم كنيتشه نأخذ دعوته في كتابه “هكذا تكلم زرادشت”، حيث يقول نيتشه: “إنني آتٍ إليكم بنبأ الإنسان المتفوّق، فما الإنسان العاديّ إلّا كائن يجب أن نَفُوقَهُ، فماذا أعددتم للتفوّق عليه؟”.
لذلك علينا أن نجهد للتفوّق على ذواتنا في كلّ لحظة. فمسيحنا تفوّق على ذاته الإنسانيّة وغلب الموت بالموت. وما بين جدليّة الموت والحياة تناقض يبرز قيمة الإنسان بحدّ ذاته على حدّ رؤية الفيلسوف الألماني هيغل الذي رأى أن مهمة الفلسفة هي فهم ما هو موجود، وأشار إلى أنّ النظام الاجتماعي والثقافي يتطوّر عبر التاريخ من خلال جدلية تجمع بين الأفكار المتعارضة، ممّا يؤدّي إلى تقدّم الشعوب.
فللثقافة والنضال الفكري دور بارز في تشكيل وتطوير مجتمعنا. ولا يمكن أن نغرق في الماركنتيليّة التي تركّز على أهمية تراكم الثروات الوطنية من خلال زيادة الصادرات وتقليص الواردات، حيث كان يُعتقد أن الثروة الوطنية تقاس بكمية المعادن الثمينة (مثل الذهب والفضة) التي تمتلكها الدولة.
هذه النظرية تعرضت للنقد في وقت لاحق، خصوصًا من قبل الاقتصاديين مثل آدم سميث، الذي قدم مبادئ التجارة الحرة في “ثروة الأمم”، مؤكدًا على أن الثروات لا تأتي فقط من تراكم المعادن الثمينة بل من الإنتاجية الاقتصادية بشكل عام. وهذه الإنتاجيّة لا يمكن أن تتحقّق إلا ببناء إنساني يقوم على تقعيد الفكر وليس على تعقيده. من هنا تبرز الحاجة إلى وضع استراتيجيّة للمقاومة الفكريّة عمادها الأساسي ثالوث العقل والإيمان والحياة. وذلك لنستطيع إعادة تشكيل هويّة شعبنا الثقافيّة النضاليّة على أساس مبني على صخور الفكر والعقل الصلبة، وليس على رمال التعصّب والأدلجة الرّجعيّة.
هذا الواقع الذي بتنا فيه قد استشرفه الدكتور شارل مالك، الفيلسوف والدبلوماسي اللبناني، الذي قدّم رؤى عميقة حول دور الثقافة في حياة الشعوب، إذ اعتبر أنّ “الشعوب التي لا تأخذ بالعلم، ولا تتقبّل الثقافة العلميّة، ستنقرض أو ستبقى مستعبدة. فإذا كان الوجود الحقيقي هو الإنسان الشخص الكائن الفاعل، فالثقافة هي الكائن المثقّف”. مع التأكيد على أهمية الوعي بالتاريخ مع هذه الثقافة التي أشار إليها مالك نستطيع إعادة تشكيل هوية الشعب. ومن دون أن نُسلِمَ ذواتِنا للتجارب مرّة جديدة لأنّ “الإنسان سيّد بالعقل ومسود بالتجربة” على حدّ قول الدكتور مالك.
وهذا ما يعزّز ثقافة العيش معًا وليس التّعايش. هذه الثقافة التي ترتكز على ثالوث الحرّيّة والحوار والمحبّة. فمؤسّس الدستور اللبناني المفكّر ميشال شيحا كان يرى أنّ “الشعوب والثقافات التي تكبِّل العقل أو تحرِّم عليه أن يفكِّر في أي موضوع بصورة مسؤولة، هي إمّا ستنقرض أو تبقى مستعبدة”. وهذا ما نشهده اليوم بعدما انقشعت حقيقة ومساوئ الأدلجة غير اللبنانيّة.
نحن بحاجة إلى تغيّر حقيقي في الذهنيّة لاقتلاع أجيالنا من لجج التفاهة التي أغرقتهم بها ثورة العصر الرقميّة، حيث تفوّقت الرقمنة على الأنسنة، وبالتّالي خرج الإنسان من الإطار المؤسّساتي النّاظم مبرّرًا خروجه هذا بفعل مقاومة خاطئ على حساب وجوديّة الدولة واستمرار الكيان. وهذا ما أسقط الأفكار المستوردة كلّها لأنّها لا تمتّ إلى الكيانيّة اللبنانيّة بأيّ صلة.
وكما اعتبر جلال الدين الرومي، “سلطان العارفين” وزعيم المولوية، الذي نجح بعد لقائه بالشيخ الفارسي في العام 1244 “شمس الدين التبريزي”، بتحوّل مسار حياته وإعادة ميلاد لفكره وسلوكه، إذ دخل على يديه في زمرة أرباب التصوّف فبدأ نظم الشعر الصوفي، وقطع كل صلة له بتلامذته وبالناس “وقلّل من مجالسته مع أهل العلوم الظاهرة واتجه إلى العلوم الباطنية”، بحسب أحد كُتاب سيرته. واعتبر وقتذاك أنّ “التغيّر هو تغيّر كامل في الذهنية والإهتمامات والتصرّفات، وهو استنارة داخليّة وتحوّل جذري في العمق”.
ولن نستطيع تجاوز “الهويات القاتلة” التي تفرِّق بيننا كلبنانيّين إلّا عندما نعي أهمية الثقافة في تعزيز قيمة العيش معًا والتفاهم في إطار من الحرّيّة الشخصيّة الكيانيّة، لنستطيع درء مخاطر التعصُّب والتطرُّف. مع تأكيدنا المطلق على أنّ هذا التنوّع الثقافي يُثري التجربة الإنسانية ويعزز التفاهم بين الشعوب. وهذا ما نحن مدعوّون إليه في لبنان. أي بمعنى أوضح، أن نكون رسل هذه المقاومة الثقافيّة النضاليّة التي تنبذ السلاح، وتبشّر بثقافة الحياة والحريّة والعيش معًا، لأنّ الحرّ وحده يقبل العيش مع الآخر، بينما العبد يرفض هذا الآخر ويدفن في قوقعته.
أمّا نحن فاخترنا الحريّة والعيش معًا بحرّيّة في جمهوريّة قويّة، في إطار دولة سيّدة حرّة مستقلّة وحياديّة. تصونها مقاومة ثقافيّة مستمرّة من دون أيّ سلاح لتجدّد البناء الإنساني فيها بشكل مستدامٍ حتّى نكون على قدر تضحيات الذين سبقونا؛ وعلى قدر تطلّعات وطموحات وأحلام الذين سيأتون من بعدنا.
كتب د. ميشال الشّمّاعي في “المسيرة” ـ العدد 1763
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]