
في زمن السلطنة العثمانية، كُتبت واحدة من أبشع صفحات التاريخ بحق شعب مسالم وأصيل. إنها مجازر “سيفو”، حين تحوّلت السيوف إلى وسيلة لإبادة جماعية طالت أجدادنا وجداتنا السريان، حاملي اللغة السريانية الآرامية التي نطق بها السيد المسيح. قُتل مئات الآلاف بدمٍ بارد، وهُجّر مَن تبقّى من أرضه، وسُبي الأطفال، وتحوّلت الكنائس والأديرة إلى خرائب تبكي على ساكنيها.
سيفو ليست مجرّد مأساة مرّت، بل جرح نازف في ذاكرة كل سرياني، محفورة فينا صدى صرخة كل أمٍ فقدت أطفالها وفي عيوننا انعكاس لدمعة كل شيخ اقتيد إلى حتفه بتهمة الهوية. إنها جريمة ضد الإنسانية بكل ما للكلمة من معنى، مخطط إبادة متكامل، حاول طمس شعب بكامله من الوجود.
لكن، على الرغم من الألم، لم ننكسر، أسلافنا قاوموا، تمسكوا بهويتهم، وواصلوا النضال، وعلى خطاهم نحن سائرين، من لبنان، حيث وجد أجدادنا ملجأهم الأخير، لم يكتفُ باللجوء، بل ناضلوا مع إخوتهم الموارنة السريان يوم جرّب العثمانيون أيضًا تجويعهم وقهرهم وذَلِّهم عبر حصار جبل لبنان بما سميّ “كفنو”. كل ذلك في سبيل الكرامة، السيادة، والحرية، ونحنُ ما زلنا الى اليوم متجذرين في هذه الأرض التي اخترنا أن ندعوها وطننا.
مجازر سيفو، حقيقة مرّة ممزوجة بالدم والعذاب والموت، إرثٌ قبلناه صليبًا يقودنا الى القيامة وأينما وُجِدَنا رفعنا الصوت، وحملنا القضية أمانة لا تموت، مؤمنين بأن العدالة لا تسقط بالتقادم.
واليوم والى أن ينقضي الدهر، نحنُ، السريان اللبنانيين أبناء من ذُبحوا على الهوية، وأحفاد من رفضوا أن يُدفنوا في النسيان، لن نستكين دفاعًا عن الحقيقة، مطالبين بالاعتراف الدولي بهذه المجازر، كي لا يُمحىَ تاريخ شعبنا بالصمت. فينا، عنفوان أمٍّ رفضت أن تغيّر إيمانها، وفي عروقنا نارُ لا تنطفئ، حتى يعود الحق إلى أصحابه، وحتى يقرّ العالم أنّ الدم السرياني لم يُسفك عبثًا.
المحامي إيلي شربشي ـ منسق منطقة بيروت في حزب “القوات اللبنانية”.