.jpg)
في لبنان، الدولة لا تعاني فقط من أزمة اقتصادية أو مؤسساتية، بل من خلل بنيوي في جوهر مفهوم السيادة. لعقود، تعيش الدولة اللبنانية على حافة الانهيار السيادي، نتيجة وجود ميليشيا مسلّحة تعمل بمنطقٍ فوق دستوري، تستمد شرعيتها من خارج الدولة، وتُرجع أوامرها – كما صرّح سابقًا أمينها العام – إلى “التكليف الإلهي”. أمام هذا الواقع، لم يعد الخطر الأكبر هو الانقسام السياسي، بل الانفصام الكامل بين الشكل القانوني للدولة ومضمونها الفعلي.
اليوم، لا يخفى على أحد أن القرار الوطني ليس حكرًا على المؤسسات الدستورية. فهناك قوتان تتحكمان بمصير البلاد: الأولى، الدولة الشرعية، المقيدة بالتزاماتها الدولية، ومعاييرها الدبلوماسية، ومبادئ القانون الدولي؛ والثانية، دولة ظل يحكمها “الحزب”، تتجاوز تلك الالتزامات حين تشاء، وتفرض شروطها في الحرب والسلم، بمنأى عن مؤسسات الدولة.
وما يزيد من خطورة هذه الازدواجية هو ما يبدو أنه تناغم غير مباشر بين “الحزب” والعدو الإسرائيلي: فإسرائيل، التي لا تريد الانسحاب من الأراضي اللبنانية، تجد في استمرار سلاح “الحزب” ذريعة جاهزة للضربات، بينما الأخير يستخدم تلك الضربات كتبريرٍ لإبقاء سلاحه بحجة “المقاومة”. وهكذا تُجهض الدولة من الداخل والخارج في آنٍ معًا، وتُشلّ قدرتها على فرض سيادتها أو الدفاع عن صدقيّتها.
عندما تتراجع الدولة اللبنانية عن تنفيذ اتفاق دولي، كاتفاق وقف إطلاق النار أو قرارات مجلس الأمن 1559 و1701، فإن الأمر لا يتعلق بصورة لبنان في المحافل الدولية فحسب، بل بمفهوم الدولة بحد ذاته. فالصورة الخارجية هي انعكاس للبنية الداخلية: إذا كانت السيادة مجتزأه، والسلطة التنفيذية عاجزة عن فرض قراراتها، وإذا أمكن لأي طرف داخلي تعطيل بنود الاتفاقات الدولية متى شاء، فماذا تبقّى من كيان الدولة؟
التذرّع بالتوازنات الداخلية أو الظروف الميدانية لتبرير هذا التراجع، لا يعدو كونه خضوعًا فعليًا لمنطق الدويلة. الأخطر من ذلك أن هذا التراجع يُكرّس عُرفًا يُفقد الدولة هيبتها، ويُفهم في الخارج على أنه تواطؤ ضمني أو عجزٌ بنيوي، مما يُضعف موقفها التفاوضي والسياسي ويُلحق ضررًا فادحًا بمكانتها.
في موازاة هذا التراجع، تستمر الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة بذريعة “عدم التزام لبنان بالاتفاقات”، بينما لا تتوانى قوى الأمر الواقع عن تعطيل أي خطوة باتجاه بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. وتتحول كل ضربة إسرائيلية، وكل اغتيال أو اعتداء، إلى وسيلة إضافية لإسقاط شرعية الدولة، في حين يستخدمها “الحزب” لتعزيز شرعية سلاحه. بهذه الثنائية القاتلة، تُغتال الدولة مرارًا وتكرارًا: مرة باسم المقاومة، ومرة باسم التوازن، ومرة باسم الواقع.
الاتفاقات الدولية، وخصوصًا تلك التي ترعى وقف إطلاق النار وتحفظ الحدود، ليست مجرد أدوات دبلوماسية، بل هي خط الدفاع الأول عن الدولة ومكانتها. أما الحلقة المغلقة بين “الحزب” وإسرائيل، حيث يقدّم كل طرف للآخر الذريعة التي يحتاجها، فلا تُكسر إلا بقرار سيادي صارم من رئيس الجمهورية والحكومة معًا، يمسك زمام المبادرة، ويعيد للدولة حقها الطبيعي في إدارة الملف الأمني من دون مراوغة أو استجداء.
الدولة لا تُبنى بتمييع الأزمات أو التهرّب من مواجهتها، بل تُبنى بقرارات حاسمة تعيد رسم الشراكة الوطنية على أساس السيادة الحصرية وتُخرج السلاح غير الشرعي من المعادلة السياسية. فإما أن تحسم رئاسة الجمهورية والحكومة خيار الدولة الواحدة ذات القرار الواحد، أو فليصارحوا اللبنانيين، الذين علّقوا آمالهم على العهد الجديد، بأن الدولة باتت مجرّد غطاء هش لصراعات تتجاوزها، وعاجزة عن فرض أبسط مقوّمات السيادة الوطنية.
لكن ما يجب إدراكه بوضوح، هو أن لبنان لا يتحرّك في عزلة. اليوم، هناك زخم إقليمي ودولي غير مسبوق يدفع باتجاه تثبيت منطق الدولة في مواجهة السلاح الخارج عن الشرعية. إنها لحظة تاريخية نادرة تتقاطع فيها تحوّلات إقليمية عميقة مع إرادات دولية واضحة، ما يمنح لبنان فرصة استراتيجية لإعادة تموضعه ضمن منطق الدولة والسيادة، لا منطق المحاور والاصطفافات، وفرصة لفرض تنفيذ القرارات الدولية من موقع المبادرة السيادية، لا من موقع التبعية المُربكة.
التغاضي عن هذه اللحظة المفصلية، أو الاستمرار بنهج المهادنة والمراوغة، لن يُفسّر إلا كاستسلام نهائي لمنطق الدويلة، وسيفقد لبنان آخر فرصة ممكنة لاستعادة قراره السيادي بغطاء عربي ودولي متكامل. المطلوب ليس فقط وضوح الرؤية، بل حسم القرار: فإما أن تعود الدولة لتكون صاحبة القرار الحصري في السلم والحرب، أو يُكتب للبنان أن يبقى كيانًا فاقدًا للأهلية، معلقًا على هامش النظام الإقليمي، وعاجزًا عن حماية نفسه، ورسم مستقبله.