
فوق شاهق صخرٍ تنوريٍّ عملاق هو أقرب شكلاً ورمزًا إلى أسد القديس مرقس الإنجيلي، يربض دير أنطونيوس الملك موصول الصُّرَّة والمسرَّة برحِم أملاك “حوبو” ضيعة الحب إحدى أجمل وصيفات الملكة تنورين الكبرى الممتدة حدودًا من قمم تنبسط في ريحها السماوية كيمامة الروح القدس متدرِّجة من اليمونة شرقًا حتى جبل فغري ودوما غربًا، ومن العاقورة واللقلوق جنوبًا حتى حدث الجبة وبشراي شمالاً في مسارٍ قورشيٍّ يُدخل الجغرافيا في هيكل التاريخ كأنَّ تلك الهضاب أذرعٌ ترتفع ابتهالاً وإنشادًا والتماسًا لروح وأنفاس المزمور الخامس عشر: “يا رب مَن يجاور مسكنكَ، ومن يسكن في جبلكَ المقدَّس، هو الذي يسلك بنزاهة ويصدق في جميع أعماله ويتكلَّم الحق في قلبه”. وهل أحقُّ من نزاهة آيات التَّكوين لأن تحوِّل تلك الأعالي التنورية إلى متنزًّه للملائكة كما إلى منتجعٍ من منتجعات الملكوت!!
” رهبان ضيعتنا ”
الراهب اللبناني الماروني الأب مارون كرم الحوبي التنوري يشهد في سنكساره الرهباني “رهبان ضيعتنا” بأنَّ لا تنورين بدون دير ورهبان، ولا رهبان وأديار بدون تنورين، ومواسم الأساكيم التنورية تزدهر وتزهو بها مجامع دعاوى التطويب والتقديس. هل في ملفّات الكرسي الرسولي سيرةٌ مِن إنجازات الأبرار والصدِّيقين تضاهي مشهدية محبسة مار جرجس حوب والأب مرقس داغر التنوري الحبيس يضع معلِّمه أعجوبة النسك الأب أتناسيوس أبي مارون الصَّغبيني داخل سلٍّ كبير من قصب ثم يحمله على ظهره صباحًا من قلاَّيته إلى أمام بيت القربان داخل كنيسة المحبسة ثم يعود به مساءً إلى ذات القلاَّية ويعجز الشاروبون عن وصف حبيس يحمل حبيسًا ذي جسدٍ هيوليٍّ تعطَّلت أطرافه بعد خمسين سنةٍ نسكيَّةٍ أذهلت كواكب البريّة!
لا تنورين بدون أديار حصون ورهبان أبطال ولا رهبانية بدون أبيها العام أغناطيوس داغر التنوري ورفيق درب مشقَّاته وأخطاره الأب مرتينوس طربيه التنوري المعروف شعبيًا “بالراهب البطل”.
وهل أهراءات روما البطرسية والحبرية والإنسانية تتَّسع لحكاية راهب مشى على سطح الهواء مشية معلِّمه على أديم المياه وللأب العام التنوري أجنحة من سنابل قمح وأرغفة خبز أنقذَ بهم يسوع المحكوم بالإعدام جوعًا في جبل لبنان والجراد العثماني الفتَّاك يحاول حتى التهام أخشاب الصَّلبان وإنَّ لكل جمالٍ باشا سفَّاح أغناطيوس ينقذ المسيحية اللبنانية رهنًا لأديارها، وينجد المسيح اللبناني بيعًا لكؤوس جسده ودمه!
لا تنورين بدون جبالها المنذورة قبابًا لمحابس قاديشا، ولا جرار مياه يستقي منها الرب متذوقًا ينابيع وادي القديسين بدون جرة الأب أنطونيوس طربيه التنوري الشَّافي باسم يسوع كثيرًا من البرص الروحي والنفسي والأخلاقي والعقائدي متفوِّقًا على أليشاع النبي بشفائه برص نعمان السرياني!
دير مار أنطونيوس حوب
من أديارنا اللبنانية المارونية ذات الأساس وحجر الزاوية والمدماك والسقف والاستناد على عدة مصادر لأرصدة فلس الأرملة كما فلس الواهبين أملاكهم على رجاء قيام قرابةٍ بين ما يملكون وبين ما يملكه صاحب الحصاد الباحث عن فعلةٍ لحصاده!
عام 1700 مسيحية تقدَّم الشيخ سليمان بو نصر الهاشم العاقوري من أبوَّة الرهبانية اللبنانية المارونية راجيًا قبولها كامل ملكيَّته لمزرعة حوب كوهبٍ مؤبَّد هدفه تشييد دير للرهبانية يكون رتبةً عمرانيَّة من رتبِ الوصول إلى ميناء الخلاص وهل هناك مثيل لذلك الوطى الحوبيّ الأقرب إلى مشاعات السماوات كي يكون مرجعًا موثوقًا به للطالبين خلاص نفوسهم والارتقاء بأفئدتهم وأبصارهم صوب ما تجذبهم إليه لهفة الأشتياق ترنيمًا وحنينًا “تشتاق وتذوب نفسي إليكَ يا الله”.
عام 1714 قابل وفد مفوَّض من مجمل أهالي تنورين الأب العام المؤسس عبدالله قراعلي عارضين على همَّته وغيرتِه ورعايته وهب وقف مار ضومط كعقارٍ أساس لنهوض مدرسة رهبانية تنهض بالناشئة التنورية إلى نور الحرف والكلمة واللغات وموفورات العلم والراهب المعلِّم سنديانة نذرت ديمومة الاخضرار في عقولٍ طالما حقَّقت المثل الأمثل “عالم كماروني”.
ذاك الزمن التَّعليمي الرهباني بنى ميزانيته بمعظمها على تلك التوصية: “مجَّانًا أخذتم مجَّانًا أعطوا”… وذلك الراهب اللبناني مجَّانيٌّ بالطَّبع والنذر والتزهُّد وهو المؤمن دائمًا وأبدًا بأنَّ الميزانيات النقدية هي نقضٌ لمنطق الوزنات ودفنًا لها في التراب أو الفضَّة.. مزرعة حوب التي وهبها الشيخ سليمان بو نصر الهاشم العاقوري للرهبان اللبنانيين قد كان لسيِّدة سخية القلب والأيمان أسهمًا فيها، هي السيدة “أم الفضل” المقتدية بالشيخ سليمان في تقدمة حصتها لرهبانية بلادها وبموافقة ولديها الشيخين مسبر وقبلان.
تسعة وأربعون سنة مرَّت والنذور تتوالى مالاً زهيدًا توفِّره تقادم أيادي تقية نقية فقيرة هي الأكثر ثراءً وغنى ورضى في عين الرب إلى أن توفَّر الاعتماد المبارك عام 1749 مطلقًا يد الرهبانية اللبنانية المارونية برفع بنيان الدير المنتظَر المعروف البدايات بدير سيدة حوب حتى مجيء واهب ثالث هو الأمير يوسف شهاب واهبًا الرهبان خرائب كنيسة مار يعقوب وعقارات كنيسة مار أنطونيوس فكانت مشيئة القدوس كما في السَّماء كذلك على تلَّة المباركة وطى حوب، جمعًا بين مقام السيدة أم الله ومقام أبي الرهبان في دير واحد على اسم القديس أنطونيوس الكبير الشَّهير بدير مار أنطونيوس حوب !!
غيمون
هي أرض الدير المغروسة بالأشجار والآيات والأمثال وذكرى وتذكارات رهبان فلاَّحين أسماؤهم وأفعالهم مزارات. تلال غيمون مثلٌ من أمثال يسوع عن “الزّارع الذي خرج ليزرع” وذلك الزَّرع نمى وتكاثر وأفاض بحسب مواهب فَعلَة الرب الأمناء الفاعلة في همَم “رهبان ضيعتنا”.
رهبانٌ لهم إيمان كشجرة خردل بكلِّ ما في مِن حَبٍّ وحُب، ألقوا بذارهم بين الحجارة فاستجابت لهم الأحجار وأخلت مواقعها لأغمار السَّنابل. ألقوا بذارهم في أعباب الشوك فكان إكليلاً على جباه رهبان انصلبوا في حقولهم من هجير شمس الصَّيف حتى صقيع ثلاَّجات الشتاء ففاضت صلبانهم خبزًا لم يكن أقلَّ معجزةً من أعجوبة الخمسة أرغفة والسَّمكتين. ألقوا بذارهم على قارعة الدروب فأتت طيور السَّماء تبحث في الحنطة الرهبانية المكشوفة لمناقيدها عن سرِّ أرغفةٍ داومت الطيور على حملها زادًا لحبساء لا يصل إليهم إلاَّ ذوي الأجنحة، ومَن غير ذلك الطائر التَّقي الجناحين تطوَّع يوميًا لتزويد بولا أول النسّاك بنصف رغيفه اليومي زاده رغيفًا كاملاً يوم كان أنطونيوس رائد الرهبانيات ضيفًا على بولا!
“غيمون” وقف رهبانيّ لرهبان يُثمرون من العلَّيق عنبًا ويقطفون من العوسج تينًا ويجترحون في أراضيهم شبيهًا لأعجوبة أحد المخلَّع، ينهضون بالأرض من بور وقحط ويباس وجفاف فتنهض أغراسهم تمشي مِن جلِّ إلى جل، وتقفُ أشجارهم تحمل ثمارها على كتفيها اقتداءً برهبان حملوا ترابهم وصخرهم على ظهورهم فعمَّ الفردوس وغيمون وحوب يرتِّلان: “يا خبز الحياة وقوت الأرواح وعربون النَّعيم”!
غيمون تنقش الأيقونة وتنورين توزِّعها على وجدان وذاكرة مَن يذكرون ويتذكَّرون شعب جبل لبنان عام 1914.. أيقونة التنوري القديس النَّاسف بقربانه وإسكيمه وورديته و “رهنيَّته” سكَّة قطار سفر برلك وجبروت جمال باشا السفّاح، على إيمان ورجاء أن يكتب بيديه الاغناطيوسيتين كتابًا مقدسًا خاصًا بجنة عدن الغيمونية الحوبية العاصية على غوايات وأغراءات حيَّة آدم وحواء، والملفان “خي جريس حرب” من نافذة صومعة غيمون السماوية يعيد تدريس آلاف أشجار تفاحه وأجاصه وسفرجله وخوخه وكرزه ودواليه علم اقتصاد تعيد لتنورين الكبرى “فلاَّحها المكفي وسلطانها المخفي”، فيزيد بِرُّها كقطبٍ من أقطاب زمن “عالم كماروني” ومياهُها تصقل الحناجر ذهبًا وألماسًا ومنها أصوات رفعت الطرب إلى أعلى مقاماته ولها من المرنِّمات والمرنمين ما يفتح فيها فرعًا تنوريًا مركزيًا لأجواق السارافيم!!
حوب.. “محابس لبنان والحبساء”
أفرام الرهبانية اللبنانية المارونية الأب ليباوس داغر التنوري كان في رهبانيته رهبانيَّةً وفي ديره ديرًا وفي أشعاره شعائر الروح ومشاعر نشيد الأناشيد، كما كان في تأريخه صفيًا من أصفياء كوكب البريَّة. عاهد محبسة مار جرجس حوب ووعد كواكبها يواكيم الزوقي وأتناسيوس الصَّغبيني ومرقس داغر التنوري فتمَّم عهده ووفى بوعده بكتابٍ كان سِفرًا من أسفار تاريخ محابس لبنان وخشوع عشرات الصَّفحات والطَّبعات بحضرة حكايات حبسائها وحكاياتهم تحاكي الآباء والأنبياء والرسل والشهداء والمعترفين والأطهار والعذارى. كتاب “كشف الخفاء عن محابس لبنان والحبساء” كتبه الراهب الأبَرّ ليباوس داغر لأبيه أنطونيوس رائد القفار وبطل البراري هويَّةً مقدَّمة من دير حوب وسلامًا لبنانيًا إلى آثارات محابس الصَّعيد المصري وبلاد ما بين نهرين كنّارة الروح القدس!!
حوب بيوت أبيات الوردية
قبل فتح طريقٍ للسيارات بين الدير والوطى كان الأهالي المباركين يقصدون ديرهم المتكنّي بهم عبر درب من عتيق دروبنا الترابية المصقولة خلال مئات السنين ببصمة خطوات أولئك الأتقياء الصَّاعدين في سلسلة تقويَّةٍ كأنَّ كلَّ حوبيَّة وحوبيٍّ حبَّة من حبّات مسبحة وردية، ومحبّة جماعية تنشد أم الله الحنونة!
حوب وأهاليها. حوب وديرها. حوب ومحبستها. حوب وضريح صغبينيّها شفيع الرعيان والفلاَّحين. حوب ومتحف سنديانتها القلعة الخضراء. حوب الترحيب والمرحبا ذات الجذر الآرامي مور حوبو التي تفسيرها الله محبة، فيا ضيعة الحب مجد أرز تنورينكَ أعطي لكِ!!!
