.jpg)
في تاريخ الشعوب محطات مفصلية أبطالها رجالات تعملقوا في أزمنة وحْده الخنوع كان القاعدة. وهذا يسري على شخص من عندنا، اجتمعت فيه قواسم المواجهة، والرؤيا، والهدف الوطني، لذا، فالكلام فيه لا يقع نهبًا أو اختلاسًا، لأن الرجل تحول مرجعًا مفردًا، وبوجوده لم يفت لبنان عصر الكرامة، والعز.
إن الهم الذي طغى على حراك سمير جعجع هو بناء دولة. فقد صمد الرجل أمام تهويل المستقوين، وأمام جيش الاحتلال السوري، وعملائه، وأمام الزحف الفلسطيني، من قبل، ولم يأبه للمغريات التي مغنطت الكثيرين من الزاحفين الى الكراسي، فواجه منتفضًا لتحقيق حلم انتقل إليه من تنشئة وطنية، ومن إيمان بنهائية الكيان، وقدسية الهوية. وقد رافقه هذا الحلم في مفاصل حياته السياسية، وشكل هاجسًا لدى الخارج الانتدابي، وأعوانه البلديين، فزجوا به في غياهب سجن ليقضوا عليه، ويجهضوا مشروعه لقيام دولة مستقلة قادرة، تمتلك سيادتها، ولا تنحر من خونة يتسلقون المناصب بمنة من خارج مغتصب، وعليهم أن يوفوا هذا الدين بتسليم البلاد الى هرطقاتٍ هجينة مستوردة. لكن السجن أشرق حرية.
إن سمير جعجع المناضل كان مسؤولًا أمام نفسه والتاريخ، عن إنجاز مشروع الدولة في وطن تنازعته استقطابات من كل صوب. لقد عاين جعجع هذا الوطن المفكك، المرتهن للتوازن البهلواني، والذي ضيع أكثر مسؤوليه هويته فكاد يذوب في مساحات أوطان الآخرين، فتجرأ، وثار، وواجه، غير عابئ بالقدرات اللامتكافئة، وكانت قناعته أن العين سوف تقاوم المخرز ولن تعجز. أمام تمرده الحديدي، سقط الوصي، وانهارت المؤامرة التي استهدفت لبنان، لتستبدل به كيانًا بكيان، أو لتلحقه بأخته اللدودة محافظة إضافية، أو لتسلمه هدية يستغلها مفاوض أعجمي لصالحه، على الطاولة الأممية.
لقد نجح نضال سمير جعجع في أن يضع أمام الداخل والخارج، مخططه الرامي الى نشوء دولة قوية، قادرة، حديثة، منظمة، تمتلك قرارها، منسجمة مع محيطها، وذات سيادة لا يمن بها عليها أحد. ونجح، أيضًا، في إشراك وزراء له ينفذون برنامجًا إصلاحيا يقوم الخلل في الإدارة، سندًا الى مبادئ العدالة، وأحكام القانون. ولطالما أعلن جعجع ما يتوق إليه، من دون مواربة، فأجفل القريبين والأبعدين، على حد سواء، لكنه كان مقبولًا من الشرفاء الذين وجدوا فيه أملًا لقيام الدولة التي لطالما انتظروها. فتكوكب حوله الكثيرون، بفصائلهم التواقة الى السلام، والعيش الرغيد، حتى أن بعض خصومه التقليديين أشادوا بشخصه، وبممثليه في السلطة، لنزاهتهم ونشاطهم.
لقد تميز سمير جعجع بالصدق، والوطنية، والدفاع عن الحق، والكلمة الجريئة، والنضال الثابت بالعنفوان، ما جعل الكثيرين يذهبون الى حيث يريد، بالاقتناع لا بالتبعية، لأنه صارحهم، ونطق بما كتموا، وأعاد الى نفوسهم الثقة بما فقدوا، أي بالوطن، وبالدولة. لم يكن لدى جعجع باطن وظاهر، بل شفافية مطلقة، وكشف جريء عن أسلوبه في التعاطي مع القضايا، كبيرها وصغيرها، ما حرك وجدان الناس الوطني، وشعورهم بالانتماء الى وطن حر، ودولة سيدة. إن مشروع جعجع قض مضاجع الذين كانوا، ولا يزال بعضهم حتى الساعة، يعدون للبنان مشروعًا نقيضًا، في جعله ساحةً متفجرةً تشهد منازلات أبدية بين المتصارعين الإقليميين، وتتيح لأولئك البلديين الفاسدين المعروفين، وبغياب القانون، العمل على تأمين مصالح جعلتهم يتربعون فوق ثروات مشبوهة.
لقد داوم سمير جعجع، في مفاصل حياته النضالية، على تكرار مطالبته بأن تستعيد الدولة كرامتها المنتهكة، وأن يتخلص لبنان من النزف واليأس، ومواسم الألغام، واستمر في إطلاق مشروعه القائم على بسط سلطان القانون فوق مساحة الوطن، بكل ما لمفهوم القانون من سلطة وهيبة، ولا سيما أن تمتلك، وحدها، السلاح، وقرار الحرب والسلم، والعلاقات الخارجية، وهذا يعني، تحديدًا، المواجهة بين حق لا يعلو فوقه حق، وبين مؤامرة البربر الهجينة التي تهدف الى القضاء على الكيان. إن أبرز، وأنبل، ما ناضل سمير جعجع من أجله، ولما يزل، هو أن يشيد في القلوب والعقول، عمارة الوطن، ويحصن مواجهة الإطباق على الدولة، وبذلك، انتصر على عصابات شل السلطة، وهزم مشرعي التسيب والفساد، ورفع لواء الولاء للبنان فقط، من هنا، يجدر بنا أن نقول لمشيق القوام، وعالي الجبهة، سمير جعجع : أي حقٍ لك يعلن، يوم يصنف أهل الحق على زمان لبنان .