
على الرغم من محاولات الثنائي الشيعي الترويج لسلاح “الحزب” باعتباره ورقة تفاوضية ثمينة بيد لبنان، إلا أن الوقائع تكشف أن هذه الورقة لم تكن يومًا في قبضة الدولة، وهي ورقة إيرانية خالصة تُدار خارج الإطار السيادي اللبناني. مواقف رئيس مجلس النواب نبيه بري والشيخ نعيم قاسم الأخيرة، الرافضة لتسليم السلاح قبل تنفيذ إسرائيل لكامل التزاماتها، يعيد طرح سؤال سيادي خطير: هل لا يزال لبنان يملك قرار استخدام هذه الورقة، أم بات أسيرًا لها ومجرد متلقٍ لنتائجها؟
أولاً: ظاهر المواقف وخلفياتها
المواقف الأخيرة تقوم على رفض أي نقاش جدي حول مصير السلاح قبل استكمال إسرائيل تنفيذ التزاماتها، لا سيما الانسحاب من التلال الخمس ووقف الاغتيالات والخروقات.
هذا الخطاب، بمضمونه وتوقيته، لا يرمي فقط إلى تثبيت مشروعية استمرار السلاح عبر التذرع بعدم التزام إسرائيل بتنفيذ اتفاقية وقف إطلاق النار والقرار 1701، بل يسعى إلى إعادة توجيه بوصلة الأزمة من الداخل اللبناني نحو الخارج، محمّلًا إسرائيل والمجتمع الدولي مسؤولية المأزق الوطني.
غير أن تفكيك هذا الخطاب يكشف عن حسابات أعمق تقوم على إدارة أزمة داخلية متفاقمة ومحاولة تفادي انفجار منظومة بأكملها:
1 ـ تصاعد النقمة الداخلية وانكشاف الواقع الأمني:
يعيش الثنائي الشيعي تحت ضغط داخلي غير مسبوق، حتى في عمق بيئته الحاضنة، على وقع الانهيار الاقتصادي المتسارع، وتعثر عمليات إعادة الإعمار، واستمرار النزوح الجنوبي، والعزلة العربية والدولية المتزايدة.
الإحراج أمام القواعد الشعبية بلغ ذروته بعد الضربة الإسرائيلية الأخيرة في الضاحية الجنوبية، التي عرّت هشاشة التهديد بالرد، وأسقطت وهم قدرة “الحزب” على فرض قواعد اشتباك جديدة. إسرائيل، عبر هذه الضربة، أوصلت رسالة صريحة بأن قواعد الاشتباك تغيّرت، وأن المواجهة مفتوحة ولن يُسمح لـ”الحزب” بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
هذه الرسالة أصابت جمهور “الحزب” في الصميم، إذ كشفت حدود قدرة “المقاومة” على حماية بيئتها، مما ضاعف من منسوب الغضب الشعبي الداخلي، ووضع “الحزب” والرئيس نبيه بري أمام مأزق مزدوج: مأزق السلاح ومأزق الثقة الشعبية.
2 ـ تزايد الضغط الدولي:
على وقع التطبيع السعودي ـ الإيراني، وتبدل موازين القوى في سوريا، وتعثر المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران، عاد ملف سلاح “الحزب” إلى طليعة الأولويات الدولية. القرار 1701 والقرار 1559 عادا إلى الطاولة بقوة، واضعين “الحزب” تحت المجهر الدولي، مما يدفعه إلى الهروب إلى الأمام عبر محاولة ربط مصير السلاح بمسارات إقليمية متحركة، في وقت يتراجع فيه موقع الدولة اللبنانية إلى مجرد متفرج على مصيرها.
3 ـ الضغط الممنهج على رئيس الجمهورية:
من خلال ربط مصير السلاح بتنفيذ إسرائيل لالتزاماتها، يحاول الثنائي الشيعي تحميل الرئيس جوزيف عون مسؤولية المعركة، واضعًا إياه بين خيارين كلاهما مرّ: إما تبني خطاب داعم لبقاء السلاح وتحمل كلفة دولية باهظة، أو الظهور بمظهر العاجز أمام الشارع الداخلي، مما يضعف موقعه التفاوضي محليًا وخارجيًا.
في المقابل، يملك الرئيس جوزيف عون فرصة تاريخية لترسيخ موقعه الوطني عبر تكريس مرجعية الدولة الواحدة، بعيدًا من إزدواجية السلاح والقرار. غير أن هذه الفرصة لا تُقتنص بالخطابات والمواقف النظرية، بل بالفعل الحاسم والواضح الذي يعيد ربط القرار العسكري والأمني حصرًا بالمؤسسات الشرعية، ويترجم عمليًا استعادة الثقة الداخلية والدعم الدولي حول مشروعية الدولة.
4 ـ محاولة صناعة معادلة تفاوضية إقليمية:
عبر تهميش الدولة اللبنانية وتجويف أدوارها الدبلوماسية، يسعى “الحزب” إلى فرض معادلة جديدة تُبقي سلاحه بندًا إلزاميًا في أي تسوية إقليمية شاملة، فارضًا معادلة قوامها: “لا بحث في السلاح إلا بعد تصفية الحسابات الكبرى في الإقليم”، ساحبًا بذلك ورقة القرار الوطني من يد الدولة اللبنانية.
ثانيًا: الخلل البنيوي في خطاب الثنائي الشيعي
ما يُسوَّق له من أن سلاح “الحزب” يشكل ورقة تفاوضية لصالح لبنان، بات أقرب إلى الخداع السياسي منه إلى الواقع السيادي. فالسلاح، الذي يفترض به أن يكون امتدادًا للإرادة الوطنية، تحول فعليًا إلى أداة صريحة بيد “الحزب”، مُصادِرًا قرار الدولة، ومستتبِعًا مؤسساتها الشرعية لضرورات أجندته الخاصة.
أبعد من الداخل، خرج هذا السلاح من السياق اللبناني، ليندمج كليًا في منظومة الحسابات الإيرانية الإقليمية، حيث بات يُستخدم كورقة تفاوضية في المساومات بين طهران والعواصم الغربية، لا كورقة قوة تحمي لبنان أو تكرّس سيادته. الأخطر أن التصعيد السياسي والإعلامي الذي يعتمده الثنائي الشيعي اليوم، متصل مباشرةً بالمفاوضات الأميركية ـ الإيرانية المتعثرة، حيث يتصرف الحزب وكأن أمن لبنان واستقراره قابل للمساومة لتحسين موقع إيران التفاوضي، ولو على حساب السيادة الوطنية.
في ظل هذا الواقع، لم يعد السلاح عامل قوة داخلية، بل تحول إلى عنصر تعطيل كامل لأي محاولة جدية لبناء دولة مدنية سيادية قادرة على فرض سلطتها على كامل أراضيها. وبدل أن يكون أداة ردع في خدمة مشروع الدولة، أصبح عامل تهديد داخلي وخارجي، ومصدر قلق إقليمي دائم، ما وضع لبنان برمّته تحت مجهر الرقابة الدولية، ليس بوصفه طرفًا شرعيًا، بل كمنطقة رخوة تُهدد استقرار شرق المتوسط.
بكلمات أدق، السلاح الذي كان يُقدَّم كذخر وطني، انقلب اليوم إلى عبء وجودي على الكيان اللبناني، ومصدر إضعاف استراتيجي لوحدته الداخلية ولمكانته الخارجية.
ثالثًا: المخاطر الكبرى الناتجة عن استمرار المعادلة الحالية
استمرار المعادلة الحالية التي تفرض ازدواجية السلاح والقرار الوطني، لا يقود لبنان سوى إلى تثبيت واقع الانقسام السيادي، حيث تتراجع الدولة الشرعية إلى مجرد واجهة شكلية أمام قوة أمر واقع مسلّحة خارج أطرها. في ظل هذا التوازن المختل، يتحول لبنان من دولة سيدة إلى ورقة مساومة دائمة على طاولة الصفقات الإقليمية، فاقدًا لقراره الحر، ومجردًا من القدرة على الدفاع عن مصالحه الوطنية.
هذا الواقع الشاذ لا يعرقل فقط المسار الطبيعي لأي مشروع إصلاحي حقيقي، بل ينسف أسس إعادة بناء مؤسسات الدولة على قاعدة الشفافية والشرعية والقانون، مانعًا بذلك أي نهوض اقتصادي أو سياسي ممكن. فكيف لدولة أن تعيد إنتاج نفسها فيما قرارها الأمني والعسكري والسياسي مرتهن إلى منظومة خارج إطارها الدستوري؟
أخطر من ذلك، أن الإبقاء على السلاح خارج الشرعية الوطنية يحوّل لبنان إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الخارجية، ويحوّله من لاعب فاعل إلى ساحة مستباحة، يتنازعها الآخرون وفق مصالحهم لا وفق مصلحته الوطنية. في ظل هذه المعادلة، يصبح الاستقرار اللبناني هشًّا بطبيعته، رهينة لأي تحوّل إقليمي أو دولي، ما يهدد بانفجارات متتالية قد تعصف بما تبقى من كيان الدولة ومقوماتها.
باختصار، استمرار هذه المعادلة يعني أن لبنان يتآكل ببطء، لا فقط سياسيًا، بل وجوديًا، تحت وطأة سلاح خرج عن معادلة الدفاع الوطني وتحول إلى أداة تهديد للداخل قبل الخارج.
رابعًا: الحقيقة السيادية الغائبة
الحقيقة التي يتعمد الثنائي الشيعي تجاهلها أن الورقة الوحيدة القادرة فعلاً على حماية لبنان وتعزيز موقعه التفاوضي أمام العالم ليست البندقية الخارجة عن شرعية الدولة، بل استعادة السيادة الكاملة على القرار السياسي والعسكري.
إن وهم امتلاك ورقة قوة من خارج مؤسسات الدولة لا يصنع دولة، بل يرسّخ واقع الدويلة ويفكك أسس الكيان الوطني. فالحماية الحقيقية لا تأتي من تعدد مصادر القرار ولا من استقواء فريق على حساب الدولة، بل من بناء مرجعية واحدة تحتكم إلى الشرعية الدستورية وحدها.
لا مستقبل للبنان طالما ظل سلاحه موزع الولاء، وجيشه مقيد الاعتبار، وقراره الاستراتيجي مرتهنًا لحسابات خارجة عن مصالحه الوطنية.
ولا خلاص من هذا الأسر إلا بالعودة إلى القاعدة البديهية لأي دولة ذات سيادة: دولة واحدة، جيش واحد، وقرار واحد لا ينازع الشرعية ولا يتفوق عليها.
حين يصبح السلاح قيدًا على الدولة
في ميزان الدول، لا تُقاس القوة بكثرة البنادق الخارجة عن شرعية المؤسسات، بل بقدرة الدولة على امتلاك قرارها الحر وإدارة مسار الحرب والسلام من موقع السيادة الكاملة. سلاح “الحزب”، الذي يُروّج له كأنه قوة استراتيجية، تحول عمليًا إلى قيد ثقيل يكبّل مشروع بناء الدولة، ويحول دون إعادة تأسيس عقد وطني جامع تحت مظلة القانون والشرعية.
لقد آن الأوان لفهم المعادلة الحقيقية: لا أمن ولا استقرار، ولا مكان للبنان بين الدول، إلا بإعادة توحيد القرار الوطني تحت سلطة واحدة لا شريك لها ولا منافس. هذا هو الشرط الوجودي الأخير لإنقاذ الكيان اللبناني من السقوط الحر. سقوط الكيان اللبناني بسبب السلاح الميليشياوي لن يُنقذ “الحزب” بل سيغرق الجميع، وبالتالي خيار استعادة الدولة لم يعد ترفًا بل شرط وجود للجميع بمن فيهم بيئة “الحزب”.