
لا يمكن أن يمرّ شهر نيسان من دون أن تعبر الحرب اللبنانيّة في ذاكرة اللبنانيّين. وما بين المرور والعبور بَوْنٌ كبير، لا يدركُه إلّا صاحب الفكر السياسي. وأيّ حركة مقاومة أو ثورة تبقى غير مكتملة إذا لم يتمّ تطعيمها بالفكر السياسي. هذا الفكر هو الذي يؤمّن لها الاستمرار وبالتّالي الوصول إلى أهدافها المنشودة. فهل نجحت “القوّات اللبنانيّة” في تبديل المفاهيم والاستراتيجيّات عبر تاريخها النّضالي الحديث منذ العام 1975 وحتّى اليوم؟ أم أنّ هذا العقل الذي فُطِرَ على العمل المقاوِم بقي في خنادق المقاومة كحركة فرضها الواقع والتّاريخ؟
13 نيسان 1975، تاريخ مطبوع في الذاكرة الجماعيّة للبنانيّين كلّهم، على تنوّعهم. لكنّ هذا التنوّع الكياني انعكس في مقاربة هذا التّاريخ بحدّ ذاته. فمنهم من يرى فيه عملًا مقدّسًا وواجبًّا وطنيًّا، ومنهم من يصوّره بحالة نفور وطنيّ، ولم يؤمن يومًا بضرورته في تلك المرحلة من الأساس. وفريق آخر استغلّ هذا التّاريخ وتداعياته لينقضّ على الدولة والوطن الذي رآه غنيمة حصل عليها في عمليّة غزوه لهذه الدولة في هذا الوطن.
وهذا التفكير أدّى إلى ما وصلنا إليه اليوم من حالة اهتراء مؤسّساتيٍّ سببه الرّئيسي هو ذلك الاهتراء الفكري والقصور المنطقي في بناء عقل سياسيٍّ قادر أن ينتقد ويحلّل ويصوّب البوصلة متى أخطأ بحّارة العمل السياسي في هذا الوطن. فما بين السياسة والسياسي فارق كبير جدًّا.
في الفلسفة السياسية، هناك تمييز مهم بين Le politique وLa politique، وهما مفهومان يعبّران عن جانبين مختلفين من السياسة:
فمصطلح Le politique أي “السياسي” يشير إلى البعد الماهوي أو الوجودي للسياسة، أي البنية الأساسية التي تجعل المجتمع ممكنًا. وهذا ما يتعلق بالأسس التي يقوم عليها النظام السياسي، مثل الدولة، السيادة، الشرعية، والنظام العام. ويهتم بالأسئلة الفلسفية العميقة حول طبيعة السلطة، النظام، والصراع السياسي كالبحث عن طبيعة الدولة أو مفهوم السيادة كما أشار إلى ذلك الفيلسوف والسياسي والقانوني الألماني كارل شميت الذي يُعدّ من أبرز المفكرين في القانون الدستوري والسياسة في القرن العشرين. وقد اشتهر بتحليلاته حول السيادة، ومفهوم العدو والصديق، وحالة الاستثناء.
ومن أبرز ما قاله: “السيادي هو مَن يقرّر في حالة الاستثناء”. وهكذا كان المقاوم القوّاتي الذي قرّر في لحظة الاستثناء، واستعاد الدّولة في مرحلة الحرب من الفلسطيني والسوري، ويوم نجحت منظّمة “الحزب” ببناء دويلة لها في قلب الدّولة العميقة، استكمل حزب “القوّات اللبنانيّة” عمله سياسيًّا ليأخذ القرار في لحظة الاستثناء هذه ويسترجع الدّولة “الغنيمة” من الدويلة “الغنمة” التابعة لسلطات وصاية منظمة التحرير حينًا أو للاحتلال السوري حينًا آخر أو للجمهوريّة الاسلاميّة في إيران أحيانًا.
من أبرز ما رآه شميت في فكره السياسي هو التمييز بين العدوّ والصديق. فالسياسة النّاجحة هي تلك التي تعرف التمييز بين هاتين الحالتين وفي مختلف الظروف والمواضع لأنّ جوهر السياسة ليس الاقتصاد أو الأخلاق، بل القدرة على التمييز بين الصديق والعدو. كما أنّها بحسب شميت ليست مجرد إدارة للشأن العام، بل ساحة للصراع الوجودي بين جماعات متعارضة.
وبالطبع نعارض تلك الأفكار التي أطلقها شميت دعمًا للفكر النّازي والتي تبنّتها تلك الأحزاب القومية والشموليّة في لبنان قبل الحرب وبعدها، من مثل انتقاد هؤلاء الديمقراطية الليبرالية، حيث اعتبروا أنّ البرلمانية نظام ضعيف لأنه قائم على النقاشات والتسويات بدلًا من اتخاذ قرارات حاسمة.
لذلك ما فتئ دعاة هذا الفكر إلى الدّعوة للتحرّر من الطائفيّة السياسيّة؛ أي بمعنى آخر سلخ الهويّة الحضاريّة عن المكوّنات اللبنانيّة الطبيعيّة. وتغليب العدديّة على التعدّديّة. وتحت ذريعة الانصهار الوطني، تحويل الهويّة الكيانيّة إلى ما لا يشبه واقعها الهويّاتي الحضاري الكياني، لتصبح ذات هويّة هجينة قوامها الفكر الشمولي والاجتماعي والاقتصادي الموجّه تحت ذرائع القوميّة والاشتراكيّة والماركسيّة والبعثيّة والعروبة الكاذبة. وتحت ذريعة أفظع وهي أنّ الديمقراطيّة يجب أن تعكس إرادة الشعب الموحّدة، وليس المساومات بين الأحزاب والمصالح المختلفة. وهذا ما لا يشبه الواقع المجتمعي التعدّدي الذي لا يعني طبعًا المساومات والمحاصصات بين الأحزاب والقوى السياسيّة، بل التنافس الشريف على قاعدة المشاريع الوطنيّة لتقديم ما هو أفضل للخير العام. شميت يبقى مفكرًا أساسيًّا لمن يريد فهم العلاقة بين القانون والسلطة والسياسة في عالم متغيّر.
أمّا مصطلح La politique أي “السياسة”، فيعني تلك الممارسة السياسية اليومية، مثل الانتخابات، الأحزاب، الحملات الانتخابية، والدبلوماسية. وهي تتعلّق بالقرارات والإجراءات التي تتخذها الحكومات أو الفاعلون السياسيون لتحقيق أهداف معينة. وتشمل اللعبة السياسية، والتنافس الحزبي، واستراتيجيات الحكم بما فيها النقاشات البرلمانية، والانتخابات الرئاسية، والسياسات العامة للحكومة.
هذا التمييز مأخوذ بشكل كبير من الفلسفة السياسية الفرنسية، لا سيما أعمال الفيلسوف مارسيل غوشيه وغيره ممّن حاولوا التفريق بين الأساس النظري والسياسي للمجتمع وبين الديناميكيّات السياسيّة اليوميّة.
Le politique هو البنية التحتية (ما يجعل السياسة ممكنة). La politique هي الممارسة الفعلية (السياسات والإجراءات والتفاعلات اليومية).
من هذا المنطلق، إنّ استمرار فكر “القوات اللبنانيّة” وتحوّله من عمل مقاوماتيّ عسكريّ إلى فكر سياسيّ هو الذي ساهم في إيصال القوّات حيثما هي اليوم. وما نجاح حزبنا أو غيره من الأحزاب إلّا في نجاحه ببناء منظومة فكر سياسيّ قائمة على الفصل بين السياسة والسياسي على قدر ما ينجح هذا الحزب أو ذاك بتوأمة العمل بين هاتين النّظريّتين.
فنجاح القوّات بتبنّي مشروع الدولة والدفاع عن وجودها سياسيًّا في وقت السلم كما دافعت في وقت الحرب هو ما جعل من مجتمع القوّات بالدرجة الأولى مجتمعًا لبنانيًّا كِيانيًّا حيًّا. وهذا ما نجحت القوّات عبر فكرها السياسي بنقله إلى سائر المكوّنات الحضاريّة اللبنانيّة حتى بات معظمها اليوم يقول: “لبنان أوّلًا”.
والبحث اليوم انطلق إلى عمليّة استرجاع السيادة وإبطال مفهوم التشارك السيادي الذي نجح ذلك الفكر القومجي العروبجي الكاذب بتزكيته على مفهوم وجوديّة الدّولة. والمرحلة المقبلة ستكون حتمًا في قيادة “القوّات اللبنانيّة” عمليّة تفكّريّة سياسيّة حول الاهتمام بتلك الطروحات الفلسفيّة السياسيّة العميقة حول طبيعة السلطة، وشكل النظام الجديد، وتنظيم الصراع السياسي من خلال البحث عن طبيعة الدولة وتثبيت مفهوم السيادة من الآن إلى أبد الآبدين.
هكذا نجح حزب “القوّات اللبنانيّة” في ذلك العشاء الفصحيّ الأخير في 21 نيسان 1994 عندما ذهب إلى صلب مقاومته العسكريّة بإرادته إيمانًا بقائده سمير جعجع آنذاك أنّ القيامة بالعبور إلى السياسة من بوابتي السياسي والسياسة لا بدّ آتية. وقد أتت ونجحنا بالعبور ولم نمرّ فقط في هذه الحرب بل عبرنا. وشتّانَ ما بين المرور والعبور. نحن أبناء الرّجاء قد عبرنا. فهل يتّعظ اليوم دُعاة المرور في التّاريخ من فعل العبور لنحقّق معًا القيامة الوطنيّة المرجوّة؟
كتب د. ميشال الشمّاعي في “المسيرة” ـ العدد 1764
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
