Site icon Lebanese Forces Official Website

“القوات” قوة أولى على الساحة المسيحية.. الرقم الصعب

الانتخابات البلدية ـ سمير جعجع

انتقل لبنان مع السلطة الجديدة من عصر التمديد والتجديد والترحيل والشغور، إلى عصر الالتزام بدورية الانتخابات، ولن يعود المواطن بعد اليوم في حيرة من أمره عشية كل استحقاق انتخابي، فلا يعرف ما إذا كان سيُؤجّل أم سيُجرى في موعده، ما يجعله يخوض الاستحقاقات من دون التحضير المطلوب، وبالتالي يسجّل للسلطة الجديدة إجراء الانتخابات البلدية والاختيارية في موعدها بعيدًا من الحجج التي تُستخدم للتمديد، كما يسجّل لها إدارتها النزيهة ووقوفها على الحياد، ووضعها أولوية إتمامها على أفضل وجه ممكن.

لا يقتصر العصر الجديد على الالتزام بمواعيد الاستحقاقات، إنما الالتزام بالدستور وبسط سيادة الدولة والشروع في الإصلاحات المالية، أي انتقال لبنان من عصر الدويلة إلى عصر الدولة، وهذا يعني أن التحدّي الوجودي المزدوج للدولة والجماعات لم يعد موجودًا، وهذا ليس تفصيلاً لأنه منذ العام 1975 كان التركيز الممانع على تعطيل الدولة وإخضاع الجماعات بهدف إبقاء لبنان ساحة إقليمية ومنصة متقدمة للممانعة.

مع انتهاء “حرب الإسناد” بتوقيع اتفاقية وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني، ومع سقوط نظام الأسد، ومع انتخاب سلطة جديدة، انتقل لبنان من التحدّي الوجودي، إلى التحدي التحصيني لمشروع الدولة، وطوت الجماعة المسيحية أخطر انقسام عرفته في تاريخها الحديث مع تبنّي أكثرية داخلها خيارات انقلابية على خطها التاريخي من خلال التحالف مع قوى وأنظمة ممانعة لا تؤمن بدول وحدود ودساتير وقوانين واستقرار، وكان يكفي أن يسقط الخطر الوجودي على الدولة ليسقط الخطر الوجودي على المسيحيين بسبب الارتباط العضوي بينهم وبين الدولة.

فالصراعات المسيحية كانت موجودة دائمًا، والبيئة المسيحية مشهود لها بتعدديتها، ولكن لم يسبق أن تشكلّت أكثرية في تاريخهم تتبنّى خيارات ليس فقط تتناقض مع مبادئهم وثوابتهم ومسلّماتهم، إنما تشكل خطرًا على وجودهم، لأن ما يستهدف الدولة يستهدفهم، وساهم الفريق المسيحي الذي تحالف مع “الحزب” بضرب الدولة والوجود المسيحي في آن معًا، والخطورة أنه نقل الشعبية التي راكمها في مواجهة المشروع الممانع إلى حضن هذه الممانعة.

وصحيح أن الخطر الوجودي على المسيحيين والدولة قد زال، وصحيح أن الخط المسيحي التاريخي قد انتصر، وصحيح أن التنافس المسيحي لم يعد بين خطّين، إنما أصبح تحت سقف الخط المسيحي التاريخي المتمثِّل بالدولة والحياد والهدنة، ولكن هل يجوز طي صفحة من أساء إلى تاريخ المسيحيين وحاضرهم ومستقبلهم وصورتهم ونضالهم وتضحياتهم والتعامل معه وكأن شيئا لم يكن؟

لا شك في أن الناس حاسبوا ويحاسبون، وتكفي مراجعة الانحدار المتواصل في شعبية هذا الفريق منذ العام 2006 إلى اليوم، كما تكفي مراجعة الصعود المتواصل في شعبية “القوات اللبنانية” منذ العام 2005 إلى اليوم بسبب ثباتها وسلوكها ووضوحها، وبالتالي تكفي هذه المراجعة للدلالة على أن الرأي العام عاقب ويعاقب، وأنصف ويُنصف.

إن الاختلاف حول مشاريع إنمائية وترشيحات وأحجام وتمثيل هو حق لكل فريق سياسي، ولكن الاختلاف حول بديهيات من قبيل احتكار الدولة للسلاح وإمساكها بسياسات لبنان الدفاعية والخارجية والمالية هو مرفوض ولا يفترض أن يمر مرور الكرام، لأنه لولا التموضع المسيحي الانقلابي على خط المسيحيين لما نجح الفريق الممانع بالتمدد والتوسُّع.

لقد أثبتت الانتخابات النيابية الأخيرة في العام 2022، كما أكدت الانتخابات البلدية والاختيارية على ثلاث حقائق أساسية:

الحقيقة الأولى أن “القوات اللبنانية” تمثِّل الأكثرية المسيحية من دون منازع بناء على أرقام وأصوات تفضيلية ونتائج، وتتربّع في الصدارة ومن بعيد مع من يأتي خلفها.

الحقيقة الثانية أن “القوات” أصبحت المرتكز لأي تحالف وأي مواجهة، فهناك من هو معها ومن هو ضدها، وهناك من ينافسها في هذه المنطقة أو تلك، فيما “القوات” موجودة في المناطق كلها.

الحقيقة الثالثة أن المزاج المسيحي العام أصبح مؤيدًا لسياسة “القوات” بعد أن لمس استقامتها وثباتها ونزاهتها، وهذا التأييد تظهّر مع انتخابات 2022، أي قبل أن ينتصر خطها في لبنان والمنطقة، وبالتالي “القوات” التي راهنت على احتكار الدولة وحدها للسلاح انتصرت، ومن راهن على السلاح غير الشرعي هُزم، ومن هُزم وطنيًا يدفع ثمن سقوط دويلته، ومن هُزم مسيحيًا يدفع ثمن التآكل في شعبيته، والأخير التحق بمشروع الدويلة بعمقه الإقليمي لاعتبارات سلطوية وفقا لقاعدة: أجني السلطة على حساب البلد والجماعة.

وقد رسخّت الانتخابات البلدية ما حققته الانتخابات النيابية لجهة احتفاظ “القوات” بصدارتها من جهة، وتقدمها المستمر من جهة أخرى، ولكن زوال الخطر الوجودي المزدوج على المسيحيين والدولة لا يعني عدم محاسبة من خرج عن الخط التاريخي للمسيحيين، لأنه شكل الغطاء المسيحي لضرب الدولة والمسيحيين، وهذا ما يجب أن يشكّل مادة إدانة دائمة بعيدًا من منطق “عفا الله عما مضى”، لأن عدم تكرار “ما مضى” يتطلّب الوعي السياسي لعدم الإنجرار وراء من يبيعهم الأوهام مقابل “ثلاثين من فضة”.

ومع طي صفحة الانتخابات البلدية والاختيارية تفتح صفحة الانتخابات النيابية، وهي أول انتخابات، على غرار البلديات، تجرى بعد “حرب الإسناد”، أي في المرحلة التي خرج فيها لبنان من سيطرة الدويلة إلى حضن الدولة، والتي يُعاد فيها تحصين مشروع الدولة في لبنان، والمنافسة أو المواجهة يجب أن تكون مع كل من ركب قطار الدويلة، ومع كل من عطّل قطار الدولة، لأن البناء الجديد يجب أن يرتكز على القوى الصلبة والمبدئية المؤمنة بالمشروع اللبناني، وليس مع القوى التي على استعداد للانقلاب على هذا المشروع مقابل سلطة ونفوذ، وبالتالي المطلوب أخذ العبر من أجل مستقبل أفضل وتجنّبًا لإحياء الماضي بفصول جديدة.

 

شارل جبور ـ رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية”

 

كتب شارل جبور في “المسيرة” ـ العدد 1765


إقرأ أيضًا

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com​​​​​​​​​​​​​​

Exit mobile version