
أظهرت نتائج الانتخابات البلدية والاختيارية الأخيرة تغيّرًا لافتًا في المزاج الشعبي، تجسّد من خلال التقدّم الكبير الذي أحرزه حزب “القوات اللبنانية“، حيث نجح في حصد العدد الأكبر من المجالس البلدية مقارنةً بانتخابات العام 2016. هذا التقدّم لم يكن صدفة، بل نتيجة مسار طويل من المواجهة السياسية خاضتها القوات في وجه تحالفات الأمر الواقع ومشاريع الهيمنة الإقليمية.
على الرغم ممّا مرّ به لبنان من أزمات اقتصادية ومالية وانهيارات متتالية، استطاعت القوات أن تثبت نفسها قوة تغييرية قادرة على استقطاب اللبنانيين، خصوصًا المسيحيين، الذين باتوا يرون فيها رأس الحربة في مواجهة مشروع محور الممانعة، وتحديدًا “الحزب” وحلفائه. هذا الواقع بدا جليًا في النتائج المحققة، والتي شكّلت ما يشبه “تسونامي انتخابي” في بعض المناطق، خصوصًا في زحلة، حيث خاضت القوات معركة غير متكافئة أمام تحالف واسع ضمّ خصومًا وحلفاء اجتمعوا على هدف واحد: كسر نفوذ القوات في زحلة.
وعلى الرغم من هذا الحصار السياسي، جاءت نتائج زحلة لتُفاجئ الجميع، حيث منحت إرادة الزحالنة “القوات اللبنانية” ما يقارب 14 ألف صوت، في مقابل 8 آلاف لتحالف خصومها، وهو ما اعتُبر انتصارًا سياسيًا وشعبيًا يؤشر إلى تبدّل واضح في التوازنات المحلية، وإلى تصاعد الثقة الشعبية بمشروع القوات وقدرتها على تمثيل تطلعات الناس.
وفي جبل لبنان والشمال، جاءت النتائج أكثر من مدوية، إذ نجحت القوات في اختراق معاقل تاريخية للتيار الوطني الحر، والحزب القومي، وتيار المردة، حاصدةً المجالس البلدية في مناطق كانت تُعدّ من المحرّمات السياسية. هذا التحوّل كشف حجم التراجع في شعبية تلك القوى التقليدية، وأكد في المقابل تنامي حضور القوات كقوة رئيسية في الساحة المسيحية والوطنية، تسعى إلى تغيير فعلي، بعيدًا عن الخطابات الشعبوية والتسويات التي كرّست منطق المحاصصة والسلاح غير الشرعي.
الإصرار المستمر من قبل بعض الجهات على تهميش القوات، لم يعد مقنعًا للرأي العام. فحزب القوات الذي نجا من محاولات العزل والتضييق، برز اليوم كضمير حيّ ووجدان كل لبناني حرّ، يرفض الخضوع لمنطق السلاح والهيمنة. هذا التماهي الشعبي مع خيارات القوات يعود إلى إيمان الناس بمشروع بناء الدولة القوية، دولة القانون والمؤسسات، التي غابت لعقود بسبب هيمنة “الحزب” على مفاصل القرار، بدعم مباشر من نظام بشار الأسد وحلفائه المحليين.
لكن المشهد تغيّر. فمع سقوط النظام السوري القديم ودخول سوريا في مرحلة جديدة، بات لبنان يتنفس شيئًا من الحرية، خصوصًا مع تراجع التدخلات الخارجية في شؤونه الداخلية. وعلى الرغم من هذا التحوّل، لا تزال بعض القوى المحلية تتمسّك بالنهج ذاته، محاولةً جرّ البلاد مجددًا إلى مربّع التبعية والتسلّط.
غير أن إرادة اللبنانيين بدت واضحة هذه المرة، حيث اختاروا صناديق الاقتراع كمنصة للتعبير عن رفضهم لهذا النهج، ودعمهم للمشروع الإنمائي والسياسي الذي تمثّله القوات، وهو المشروع الذي لطالما دعت إليه منذ أكثر عقود، وها هو اليوم يُترجم فعليًا على أرض الواقع.
ويبدو أن هذا الزخم الشعبي الذي رافق الانتخابات البلدية لن يتوقّف هنا، بل قد يكون مقدمة لانقلاب انتخابي مرتقب في الاستحقاق النيابي المقبل، حيث تسعى القوات إلى تشكيل كتلة نيابية وازنة تكون قادرة على فرض قوانين إصلاحية جذرية، تساعد على إخراج البلاد من أزماتها وتعيد بناء الثقة بالدولة ومؤسساتها.
في النتيجة، أثبتت الانتخابات البلدية أن اللبنانيين، على الرغم من كل ما واجهوه، لا يزالون يؤمنون بإمكانية التغيير، وأن المشروع السياسي المبني على الشفافية والمحاسبة، لا على التسويات والمحسوبيات، لا بدّ أن ينتصر. وكما كانت الكلمة لصناديق الاقتراع في البلديات، فإن المقبل قد يحمل مفاجآت كبرى في مسار إعادة رسم المشهد السياسي اللبناني.