
تتبلور بهدوء في الكواليس الدولية واحدة من أخطر التحولات في معادلة الجنوب اللبناني منذ نهاية حرب تموز من العام 2006. لم تعد المسألة مجرّد نقاش روتيني في مجلس الأمن حول تجديد تفويض قوات اليونيفيل، بل تحوّلت إلى بداية مرحلة تصفية للترتيبات الرمادية التي حكمت الحدود لعقدين.
الولايات المتحدة تتراجع عن الاهتمام بتجديد التفويض، مع العلم أنها الممول الأكبر للقوة الدولية العاملة في الجنوب، وإسرائيل ترى أن هذه القوات فقدت أي جدوى استراتيجية. هذا التوازي في الموقف ليس عابرًا، بل يعكس توافقًا ضمنيًا على إغلاق صفحة “الاحتواء المؤقت”، والانتقال إلى مقاربة أكثر مباشرة: تحييد “الحزب” وتفكيك البنية الحدودية التي تحميه.
اليونيفيل، رغم قصورها الميداني، شكّلت طوال السنوات الماضية “عازلًا رمزيًا” منع الانفجار من دون أن يوقف الخروقات. وجودها لم يمنع التسلّح، لكنه أخّر المواجهة. أما الآن، فثمة قناعة دولية متنامية أن هذا التأجيل لم يعد ممكنًا، وأنّ إبقاء “الحزب” بوضعه الحالي على حدود إسرائيل بات خطرًا لا يمكن استيعابه.
هذا التحوّل لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تتسارع خطوات تصفية فائض النفوذ الإيراني من دمشق إلى صنعاء. وكلاء طهران يُعاد حصرهم سياسيًا وأمنيًا، و”الحزب” ليس استثناءً، بل ربما الهدف الأوضح في المرحلة المقبلة، باعتباره الذراع الأكثر تطورًا والأقرب إلى الخاصرة الإسرائيلية.
في هذا الإطار، كان “الحزب” الله يراهن على إبقاء قواعد الاشتباك كما هي: يونيفيل ضعيفة، مقيدة، تتحرك بإذن غير معلن من “الأهالي” الذين أُطلق يدهم لمحاصرة عملها، ومنعها من تنفيذ مهماتها وفق القرار 1701. لكن المشهد بدأ ينهار تدريجيًا مع تصاعد التوترات الميدانية، وتحديدًا بعد التطور الخطير في بلدة قانون النهر، حين وُثّق بالصوت والصورة صفعة لجندي فنلندي من قوات اليونيفيل. هذا الحادث أسقط القناع عن السردية “الشعبية”، وأحرج “الحزب” أمام المجتمع الدولي، كاشفًا دوره غير المباشر في تقويض عمل البعثة الدولية.
النتيجة كانت عكس ما أراده “الحزب”: فاقمت الاعتداءات المتكررة صدقية السردية التي تسعى إسرائيل إلى تسويقها دوليًا، بأن اليونيفيل باتت عاجزة أو متواطئة، وأعطت لنفسها شرعية المطالبة بعدم التمديد أو تعديل المهام. وفي الوقت نفسه، بدأ المجتمع الدولي – وخصوصًا الدول المساهمة في القوة – بالمطالبة بتفعيل القرار 1701 كما هو، ومنح القوة حرية تحرك كاملة من دون إذن مسبق، وهو ما يصطدم مباشرة بأجندة “الحزب” الدفاعية جنوبًا، ويهدد بالكشف عن بنى عسكرية أُعيد ترميمها بهدوء.
وفيما يحرص “الحزب” على تثبيت معادلة “الستاتيكو” الحدودي، يُدرك أن انسحاب اليونيفيل – إن حصل – لن يكون بوابة لإطلاق اليد، بل بداية مرحلة منسّقة لتجريده من الامتيازات التي وفّرتها له سنوات “اللا ـ قرار الدولي”. فهو يفضّل بقاءها كما هي: قوة رمزية، ضعيفة الحركة، تُستخدم كغطاء دولي ووسيط تواصل غير مباشر، وتمنح الجنوب “شرعية استقرار” أمام الخارج، ما يحميه مؤقتًا من ضربة إسرائيلية شاملة.
وفي المقابل، تغيب الدولة اللبنانية عن المشهد. السلطة تكتفي ببيانات إنشائية تعيد تدوير المواقف، فيما تستمر بالمراهنة على تسويات لغوية تحفظ ماء الوجه، بدل سياسات فعلية تحمي الأرض والسيادة. أما المؤسسة العسكرية، فبين خطاب مرتفع النبرة وواقع ميداني هش، لا تملك خطة تحصين واضحة، ولا تصورًا عمليًا لكيفية فرض سيطرتها الكاملة أو ملء الفراغ الأمني الذي قد يخلفه انسحاب اليونيفيل.
غياب القرار السياسي وافتقاد الغطاء، جعلا الجيش اللبناني عاجزًا عن التحرك الفعلي. وهذا ما دفع عددًا من العواصم إلى مراجعة دعمها للدولة، معتبرة أن مؤسساتها باتت غير كفوءة وغير قادرة على اتخاذ قرار سيادي. وقد يكون هذا الانطباع جزءًا من خطة محسوبة: لوضع الدولة والجيش أمام مفترق حاسم – إما الإمساك بزمام الأمن فعليًا، أو التسليم بالفوضى والمجهول.
هذا العجز في القدرات والتردد في القرار لا يطرح فقط تساؤلات حول جاهزية الجيش، بل يثير شكوكًا في نوايا من يطرحه بديلًا لليونيفيل في هذا التوقيت بالذات. فهل المقصود دعم المؤسسة، أم توريطها في مواجهة غير متكافئة تُفضي إلى تآكلها من الداخل؟
وفي هذا السياق، يبدو طرح الجيش كبديل لليونيفيل أقرب إلى فخ إسرائيلي لدفعه إلى السيطرة الفعلية على الأرض بوجه “الحزب”. المؤسسة لا تمتلك لا العدة ولا القرار، فيما تواصل إسرائيل فرض وقائع ميدانية بخطى مدروسة، تبدأ بضربات محدودة وتنتهي بتطويق فعلي لأي قدرة عسكرية لـ”الحزب”، وسط غياب كامل للدولة عن المبادرة أو حتى الاحتواء.
ولم تعد إسرائيل تكتفي بمنطق “الردع المتبادل”، بل انتقلت إلى استراتيجية تفكيك تدريجي: استنزاف، عزل، ضربات نوعية، وتحريك أدوات الضغط الدولي لإسقاط غطاءات “الحزب” السياسية والعسكرية على مراحل. ومع تآكل الغطاء الأممي، تتسع مساحة المناورة أمام هذه الاستراتيجية. فالضغط لم يعد محصورًا بـ”الحزب”، بل يتمدّد نحو البيئة الحامية له داخل الدولة، بما فيها المؤسسات التي تموضعت طويلًا في مناطق رمادية، أوحت بالسيادة من دون أن تمارسها فعليًا.
السؤال اليوم لم يعد: من يملأ الفراغ؟ بل: من قرر تفريغ الجنوب؟ ولماذا الآن؟
الإجابة: ما يجري ليس انسحابًا أمميًا من الجنوب، بل انسحابًا تدريجيًا من معادلة لبنان القديمة برمّتها: التوازن الهش، الشرعيات المزدوجة، والسلطة المنقوصة.
وما يضاعف خطورة هذا التصدّع، أنه قد لا يقتصر على الحدود البرية، بل قد ينسحب على التفاهمات البحرية والاقتصادية التي أُنجزت بشق الأنفس. فالتفاوض تحت ضغط أمني، يفقد مضمونه السيادي، ويُخضع الثروات القادمة لمنطق السلاح، لا منطق الدولة.
الجنوب لم يُسلّم، لكنه أيضًا لم يُحمَ. بل هو في طور إعادة الهيكلة على إيقاع توازنات خارجية تُصاغ بعيدًا عن بيروت. والقيادة السياسية والعسكرية، التي تكتفي بالتحذير من الانهيار من دون تقديم بدائل، قد تجد نفسها قريبًا في قلبه… ولكن من دون قرار ولا قدرة على التفاوض.
وإذا بقيت الدولة في موقع المتفرّج، والجيش في موقع المعلّق، والحكومة في موقع المراقب الصامت، فإن الجنوب لن ينجو من الانزلاق إلى مواجهة، وقد يفقد معها لبنان ما تبقى من أدوات التأثير. وعندها، لن يُسأل عن موقفه… بل عن صمته.
