
.jpg)
تتمحور المواطنيّة حول الانتماء الوطني ومسار الدّولة القوميّة، حيث ترجع أصول الدّول القوميّة إلى النموذج الرّوماني إذ تبلور حينها مفهوم المواطنيّة من ضمن إطار ناظم مختلف عمّا شهدته حضارة المدائن الرّومانيّة وقتذاك. ولمّا تماهت المواطنيّة المرتبطة بالانتماء الوطني والدّولة الوطنيّة، برز مفهومًا المواطنية والمواطَنَة. وهذا ما فرض أبعادًا ثلاثة على الشخص البشري، تبدأ بالبعد المدني المرتبط بالقوانين والأعراف والدّساتير التي تصون الإنسان في هذه الدّول؛ والثاني هو البعد السياسي الذي يحفّز الإنسان على التحوّل من الوجود البيولوجي الرقمي غير الفاعل إلى الحضور الإنساني الفاعل ليصبح شريكًا في السلطة؛ أمّا البعد الثالث فهو البعد الإنساني الذي يرتبط بمتطلّبات العيش معًا.
لعلّ الإشكاليّة الحضاريّة – الكيانيّة التي فرضَت نفسها على الواقع المجتمعي اللبناني تنبثق من سوء فهم هذه الأبعاد الثلاثة ومن ضبابيّة الرّؤية المواطَنِيَّة التي لم تنضج في العقل الوطني اللبناني. وهذا ما جعل من مجتمعنا مجتمعًا هشًّا. لم يرتقِ إلى مستويات المواطنيّة العليا بل اكتفى بمواطَنَة سطحيّة اقتصرَت على الحاجات الشخصيّة، وكلّلت الفردانيّة على حساب الوطنيّ، والشخصيّة على حساب المجتمعيّة.
استطاع المجتمع اللّبناني الذي احترَق أكثر من مرّة في أتانين التّجارب الوطنيّة أن يفرز عقليّة سامية لم تعتمد على ردّات الفعل الإنسانيّة التي تطفو على واجهة الأزمات ومن ثمّ تغرق في لججها. وهذا ما تجلّى بشكل أكثر من واضح في صلب أزمة النّزوح اللبناني التي نجمت عن الحرب التي فرضها محور الممانعة عبر ذراعه العسكريّة في لبنان، أي “الحزب”، على المجتمع اللبناني بأكمله.
والتداعيات التي نجمت عن هذه الأزمة وضعت اللبنانيّين أمام واجبهم الإنساني الذي لا خلاف عليه. هذا الواجب الذي لا يعتبر آنيًّا أو سطحيًّا بل إنّه واجب متأصّل في الجينات اللبنانيّة لأنّ اللبنانيّين عبر تاريخهم الوجودي في هذه الجبال والوديان، تميّزوا بلهفتهم لخدمة الإنسان الذي يعيشون معه، شرط أن يحفظ كرامتهم، ولا يعتدي على حرّيّة وجودههم
وهذا ما جعل بعض اللبنانيّين المأسورين بمواقفهم السياسيّة من الباب المبدئي عاجزين عن اتّخاذ الموقف الإنساني المناسب في هذه المعضلة. فمساواة النّزعة الإنسانيّة والواجب الإنساني مع الموقف السياسي هي بحدّ ذاتها معضلة إنسانيّة. متى استطاع الإنسان فصل هذه النّزعة انطلاقًا من الأبعاد الثلاثة: المدني والسياسي والإنساني يستطيع عندها أن يحرّر موقفه الإنساني من الالتزام السياسي والاتزان المدني.
فبعض من اللبنانيّين لم يستطع مساواة نزعته الإنساني والواجب الإنساني بموقفه السياسي تجاه المكوّن الشيعي الذي فرض “الحزب” خياراته السياسيّة عليه. ومَن مِنَ اللبنانيّين نجح بفصل السياسي عن الإنساني في إطار وطنيّ -مواطَنيّ وُوْجه بمواقف معارضة لمواقفه. فطفت على الواجهة إشكاليّة مواطنيّة جديدة، لم تطفُ في الماضي القريب عندما واجه المكوّن المسيحي ما يواجهه اليوم المكوّن الشيعي ذلك لأنّ المسيحي لجأ إلى مجتمعه نفسه عندما سلخ المسيحيّون ممّا اصطلح على تسميته بقرى الأطراف. فتكتّل المسيحيّون في المنطقة الحرّة وقتذاك وجعلوا منها قبلة أنظار العالم كلّه.
كيفما تعامِل تعامَل
ولأنّ هذا المكوّن الحضاري لم يرتضِ لنفسه هذا الشعور بالانسلاخ الوطني عن جذوره الجغرافيّة، لم يرضَ بدوره ما حدث مع المكوّن الحضاري الشيعي. فقام باحتضان الذين لجأوا إلى أديرته وكنائسه ومدارسه، وعاملهم أفضل معاملة. حتّى الموقف السياسي من هذه القضيّة الإنسانيّة صمت لأنّ في صمته حكمة لم يفهمها كثيرون. لكنّ هذا الصمت هو الذي أعاد اللحمة الوطنيّة من البوّابة الإنسانيّة.
فسار اللبنانيّون متخطّين بذلك العواقب السياسيّة كلّها انطلاقًا من الشعور بالمواطنة الحقّة التي نجح هذا المكوّن بإعادة بنائها انطلاقًا من البوّابة الإنسانيّة. فارتقت المواطنة من إطارها الديني الانتمائي العقائدي إلى الإطار المدني – الإنساني المجتمعي مع نجاحها بتجميد الإطار السياسي الذي شكّلته حكمة الصّمت، ليصبح ذلك بحدّ ذاته إطار فلسفة لهذه المرحلة الوطنيّة بامتياز.
نجح المكوّن المسيحي مجتمعيًّا وسياسيًّا بتأطير فلسفة وطنيّة بدأت من حكمة الصمت حتّى وصلت إلى حكمة الاحتضان. ومخطئ مَن يظنّ أنّ ما حصل هو وليد لحظة اندفاعة وطنيّة كتلك التي تلقّفها اللبنانيّون في ثوراتهم الأخيرة. إنّما ذلك نجم عن قناعة مفادها أنّ المؤتلِف أكبر بكثير من المختلِف. وهذا ما بات متجسّدًا بضرورة البحث عن المشترَكَات الوطنيّة في زمن الخلافات الكيانيّة؛ حتّى نستطيع الوصول إلى الوطن الذي يليق بتضحيات شهداء المقاومة اللبنانيّة، وإلى وطن يكون على قدر طموحات وأحلام أبنائنا وأحفادنا الذين نريدهم فيه أعمدة لوجوده وليس مشاريع هجرة منه.
زمن المراجعات الذاتيّة
هذا ما ترجم بحالة قبول حذر بالهويّة الوطنيّة المشترَكَة؛ لكنّ بعض صغار النّفوس لا يستطيع القبول بما شاب على رفضه. لذلك، سيعمد هؤلاء إلى تأطير ثقافة وطنيّة جديدة قوامها الانتصار من الانكسار في إطار جهاز مفاهيمي تنظيري خاص، معطوفًا على البعد الألوهيّ. ولعلّ الواقع المزري الذي بات فيه هذا المجتمع بالذات وحده الكفيل بدحض هذه النّظريّات الدونكيشوتيّة بالكامل. فما كان صالحًا في العام 2006 لم يعد كذلك اليوم. لذلك، على هؤلاء جميعهم طرح الإشكاليّة الوطنيّة الآتية: ماذا بعد في اليوم التّالي؟
عند الامتحان أُكْرَمَ المرء بمروءة
انطلاقًا من هذا الاحتضان الوطني الذي امتحِنَ به بعض اللبنانيّين أصبحت المحايثة التي وضع فيها المكوّن الحضاري الشيعي مرتكزة على زوايا إحصائيّة وطنيّة. بعضهم سيرفضها حتمًا وسيقرّر الرّحيل الوطني، ومنهم مَن سيقرّر الارتحال عن الوطن. وهنا الطامة الكبرى. لأنّ الغريب عن وطنه سيبقى غريبًا حتّى ولو تمّ تعقيده في صلب العقائد الإيمانيّة. فالوطن شيء والإيمان شيء مختلف.
فكل ما هو موجود في كيان ما بشكل ثابت يرمز إلى الوقار الوطني. وهذا ما عكسته ردّة الفعل الوطنيّة عند الذين قرّروا الصمت والالتزام بالواجب الوطني من البوّابة الإنسانيّة الخالصة. وهذا ما ثبّت من زاوية ديناميكيّة كل ما صدر عن الإنسان الكائن الوطني بإنسانيّته حيث ارتقى عن الإنسان السياسي تعبيرًا عن طبيعته الأصيلة والأصليّة.
الترجمة الانسانيّة أقوى من الحيّز السياسي
إنّ ما حصل في لبنان نتيجة حرب غزة وإدخال “الحزب” لبنان في “حرب الإسناد” وضعنا أمام حقيقة وجودنا كلبنانيّين. نحمل في جيناتنا همّ الوجود الحرّ المشترَك. ووضعنا أمام حقيقة التزامنا السياسي. وهذا الامتحان الذي اجتازه قسم من المكوّن الحضاري المسيحي، أعاد ترتيب الذاكرة الوطنيّة الجامعة في أعماقه. وحمله إلى أعلى درجة في سلّم الارتقاء الوطني من دون تزلّف وتمنّن وتعالٍ، لأنّه قرّر أن يكون حكيمًا في صمته السياسي. ولعلّ هذا ما رفع الالتزام السياسي من الالتزام العقائدي المنغلق إلى الالتزام الانسانويّ المنفتح.
فهذه هي الفكرة اللبنانيّة التي على أساسها يجب أن تتجسّد الجمهوريّة القويّة المرتقبة. ولن يكون لها سوى الرئيس الذي ينجح بالارتقاء في التزامه السياسي إلى الأبعاد الإنسانيّة كافّة، لأنّ في لبنان “إنسانات” لا إنسانًا واحدًا.
كتب د. ميشال الشمّاعي في “المسيرة” ـ العدد 1765
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]