Site icon Lebanese Forces Official Website

كنيسة دمشق: إيمان على طريق المقاومة وصحوة الدور المسيحي

المسيحيون

في لحظةٍ مشبعةٍ بالألم، لم يكن تفجير كنيسة مار إلياس في قلب دمشق مجرّد اعتداء إرهابي عابر، بل محطة كاشفة لمسار طويل من الاختناق الوجودي الذي يعانيه المسيحي في المشرق، حين يُختزل دوره في البقاء، ويُفرَض عليه الصمت كخيار وحيد لتفادي الزوال. لم تكن الكنيسة المستهدفة فقط رمزًا دينيًا أو معلمًا روحيًّا، بل كانت شاهدة على عقودٍ من إفراغ الحضور المسيحي من محتواه الحضاري، وتحويله إلى طائفة خائفة تتكئ على أنظمة القهر لتستمد حقّها في الحياة.

لقد تجسّد في هذا التفجير البشع حصاد سنوات من الانكماش القسري، حيث فُرض على المسيحي في سوريا أن يختار بين البقاء تحت عباءة السلطة، أو الذوبان في العدم. فصار الخوف سياسة، والتبعية فضيلة، والولاء الأعمى شرطًا للنجاة. غير أن اللحظة الراهنة، بما تحمله من فوضى ودمار، تفرض قراءة مختلفة لمجرى التاريخ: تاريخ لا يرى في العزلة خلاصًا، بل عبئًا، ولا يعتبر الصمت حكمة، بل إلغاءً للذات. في هذا الشرق الجريح، لا يعود للمسيحي من دور إذا تنازل عن حقيقته الروحية، وعن وظيفته التاريخية كشاهد على التعدد، وشريك في بناء الدولة، لا تابع في مشروع سلطوي عابر.

 

هوية مسيحيي المشرق: من الشراكة إلى التبعية؟

لم يكن الحضور المسيحي في المشرق يومًا وجودًا هامشيًا أو طارئًا على التاريخ، بل كان دائمًا جزءًا فاعلًا في تكوين الوجدان الحضاري للمنطقة، وشريكًا في صناعة مفاهيم الدولة والمواطنة والانفتاح. ففي لبنان، حيث اشتدت العواصف وتكاثفت الضغوط، لم يختر المسيحي المواجهة من موقع السلاح أو العصبية، بل من موقع الإيمان بالكيان والدستور والمؤسسات. لقد تمسّك بالدولة لا لأنها الأقوى، بل لأنها الإطار الوحيد الذي يحفظ الكرامة ويُنتج الشراكة.

هذا الخيار لم يكن ترفًا ولا انكفاءً، بل فعل وعي تاريخي، نابع من إدراك أن المسيحي لا يُبنى له دور من خارج منطق الدولة، ولا تُحفظ له كرامة في ظل معادلات الغلبة. إن ما يثبّت وجوده في عمق أي وطن، ليس السلاح الذي يحمله، بل الكلمة التي ينطق بها، والموقف الذي يُعلن عنه، والدور الذي يُتقنه في بناء المجتمع.

فأمام تفكك الهياكل، تبقى قيمة المسيحي كامنة في قدرته على حمل المعرفة، والخدمة، والضمير الحي، من داخل النسيج الوطني، لا من خارجه. لا المجازر تبنيه، ولا الأنظمة تحميه، بل حضوره المنتج في القضاء والتعليم والطب والهندسة والأمن والفكر، حيث يصبح الإيمان قوة ناعمة، لا خطابًا عاطفيًا. وهذه هي الحماية الحقيقية: حماية الهوية بالوظيفة، لا بالجدران.

 

نظام بيت الأسد: حين فُرِّغ المسيحي من جوهره

لقد نجح نظام الأسد، على امتداد عقود، في تفريغ الوجود المسيحي السوري من مضمونه الحضاري العميق، بصورة لم تتمكن من تحقيقها حتى أقسى الحروب. فمن موقع الشراكة في بناء الدولة والثقافة والتقدم، جرى دفع المسيحي إلى موقع التبعية المقيدة، حيث صودرت طاقاته وهمّش دوره، وتحول من فاعل في المجتمع إلى متلقٍ للحماية، ومجرد شاهد صامت في مشهد تقوده السلطة الأمنية.

إن ما تعرّض له المسيحي السوري لم يكن فقط تقليصًا في الحضور، بل إعادة هندسة لوظيفته داخل الدولة. فبدل أن يكون حارسًا للهوية الوطنية ومساهمًا في إنتاج المعرفة والرعاية، أُعيد توجيهه نحو الانكفاء داخل مؤسسات تقيّد لا تحرر، وتستهلك لا تُمكّن. وبهذا، تحوّل إسهامه التاريخي في بناء الوطن إلى مجرد ذكرى، في واقع بات فيه الحضور مشروطًا بولاءات فوق وطنية، أو بمراسيم “سماح” بالبقاء.

هذا التقهقر لم يكن قدرًا، بل نتيجة مباشرة لمنهجية سياسية هدفت إلى تفريغ المجتمع من تنوعه، وتحويل كل مكوّن إلى ظلّ تابع للنظام، بدل أن يكون شريكًا في صياغة مستقبل البلاد.

 

آن أوان النهوض… لا الخضوع

مع دخول سوريا مرحلة انتقالية دقيقة تحت رقابة عربية ودولية، يجد المسيحيون أنفسهم أمام استحقاق لا يحتمل التأجيل. لقد انهارت حقبة الوصاية الأمنية، وسقطت معها كل أوهام الحماية التي بُنيت على الخوف والولاء القسري. ولم يعد القرب من الديكتاتور ضمانة للبقاء، بل عبئًا أخلاقيًا وسياسيًا لا يمكن الاستمرار في حمله.

في هذا السياق، لم يعد مقبولًا أن يبقى الحضور المسيحي مرهونًا بالتبعية أو محكومًا بتوازنات ظرفية. المطلوب اليوم هو إعادة إنتاج الدور المسيحي استنادًا إلى الانتماء الوطني، والمساهمة الفاعلة في بناء دولة القانون، لا في إدامة أنظمة القمع.

لقد آن الأوان ليُعيد مسيحيو سوريا تعريف علاقتهم بالوطن على قاعدة المشاركة، واستعادة الإيمان كقوة للالتزام والنهضة، لا كأداة لتبرير الصمت. فالحضور المسيحي لا يُقاس بقربه من السلطة، بل بقدرته على أن يكون ضميرًا حيًا في قلب الدولة، ومثالًا في الثبات الأخلاقي والانخراط المسؤول.

إن دعم الدولة في هذه المرحلة ليس خيارًا سياسيًا فقط، بل موقف وجودي. فكرامة المسيحي لا تُصان بالتحالف مع القامع، بل بالتجذر في الأرض، والعمل، والمواطنة الحرة. وليس عدد الرصاصات ما يُثبت وجوده، بل قدرته على الإسهام في ولادة وطن يتسع للجميع، أو لا يكون.

 

تحالف الأقليات… قيد لا درع

لقد أثبتت التجربة أن ما سُمّي بتحالف الأقليات لم يكن درعًا يحمي، بل قيدًا يقيّد. بدل أن يوفّر حماية، كرّس التبعية، وعزل المسيحيين عن محيطهم، وجعلهم أدوات في مشاريع خارجة عن إرادتهم الوطنية.

في لبنان، كان هذا الدرس جليًا. فحين انخرط بعض المسيحيين في خطاب المواجهة الشعبوي تحت عنوان “استعادة الحقوق”، كما فعل التيار الوطني الحر، وجدوا أنفسهم في عزلة متزايدة عن محيطهم، بلا تأثير فعلي، مرتهنين لتحالفات إقليمية لم تنتج إلا الإقصاء.

في المقابل، من اختار الانفتاح على منطق الدولة، كما فعلت “القوات اللبنانية”، أعاد بناء العلاقة مع المحيط العربي، واستعاد الحضور كمكوّن وازن وشريك في القرار.

هذه التجارب ليست تفصيلًا، بل إشارات طريق. من أراد أن يبقى كمسيحي مشرقي فاعل، عليه أن يتحرر من وهم الاحتماء، ويختار المواطنة الحرة، وينهض برسالته كركنٍ من أركان التنوع، لا كصدى لخطاب خارجي.

 

ومن هنا، تفجير الكنيسة… صفعة لحلف الأقليات

ولأن منطق التبعية لا يُنتج استقرارًا، بل هشاشة تُستغل عند أول مفترق، جاء تفجير كنيسة مار إلياس كتجسيد مأساوي لهذا المسار. لم يكن مجرد استهداف ديني، بل رسالة إرهابية تستهدف المسار الجديد في سوريا، محاولةً ضرب صورة الدولة النامية في ظل رقابة عربية ودولية.

فالجهة المنفذة، لا تتحرك في فراغ. وجاء الاستهداف الدموي للمسيحيين، باعتبارهم الحلقة الأضعف، كمحاولة لاستفزازهم ودفعهم مجددًا إلى عقلية الاحتماء، وخلط الأوراق لمصلحة قوى مهزومة.

لكن التنديد العربي والدولي العابر للطوائف لم يكن فقط إدانة للجريمة، بل تثبيتًا لفكرة أن الاستقرار لا يُبنى إلا على الدولة. رسالة ضمنية للمسيحيين بأن الحماية لا تأتي من الخارج، بل من داخل الدولة التي يعمل السوريون على استعادتها.

 

المسيحي والدولة… الشراكة لا التردد

لقد أثبتت التجربة أن المسيحي خارج منطق الدولة يتحول إلى طائفة خائفة. أما حين يكون في قلبها، فإنه يتحوّل إلى شريكٍ فاعل في بناء المستقبل. فلا كرامة تُصان في ظل أنصاف سلطات، ولا دور يُستعاد في مناخات الانكفاء.

تفجير الكنيسة، على الرغم من قسوته، أعاد تسليط الضوء على هذه الحقيقة. ففي لحظة العنف، برزت الحاجة إلى الإيمان لا كعزاء، بل كفعل مقاومة. وإلى الحضور المسيحي لا كرمز ديني، بل كركيزة في بناء هوية وطنية متماسكة.

لقد آن الأوان لتكريس الخيار الوحيد القابل للاستمرار: الدولة بوصفها الحاضن الحقيقي للتعدد، والضامن العادل للدور المسيحي، والمكان الطبيعي لتفاعل الرسالة مع الواقع. جذورنا في هذا المشرق ليست طارئة، بل أصلٌ في تكوينه. و”الكلمة” التي كانت في البدء لم تكن فقط فعل إيمان، بل نواة حضارة.​

إقرأ أيضًا

Exit mobile version