#dfp #adsense

الربح والخسارة: حين تنتصر الوقائع ويسقط المحور

حجم الخط

إسرائيل - إيران

في الحروب الكبرى، لا تُقاس النتائج بعدد الصواريخ المطلَقة ولا بمدى دمار الصور المتداولة، بل بميزان استراتيجي صارم: من غيّر المعادلة؟ من فرض قواعد جديدة؟ ومن خرج أضعف مما دخل؟ على هذا الأساس، تُقرأ المواجهة الأخيرة بين إسرائيل ومحور إيران، لا من منطلق العاطفة أو الانحياز، بل من قلب الميدان، حيث تُصاغ الحقيقة بصوت الصواريخ، لا شعارات إعلامية.

 

1 ـ الحرب من دون اجتياح: إسرائيل وذكاء الضربة المجرّدة

منذ الساعات الأولى، خاضت إسرائيل حربًا استثنائية في الشكل والمضمون. لم تسعَ إلى اجتياح أراضٍ، ولا إلى احتلال عواصم. بل ركّزت على تدمير الأعصاب المركزية للمحور الإيراني المنتشر بين غزة ولبنان وسوريا واليمن. وهو محور يتكئ على تركيبة هجينة من التنظيمات المسلحة، والمنشآت السرية، وشبكات التهريب.

هذه المقاربة تعكس تحوّلاً في فلسفة الحرب الحديثة. لم يعد الهدف كسب الأرض، بل تحييد قدرة الخصم على استخدام أدواته بفعالية. ما جرى أقرب إلى عملية استئصال مركّز لبنية المشروع الإيراني، لا مجرد استنزاف له.

النتيجة كانت حاسمة وصادمة في آنٍ معًا: تصفية مئات القادة العسكريين من الصفوف العليا والمتوسطة. اغتيال عدد كبير من العلماء النوويين. تفكيك مئات المخازن الصاروخية. وتدمير ما يقارب ثلثي منصات الإطلاق.

إلى جانب ذلك، سُجّل إسقاط شبه كامل للبرنامج النووي الإيراني، ذلك البرنامج الذي استنزف خزينة الدولة لأكثر من نصف قرن، وكان يُعدّ جوهر المشروع الاستراتيجي لطهران. كل ذلك جرى بالتوازي مع اختراق متكرّر وعلني للأجواء فوق عواصم ما يُسمّى “محور المقاومة”، من دون أن يسجَّل أي اعتراض يُذكر.

في المقابل، لم تُسجّل خسارة جندي إسرائيلي واحد، ولم تُصَب منشأة استراتيجية واحدة. ومع أن إيران أطلقت أكثر من 500 صاروخ باليستي، اقتصرت الخسائر الإسرائيلية على 29 مدنيًا. ما يعني معدلًا كارثيًا في الفعالية.

 

2 ـ سقوط الردع الإيراني: من الهجوم إلى الوساطة

الأخطر أن النظام الإيراني لم ينجُ عسكريًا فحسب، بل انهار رمزيًا ونفسيًا. اضطر وزير خارجيته لطلب إذن من إسرائيل للتحليق فوق طهران متجهًا إلى جنيف، فيما قادة الحرس الثوري قطعوا اتصالاتهم، والمرشد نفسه اختفى عن المشهد.

هنا نلمس ما يمكن تسميته بـ”الردع المعكوس”؛ فبدل أن يكون الطرف المهدَّد هو من يتراجع، كان الطرف الذي هدّد طيلة عقود هو مَن تراجع، وسعى للتهدئة. الردع، الذي يفترض أن يمنع العدو من الفعل، انقلب على صاحبه، ليصبح أداة فضح لضعفه لا لقوته.

هذه ليست مجرد إشارة ضعف، بل دليلٌ على اختراق سيادي كامل، تُوج بانكفاء علني وشلل استخباراتي وعجز تام عن فرض الردع أو حفظ ماء الوجه. إيران وجدت نفسها في موقع الدفاع، تطلب وساطات وتوزع رسائل تطمين، بعدما كانت تدّعي أنها “تدير النار” في الإقليم.

 

3 ـ من يربح؟ من يغيّر الواقع

الربح في منطق الدول لا يُقاس بحجم الخراب، بل بقدرتك على فرض وقائع جديدة، ومنع عدوّك من التعافي، وتثبيت معادلة ردع مستقبلية. إسرائيل فعلت ذلك. أمّا إيران، ففقدت أذرعها، وهُشّمت صورتها، وتبدّدت قدرتها على شنّ حروب الوكالة.

هذا ما يمكن تسميته بالربح غير المعلن؛ لا حاجة لرفع الأعلام أو إصدار بيانات النصر، فالنتيجة واضحة على الأرض: تفكيك منظومات، إسكات الجبهات، وانكفاء الخصم إلى ما دون خط الدفاع.

سقطت سردية “وحدة الجبهات”، وتبيّن أن التنسيق المزعوم بين الساحات لم يكن سوى وهم إعلامي. كل جبهة تُركت تنزف بمفردها، وكل ميليشيا سُحقت ضمن حدودها. لا حلف، لا حماية، لا إنقاذ.

 

4 ـ لبنان خارج الخدمة: “الحزب” في مأزق مزدوج

ربما كانت الجبهة اللبنانية هي الأكثر تعريةً لحقيقة الانهيار. فـ
الحزب”، الذي طالما تفاخر بلعب دور “الضامن للردع”، ومن أعلن صراحة أنه جندي في ولاية الفقيه، عجز حتى عن المشاركة الفعلية في معركة اعتبرتها طهران معركة وجود. وجد نفسه في موقعٍ مقيّد، مُتردد، يوازن بين خطر الفناء في حال التصعيد، وخسارة الدور والهيبة في حال الصمت.

اليوم، تحوّل “الحزب” إلى أداة مُستهلكة في مشروع إقليمي خاسر، بينما تئنّ بيئته الحاضنة تحت وطأة الفقر والانهيار، وتُستهدف بنيته التحتية والعسكرية بضربات متتالية تُعدّ الأقسى منذ نشأته.

إنه مشهد كلاسيكي لتحوّل “الذراع الفاعلة” إلى “العبء المُعطّل”، حيث يفقد من كان يعتبر نفسه لاعب إقليمي القدرة على المبادرة، ويُرغمه واقعه المتهالك على البقاء في مشهد الانهيار، مكتفيًا بتصريحات تضامن رمزية لا تَصرف دمًا ولا تحفظ دورًا.

وأخطر ما أظهرته الحرب، أن ما سُمّي مقاومة، انكشف كعبء سيادي على الدولة اللبنانية، تحوّل من مشروع تحرر إلى أداة تُغرق البلاد في عزلة دولية، وتربط مستقبلها بلعبة الدول الكبرى، رابطاً مصير لبنان بإيران التي فقدت بدورها القدرة على الحماية، والتمويل، واتخاذ القرار.

 

5 ـ النتيجة: محور منهار أمام عقل بارد

حين تفقد دولة كبرى مثل إيران قدرتها على الردع، وتنكفئ أمام 7 ضربات مركزية، ويخرج حلفاؤها من الخدمة واحدًا تلو الآخر، فالمسألة لا تصبح: من ربح ومن خسر؟ بل: من بقي؟ ومن انتهى؟

لقد خاضت إسرائيل حربًا بلا جيوش. وانتصرت عبر التكنولوجيا، والاستخبارات، وتكتيك الضربة الذكية. أما إيران، فخسرت أغلى ما تملك: زمن المشروع، هيبة النظام، والثقة بالقدرة.

وهنا تتجلى فعالية ما بات يُعرف في الاستراتيجية العسكرية بـ”الحرب الهجينة عالية الدقة”. لا حاجة لاجتياح، ولا لإسقاط أنظمة. بل إلى عمليات انتقائية مدروسة تُفكك البنية، وتُشلّ القدرة على الفعل، وتُبقي اليد العليا من دون تكلفة سياسية أو بشرية كبرى.

لم يعد السؤال “من ربح؟” صالحًا في هذا السياق. فالمشهد بات واضحًا: محور بأكمله فقد أدواته. وتراجع إلى موقع دفاعي هش، ولم يعد يملك ما يخسره سوى بقايا الهيبة المتآكلة.

 

خاتمة: حين تُهزم المشاريع لا الجيوش

الحروب الكبرى لا تنتهي عند سقوط الصواريخ، بل تبدأ نتائجها في اليوم التالي للصمت. فالنظام الذي خرج منهكًا، خاسرًا، مكشوفًا، لا يُعيد بناء صورته بخطابات العزاء، بل يُعاد رسم موقعه في النظام الإقليمي من نقطة الصفر. إيران لم تخسر معركةً فقط، بل خسرت رصيدًا استراتيجياً بُنيَ على مدى عقود، وتكشّفت حدود قدرتها، وسقطت أسطورة “اليد العليا” التي طالما هدّدت بها المنطقة.

أما إسرائيل، فقد فهمت أن المعركة القادمة ليست على الأرض، بل على النفوذ، والردع، والهيبة. لقد أدارت حربها ببرود استراتيجي، وانتزعت من خصمها أهم ما يملكه: وهم المبادرة.

من هنا، الدرس واضح: في زمن التوازنات الجديدة، لا تعيش المشاريع العقائدية طويلاً إذا لم تُترجم إلى معادلات قوة واقعية. والأهم، أن الشرق الأوسط دخل فعليًا مرحلة ما بعد إيران كقوة إقليمية صاعدة. مرحلة تعيد تعريف من يُقرر، ومن يُنفذ، ومن يُجبر على الصمت.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل