
“الفقيه هو ولي الأمر زمن الغيبة، وحدود مسؤوليته أكبر وأخطر من كل الناس، ويفترض فيه، إضافة الى الفقاهة والعدالة والكفاءة، الحضور في الساحة والتصدي لكل أمورها، حتى يعطي توجيهاته للأمة التي تلتزم بتوجيهاته. نحن ملزمون باتباع الولي الفقيه، ولا يجوز مخالفته. فولاية الفقيه كولاية النبي والإمام المعصوم، وولاية النبي والإمام المعصوم واجبة، ولذلك فإن ولاية الفقيه واجبة. والذي يردّ على الولي الفقيه حكمه فإنه يردّ على الله وعلى أهل البيت… فمن أمر الولي الفقيه بلزوم طاعتهم فطاعتهم واجبة”.
نصرالله ـ مجلة العهد العدد 14 تاريخ 24 نيسان 1987
من خلال ما قاله نصرالله وكيل الولي الفقيه في لبنان، فإن مكانة مرشد الجمهورية الإسلامية في لبنان تفوق وتتفوق على كل ما هو أرضي وزمني لتسمو الى الديني الإلهي وهو ما اعتبره نصرالله نفسه كـ”الأئمة الاثني عشر المعصومين” وآخرهم الإمام الغائب صاحب الزمان، إذ يعتبر المؤمنون بنظرية ولاية الفقيه في لبنان وإيران والعالم أن الوليين الفقيهين الخميني وخامنئي ومن سيخلفه نوابًا “للإمام على الأرض”، معصومين على حد توصيف الوكيل السلف نصرالله وتوصيفات الوكيل الخلف نعيم قاسم.
من خلال المكانة الالهية التي أضفاها الوكيل على الأصيل، يمكننا أن نفهم ـ من دون أن نُصدم ـ النظرة الإلهية المطلقة للولي الفقيه التي عبر عنها نصرالله في 13 آذار من العام 2018 أمام الإيرانيين المقيمين في لبنان بتأكيده “أن مكانة ولاية الفقيه فوق الدستور اللبناني، ونحن نؤمن بذلك، ونعتبر تنفيذ أوامر ولي الفقيه واجبًا إجباريًا”.
بهذا المفهوم والإيمان والقناعة والعقيدة والمكانة الالهية للولي الفقيه التي تجعل منه “معصومًا منزهًا عن أي خطأ أو خطيئة أو زلة أو حتى هفوة”، ورأيه وقراره لا يقبلان أي طريقة من طرق الاعتراض أو حتى البحث أو المناقشة والمراجعة الدينية أو القانونية أو العلمية، وهذا أيضًا ما التزم به وكيله في لبنان وافتى وأوصى به خليفته والمحازبين والتابعين من بيئته، إذ يقول نصرالله في 11 تشرين الثاني من العام 2013: “عندما نأخذ القرار، أو نمشي في أي درب، أو ندخل إلى أي ساحة، أو الى أي ميدان أو إلى أي قتال، نحن لا نلجأ إلى عقولنا، ولا الى علومنا ولا إلى مستوانا العلمي، ولا الى ولا الى… نحن نلجأ الى فقهائنا وكبارنا ومراجعنا، الذين هم على أعلى مستوى من الفقاهة والعلم والاجتهاد والتقوى والورع والأمانة والوعي أيضًا”.
انطلاقًا من هذا المبدأ، فإن الإمام علي خامنئي عندما أطل بعد وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل بقرار من رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب معلنًا النصر، كان صادقًا مصداقًا بقوله: “وجّهت الجمهوريّة الإسلاميّة صفعةً قويّة إلى أميركا، إذ شنّت هجومًا على إحدى أهمّ قواعدها في المنطقة، قاعدة العديد، وألحقت بها أضرارًا”، كما في تأكيده “بالرغم من كل صخبه وادّعاءاته، فقد خارت قوى الكيان الصهيوني تقريبًا، وسُحق تحت ضربات الجمهورية الإسلامية وكان في استحالة وقوعه في أي خطأ عندما قال: “هاجموا منشآتنا النووية، وهو أمر يستدعي الملاحقة الجنائية في المحاكم الدولية، لكنهم لم يقوموا بأي أمر كبير”. وأضاف أن ترامب الذي يصرّ على أنه “دمّر” برنامج طهران النووي “بالغ في روايته للأحداث بشكل غير عادي وتكشّف بأنه كان مضطرًا لهذه المبالغة. كل من سمع كلامه أدرك بأن هناك حقيقة أخرى وراء هذه الكلمات”.
في حين ان الحرس الثوري الإيراني ووزارة الصحة والمؤسسات الحكومية ووكالة الطاقة الذرية الإيرانية، اثبتت عكس ذلك وهي التي تسير على وقع أوامر الولي الفقيه النافذة وتمتنع على إيقاع نواهيه. ومن يكون أكثر من وزير خارجية النظام الإيراني عباس عراقجي التزامًا وتشبثًا وسيرًا ونطقًا، بإرادة ونظرية وكلمة الولي الفقيه والذي قال مخالفًا مكذبًا في اليوم التالي “إن أضرارًا جسيمة تعرضت لها منشآتنا النووية… ليؤكد في آخر تصريح له وتحديدًا في 2 تموز من العام 2025 أن المنشآت النووية تعرّضت لأضرار “جسيمة وخطيرة للغاية” بفعل الضربات الأميركية، معتقدًا أنها قد تكون غير قابلة للاستخدام في الوقت الحالي أو حتى في المستقبل.
قد يكون الحرس الثوري التابع مباشرة للولي الفقيه والمنفذ الأصدق لما يأمر والمصدّق أكثر لما ينهى عنه، أوضح المرتكبين لمخالفة “منزلات خامنئي”، عندما أكد في عشرات البيانات، متلاحقة اللاحقة لصليات الحرس الصاروخية، أن تلك “الصليات” لم تستهدف الا المواقع العسكرية الاستراتيجية الإسرائيلية، إذ يقول خامنئي “المعصوم”: “نشكر الله الذي أعان قوّاتنا المسلحة، فتمكّنت من اختراق الدفاعات الصهيونية المتقدمة والمتعدّدة الطبقات، وسوّت العديد من مواقعهم المدنية والعسكرية بالأرض”.
لم يكن حدث الحرب الاخيرة، بين إيران وإسرائيل الأخير، محكّا اول لـ”عصمة” الولي الفقيه، ولم يكن دليلًا وحيدًا على جواز “الخروج عن طاعته” من مؤيديه وحتى من الإمام نفسه مشوبًا بخطأ وربما خطيئة التناقض والانفصال عن الوقائع وحقائق العلوم والتاريخ، والأمثلة السابقة شاهدة على ما نقول، ونذكر منها القليل عن الربيع العربي، إذ يقول الإمام خامنئي في 29 نيسان من العام 2013: “… إن أخطر ما يواجه حركة الصحوة الإسلامية هو إثارة الخلافات ودفع الحراك نحو صدامات دموية طائفية ومذهبية وقومية ومحلية، مضيفًا أن وسائل الإعلام، “التابع والمأجور” على حد وصفه، يصور الحرب بسوريا بأنها نزاع سنّي ــ شيعي… “النزاع في سوريا ليس بين طرفين سنة وشيعة، بل بين أنصار المقاومة ضد الصهيونية ومعارضي هذه المقاومة” وأضاف: “ليست حكومة سوريا حكومة شيعية ولا المعارضة العلمانية المعادية للإسلام مجموعة سنية”. و في 17 أيلول من العام 2011، يقول خامنئي: “الصحوة الاسلامية في المنطقة هي امتداد للثورة الخمينية وهي تمهيد لظهور المهدي”، ليضيف في 15 تشرين الأول من العام 2011: “الصحوة الإسلامية بالمنطقة آخذة بالاتساع”، مشددًا في 30 كانون الثاني من العام 2012 على أن “لا فرق بین الشیعة والسنة في نهضة الصحوة الإسلامیة والربيع العربي”، مخالفًا بكل ذلك الدعاية التي ساقها محوره ضد التكفيريين والدواعش والقاعدة، ومختلفًا مع وكيله نصرالله الذي روّج لقتاله في سوريا تحت شمّاعة الحماية من “أبطال الصحوة الاسلامية”، التي فرح المرشد بصحوتها السنية والشيعية في الربيع العربي، معتبرًا معارضي الأسد في سوريا “علمانيين” لا إسلاميين.
في الموضوع الاقتصادي، في 21 آذار من العام 2021، في مناسبة أول أيام عيد النوروز في إيران، قال الإمام خامنئي “إن إيران تحتل المركز الـ18 في الاقتصاد العالمي”، أما في 14 نيسان من العام 2021، فقد أشار المرشد الإيراني الى أنه “ذكر رقمًا خاطئًا خلال كلمته في أول أيام عيد النوروز عن رتبة إيران الاقتصادية على صعيد العالم، وتبين له فيما بعد أن ما ذكره غير صحيح وأن الرقم المذكور يعود الى قبل 5 أو 6 سنوات”، موجهًا “الشكر إلى بعض الخبراء الذين تواصلوا مع مكتبه لتذكيره بالخطأ”.
في موضوع وباء كورونا واللقاحات، في 8 كانون الثاني من العام 2021، منع المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي الحكومة من استيراد لقاحات مضادة لفيروس كورونا من الولايات المتحدة وبريطانيا. وقال خامنئي في كلمة بثها التلفزيون على الهواء مباشرة: “يحظر استيراد لقاحات أميركية وبريطانية. أبلغت المسؤولين بذلك وأقوله علنًا الآن”، أما في 11 آب من العام 2021، وفي تغيير جذري لسياسته، فقد استدار المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي 180 درجة، إذ أمر المسؤولين، بإعطاء جميع المواطنين الإيرانيين لقاحات كوفيد 19 “بأية طريقة ممكنة”.
وقد عنى الولي الفقيه المعصوم بعبارة “بأية طريقة ممكنة”، “تحليل” استيراد اللقاحات “المحرّمة” منذ كانون الثاني، المصنعة في الدول الغربية. وقال المتحدث باسم إدارة الغذاء والدواء الإيرانية كيانوش جهانبور في 12 آب، إن إيران ستحاول “إن أمكن”، استيراد لقاحات “موديرنا وفايزر” أيضًا.
ويدحض المثلان الأخيران الماثلان أمامنا، نظرية عصمة الإمام عن الوقوع في الخطأ، كما يدحضان نظرية وكيله في لبنان عن جدوى اللجوء الى المرجعيات الدينية وعلمائها الدينيين، من دون اللجوء الى العقول والعلوم والعلماء وخبراتهم.
