#dfp #adsense

كميل الرامي ومعاناة سجون الأسد.. لم أعرف بناتي!

حجم الخط

… وقد سقط نظام بشار الأسد وانقشعت الرؤية عن معاناة سمعنا عنها كثيرًا لكننا لم نكن لنتخيل أنه سيأتي اليوم الذي قد نصدقها. وحدها قصص الناجين من سجون “بشار” تضع الإصبع في عين ممارسات ذاك النظام الذي لم يمتهن خلال حكمه الطويل، سوى اللا ـ إنسانية.   كميل بطرس الرامي، هو أحد المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، الذي أطلق سراحه في دفعة العام 1992. لم تمحُ كل تلك السنوات معاناة الاعتقال، بغصة يعود بالذاكرة الى ريعان شباب قضى بين يدي جلاديه، وعائلة عانت ما عانته من بُعد الابن والأب والزوج. ترك عائلته الكبيرة والصغيرة، وطفلتين تبلغان خمس وثلاث سنوات، وزوجة ما إن خرج من المعتقل حتى بدأت رحلة عذابها مع المرض. لم تَمحُ كل تلك السنوات من ذاكرته ما عاشه في سجون نظام الأسد، ولم يتمكن على الرغم من مرور كل تلك السنوات، من العودة الى حياة طبيعية والحصول على وظيفة تُعيد له حقه بالعيش الكريم. بمعاناة يسترجع كميل الرامي شريط حياته، فهو أمضى متنقلًا في سجون الأسد حوالى 7 سنوات ليكمل الجلجلة مع اعتقال رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، في وزارة الدفاع اللبنانية، مسجونًا لأربع سنوات أخرى، ومجردًا من تعويضه المُستحق من المؤسسة الأمنية التي كان يخدم فيها، إذ كان قبل اعتقاله عنصرًا في قوى الأمن الداخلي.

كيف يتذكر الأسير المحرر كميل بطرس الرامي مرحلة الاعتقال؟ وهل تمكن من الشفاء منها والمصالحة مع ذاته؟

 

1 ـ من هو كميل بطرس الرامي؟

أنا كميل بطرس الرامي، من بلدة جديتا في قضاء زحله، متأهل ولدّي أربع بنات متزوجات الآن. قبل اعتقالي كنت عنصرًا في قوى الأمن الداخلي، أما اليوم، فأعمل في مجال الأدوات الصحية.

 

2 ـ كيف تتذكر فترة اعتقالك في السجون السورية؟

لم أنسَ أبدًا تلك الأيام حتى أتذكرها، حتى اللحظات والثواني لا أستطيع نسيانها، فقد أكَلَت من لحمي ومن جسدي، ولا أزال أعاني من ندوب وكسور خلّفها اعتقالي. ظهري مكسور من جراء التعذيب، وأسناني أيضًا، كما أنهم اقتلعوا أظافري.

 

3 ـ متى اعتقلت، وماذا كانت التهمة وبين أي سجون تنقلت؟

اعتقلت من منزل أهلي في بلدة تعلبايا في البقاع. المحطة الأولى كانت في سجن جلالا ومنه نُقلت إلى سجن شتورة الذي كان يرأسه حينها محمد الشعار الذي أصبح في ما بعد وزيرًا للداخلية في سوريا. من شتورة الى عنجر، حيث كان المسؤول هناك النقيب يوسف عبدو الملقب بالنبي يوسف، وبعد شهر من التعذيب والتحقيق، وضعوني في فرع المنطقة في كفر سوسه ومنه نقلت إلى فرع فلسطين ثم إلى التحقيق العسكري فرئاسة شؤون الضباط وبعد ذلك إلى فرع الجوية في مطار المزة، لأنقل أخيرًا إلى سجن المزة المركزي، بتهمة محاولة اغتيال غازي كنعان وضرب الحواجز السورية ووضع متفجرات.

 

4 ـ ما هو أقصى وأبشع ما تعرضت له في سجون نظام الأسد؟

يلزمني مدة السجن نفسها لأسرد العذابات والأوجاع التي تعرّضت لها، ففي كل ثانية ما يكفي من العذاب الجسدي والنفسي. عندما أستمع اليوم الى ما تعرّض له المعتقلون في سجون الأسد بعد سقوط النظام، تعود اليّ تلك المشاهد التي مررت بالكثير منها وعشت آلامها وتفاصيلها، والأسوأ أنه عندما كنا نخبر عن ذلك كان يُقال لنا: “ولو هلقد، في شي ما بيتصدق”.

 

5 ـ متى شعرت أن الموت أفضل لك؟

كنت أتمنى الموت كل اليوم، لا سيما بعدما سُمح لأهلي بزيارتي شهريًا. كان يفصل بيني وبين والدتي العجوز حوالى المتر، من غير أن أكون قادرًا على لمسها أو معانقتها. كانت تخبرني وهي فرحة، بأنها أحضرت لي مؤونة تكفيني لأسبوعين، وقد حملتها على ظهرها مسافة 500 متر صعودًا بين الحاجز الأول ومدخل السجن. لكن، بعد أن تذهب والدتي تُسرق معظم المؤونة، ولا استلم “من الجمل الا أذنه”.

كنت أتمنى الموت حتى لا أرى والدتي تتعذب معي.

أثناء جلسات التعذيب، تمنيت الموت.

عندما زارتني بناتي بعد 5 سنوات من الاعتقال ولم أعرفهن من بعضهن البعض، تمنيت الموت.

تمنيت الموت ألف مرة ومرة.

 

6 ـ كم مرة اعتقدت أن حياتك ستنتهي في الاعتقال؟

في كل لحظة من لحظات الاعتقال كنت معرضًا أنا وغيري من المعتقلين، للموت تحت التعذيب الجسدي. الضرب بالعصا، الكهرباء، الشبح، الكرسي وغيرها من وسائل التعذيب التي كانت قادرة على وضع حدّ لحياتنا.

 

7 ـ هل بقيت مؤمنًا بالله وأنت معتقل، وماذا كنت تقول له في لحظات ضعفك؟

سجنت بسبب إيماني بمسيحيتي. بالتأكيد كنت أتذكر دائمًا ما قاله المسيح في الإنجيل “ستضطهدون من أجل اسمي”، وكنت أصلي دائمًا وأقول لتكن مشيئتك.

 

8 ـ مضى على خروجك من سجون الأسد 33 عامًا، هل تمكنت من المضي قدمًا في حياتك؟

خرجت من المعتقل وتحررت بالجسد في العام 1992 وكنت قد اعتقلت في العام 1986، لكن أثار تلك المرحلة ستعيش معي وسترافقني ما حييت. فقدت عملي وكبر أولادي من دوني، فأنا لم ألعب معهم في صغرهم ولم أهتم بهم، لكن الله عوضهم بحنان أم كانت في غيابي الأم والأب.

أما لناحية العمل، وكما يقال، “مستورة”، كل ما أطلبه، “أعطنا خبزنا كفاف يومنا”.

 

9 ـ ما هو أكثر موقف محرج تعرضت له بعد خروجك من المعتقل؟

خرجت من المعتقل في 23 كانون الأول من العام 1992، أي قبل عيد الميلاد بيومين، وصلت سيرًا على الأقدام إلى منزل والديّ عند الساعة الواحدة ليلًا ولم يكن أحد يعلم بحضوري، وقفت أمام الباب وبكيت وقلت في نفسي: “كيف عساي أخبرهم بوجودي، هل أطرق الباب.. إذا فعلت ذلك قد يفاجؤون وربما أغمي على أحدهم. هل أصرخ فيسمعوا صوتي فيكون وقع الصدمة أسهل عليهم”؟

بقيت عشر دقائق تقريبًا مترددًا حائرًا بأمري، لم أكن أعرف ماذا عليّ أن أفعل، وعندما قررت أن أنادي يا معلم بطرس، سمعت صراخًا من الداخل لا يمكن أن أنساه، “هذا صوت ابني كميل”… رأيت والدي من شباك الباب الذي كان قد فتحه ليتأكد من وجودي. مد يده ليلتقطني من ذاك الشباك، ولم يعد يعرف كيف يفتح الباب، أما أمي فركعت صارخة “الحمدالله يا رب”. وقع ابي أرضًا وفتحت أختي الباب وهي ترتجف.

 

10 ـ ما هو أكثر موقف عاطفي عشته بعد خروجك من المعتقل؟

تسكن عائلتي في بيروت، أما أهلي ففي البقاع. لم أتمكن من الانتظار حتى الصباح لأرى عائلتي، ضاق صبري فذهبت مع أخي إلى منزلي، وعندما رأيت زوجتي وأطفالي لم أعد أعرف ماذا أفعل. هل أصرخ أم أبكي أم أضحك… هل أغمرهم وأشم رائحتهم… هل أسأهم أسئلة عن حياتهم؟ لكنني لا أعرف ماذا عليّ أن أسألهم، فتفاصيل حياتهم ليست معي. المهم عندي كان أن يتكلموا لأسمعهم.

 

11 ـ لو عاد بك الزمن الى الوراء، هل تعيد حياتك ذاتها حتى لو كلفك ذلك “الاعتقال في سجون الأسد”؟

آمنت بقضية لبنان السيد الحر المستقل وبتحرير بلدنا من الغرباء وبمشروع سياسي سيادي على رأسه حزب “القوات اللبنانية”، ولو عاد بي الزمن والظرف السائد آنذاك الى الوراء، أقول وبكل ثقة: لو عادوا عدنا وأعيد الكرة ألف مرة. أنا لست أفضل من الذين استشهدوا أو تعرضوا لإعاقات جسدية أو أولئك الذين لا يزالون في عداد المفقودين.

بكل تواضع، نحن الأسرى المحررون نقع في الدرجة الرابعة من سلّم التضحيات، وبرأيي تتوالى الدرجات على الشكل التالي: الشهداء، مصابو الحرب، المفقودون والأسرى المحررون الذين ولدوا من جديد.

 

12 ـ كلمة أخيرة.

أتمنى كما غيري من المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، أن نعامل كباقي اللبنانيين الذين اعتقلوا واختطفوا من دولة أخرى وحصلوا على تعويضاتهم المادية ومعاشاتهم الشهرية. نحن أسرى السجون السورية، حرمنا من وظيفتنا ومن رواتبنا ومن تعويضاتنا العائلية، والأسوأ أن عمرنا لم يعد يسمح لنا بأن نكون موظفين، إذ لا أحد يقبل بأن يستخدمنا بأي وظيفة. اتكالنا على الله وعلى أولادنا فقط، لأن دولتنا وبدل أن تسعى إلى إنصافنا وإعطائنا حقوقنا، فهي مشغولة بأمور أخرى.​

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل