
تحتل التطورات العسكرية والأمنية والإنسانية في السويداء واجهة الأحداث وتكاد تطغى على باقي ملفات المنطقة من إيران الى لبنان فغزة، لما حملته من تدخلات وتداخلات إقليمية عربية تركية ـ إسرائيلية ودولية أميركية، ولما قد تعكسه على ساحات متعددة يُخشى أن لا تكون اللبنانية مستثناة منها.
انطلاقًا من تعددية وتنوع الشرائح والمجتمعات اللبنانية طائفيًا مذهبيًا وسياسيًا حزبيًا، تعددت القراءات والتفسيرات، وعلى جري العادة برز اداء الممانعة التي لم تستفق حتى الآن بعد وقوع الفأس على رؤوسها من إيران وصولًا الى غزة، مرورًا بلبنان، وقطع شريانها الحيوي المتمثل بنظام بشار الأسد في سوريا، محاولة استثمار واستغلال واستفادة من الأحداث، تبريرًا وتذرعًا بإبقاء السلاح لحاجة مزعومة ممجوجة لمواجهة التكفيريين.
لقد أعادت روايات إعلام “الحزب” في تعاطيها مع الأحداث في السويداء للنيل من حكم “أحمد الشرع”، نغمة “حلف الأقليات” التي كان يروج لها العدو الإسرائيلي وحكم الأسد “العلوي” الأب والابن، وقد يكون أفضل تجليات الخوّف على الأقليات الذي عبّر عنه في 14 كانون الأول من العام 2024 الشيخ نعيم قاسم: “نتمنى أن يتشارك كل الأطراف في سوريا ليكون الحكم على قاعدة المواطن السوري”… هذا التمني عمل بعكسه، بفائض قوته السابق، محور قاسم في إيران والعراق وسوريا ولبنان، إذ يقول الرئيس بشار الأسد “العلوي الأقلوي” في 20 آب من العام 2017: “خسرنا خيرة شبابنا والبنية التحتية لكننا ربحنا مجتمعًا متجانسًا”، ليوضح مقصده في 13 آذار من العام 2018، ما نقله موقع فيردا الإيراني عن نصرالله: “نحن لا نقاتل من أجل بشار الأسد، نحن نقاتل من أجل التشيع، ولولا الحزب وإيران لسقطت سوريا. الشيعة اليوم في ذروة قوتهم بالمنطقة”.
منذ سقوط نظام بشار الأسد وحتى اندلاع الاشتباكات في السويداء، ركّز وشدد قياديو الممانعة وفلول نظام الأسد الساقط في سوريا ولبنان وإعلاميوهم، على التسويق والتشهير بـ”عمالة” الشرع لأميركا وإسرائيل، من دون إغفال “شمّاعة” إسلاميته وتكفيريته وتاريخه وفصائله “غير الشرعية”، بالقاعدة وداعش والنصرة… متخيلة مصوِّرة للناس خيطًا وثيقًا بين هؤلاء والموساد الإسرائيلي، وهذا ما حاوله إعلام “الحزب” وقناة المنار تحديدًا، في نشرتها المسائية في 30 حزيران من العام 2025 بحيث أظهرت التحقيقات الأولية، بحسب مصادر المنار في “عملية دهم أمنية” للأمن العام اللبناني في منطقة برج البراجنة في الضاحية الجنوبية لبيروت، عن توقيف مجموعة من السوريين بعد تفتيش هواتف الموقوفين، علاقة مباشرة مع تنظيم “داعش” الإرهابي، وتفردت وحدها قناة “الحزب” بدس هذا الخبر، إلا أن المفاجأة الكبرى تمثّلت في العثور على تطبيق إلكتروني يُستخدم للتواصل مع جهاز الإستخبارات الإسرائيلي “الموساد”.
هذا الخبر المدسوس عادت ونفته المديرية العامة للأمن العام والتحقيقات اللاحقة.
وقد تكون الغارات الإسرائيلية المتتالية على قوات “أحمد الشرع” وقوافلها ودباباتها ومقراتها من محيط القصر الجمهوري الى وزارة الدفاع وقيادة الأركان، تكذيبًا آخر للشيطنات التي دأب “الحزب” عليها لغايات مكشوفة.
من حق الناس أن تسأل وتسائل عن المصادفات المصطفة بين الحديث عن قرب تسليم سلاح “الحزب” وكثرة الحديث عن استئناف نشاط “تنظيم الدولة” في العراق والشام” بتوافق مكاني وزماني، ومن حقهم أن يتذكروا ويذكروا كيف أطلقت قيادات هذا التنظيم من سجون النظام قبل تشكيله حتى، وكيف سهّل أمر تمويله وتنقلاته ونقله، ولن تكون آخرها بباصات “الحزب” الخضراء المكيفة بصفقة أخرجت هؤلاء مسلحين آمنين من لبنان بعد ان خطفوا ثمانية من جنود الجيش اللبناني في 4 آب من العام 2014ن لتتبين تصفيتهم مترافقة مع بيان “الحزب” في 2 أيلول من العام 2017، الداعي “حماية الباصات التي تنقل مسلحي داعش من اعتداء الطائرات الأميركية”، مطالبًا المجتمع الدولي “بالتدخل لوقف هذه المجزرة”، ليستقروا في دير الزور والبوكمال، مستعيدين لنشاطهم في كل من سوريا والعراق… وكعادته فإن ما حلله “الحزب” لنفسه في الـ2017 بأن حرم الجيش اللبناني وحرّم عليه بـ”اعتقال” قاتلي جنوده الثمانية وبـ”زجهم في السجون” و”محاكمتهم”، حرّمه قبل أقل من عام على العراقيين والأميركيين في خطوة “ترحيلية مشابهة” من العراق الى سوريا، اذ يقول نصرالله في 12 تشرين الأول من العام 2016: “الخداع الأميركي سيضيع انتصاركم في الموصل، الانتصار العراقي الحقيقي هو أن تضرب داعش، وأن يعتقل قادتها ومقاتلوها ويزج بهم في السجون ويحاكموا محاكمة عادلة، لا أن يفتح لهم الطريق إلى سوريا ، لأن وجودهم في سوريا سيشكل خطرًا كبيرًا على العراق قبل كل شيء”.
ولم تكن خطوة “الحزب” الودية في الـ2017 تجاه داعش والنصرة، الا تكملة لما كان قد عبّر عنه الامين العام الراحل نصرالله في 16 كانون الأول من العام 2012: “بينا وبين القاعدة مافي أي علاقة بل في نوع من السجال وأحيانًا الخصومة هلق هنّي بعادونا يصطفلو… اوجه نداءً الى القاعدة، بعض الحكومات في العالم الإسلامي والغربي نصبت كمينًا لكم في سوريا، وفتحت لكم ساحة في سوريا تأتون إليها حتى يقتل بعضكم بعضًا، وأنتم وقعتم في هذا الكمين، ولو فرضنا أن هذه الجماعات استطاعت أن تحقق انجازًا، فهي أول من سيدفع الثمن في سوريا كما دفعته في دول أخرى”.
فعلاقة نصرالله ومن خلاله “الحزب” بتنظيم القاعدة “سجال وأحيانًا خصومة”، تعني أن أحيانًا أخرى صداقة وحب ووئام، كما رأينا، وأن “الحزب” لا يعادي تنظيم القاعدة بل هذا الأخير هو من يعادي “الحزب”… الذي يسدي للقاعدة نصائح المحب من طرف واحد تجنبًا لسقوط التنظيم في كمين الغرب والعرب.
أما بالنسبة لما يُكثر عنه الإعلاميون الممانعون الحديث، الغرباء والأجانب في صفوف مقاتلي جيش حكم سوريا الجديد، فيقول الرئيس الحليف السابق بشار الأسد في 25 تموز من العام 2015: “الوطن ليس لمن يسكن فيه أو يحمل جنسيته وجواز سفره بل لمن يدافع عنه ويحميه”، كما يقول نصرالله في 23 حزيران من العام 2017: “على الإسرائيلي أن يعرف أنه إذا شنّ حربًا على سوريا أو لبنان فقد تفتح الأجواء لعشرات آلاف المقاتلين من العالم العربي والإسلامي ليكونوا شركاء في هذه المعركة”.
.jpg)