
لم تكن السياسة هدفي، ولا وعاءً لفكري الطفولي. لكنها تسلّلت إليّ حين كنت في العاشرة من عمري، على شكل همسٍ عائلي، ونظراتٍ منكسرة، وأحاديثٍ حذرة تذكر اسمًا يتكرّر بصوتٍ خافت، لكنه يعبق بالقوة والوجع: سمير جعجع. كبرت في ظلّ ظلمٍ لم يُروَ في كتب، بل نُقش في نظرات الكبار وصمتهم، وسجينًا لم يُعاقب على فعل، بل على قضية اختار أن لا تهتز، وصورة لرجل في زنزانة تحوّلت إلى مرآة تعكس إحساسًا جماعيًا بالاضطهاد. لم أكن أفهم كل التفاصيل، لكنني كنت أشعر. وأحيانًا، الشعور أصدق من التحليل.
كلما كبرت، كبرت معي هذه الأسئلة: من هو سمير جعجع؟ لماذا يعيش من حولي وكأنهم هم السجناء؟ ولماذا خوف السلطة حينها من مجرد ذكر اسمه؟ كانت نظرات من حولي تخفي أكثر مما تقول، لكنها كانت كافية لأفهم أن الرجل لم يُسجن وحده، بل سُجن وطنٌ برمّته.
من رحم تلك المظلومية تولّد وعيي السياسي. لم يكن قرارًا، بل إنسيابًا. وجدت نفسي لاحقًا منخرطًا في خلايا جامعية كانت تُعدّ محظورة. مجرد التحدّث عن “القوات اللبنانية” أو سمير جعجع كان يعرّضك للاستدعاء والتحقيق، مهما كان عمرك. كان المطلوب أن تُمحى الفكرة من النفوس قبل أن تُحذف من النصوص. لم يدركوا أن القمع لا يُطفئ القضية، بل يروي جذورها.
يوم جلسة العفو، لم يكن حدثًا سياسيًا عابرًا في نظري، بل لحظة تقاطع بين سيرة فرد وسيرة وطن. كنت طالبًا جامعيًا، في عمر بناء الذات وتثبيت الهوية، لكني شعرت أن هناك ما هو أعمق من أي مسار أكاديمي: كان ثمّة تاريخ ينتظر إعادة تصويبه، وعدالة مؤجلة منذ سنوات. في ذلك اليوم، لم أعد شابًا يحضّر لمستقبله، بل مواطنًا يراقب لحظة نادرة يُعاد فيها الاعتبار لحقيقة حاولوا طمسها. لم يكن مجرد قانون يصدر، بل ميزان يختبر فيه هذا البلد قدرته على المصالحة مع ذاته، وعلى الاعتراف بظلم مارسه النظام على رجل، وعلى جيلٍ بأكمله حمل معه العبء بصمت. وعندما أُعلن القرار، شعرت كأن شيئًا بداخلي انكسر وتحرّر. خروج الحكيم أعاد لوجه الوطن ملامحه التي عبث بها الظلم طويلاً.
خرج الحكيم من السجن، ولم يخرج كما دخل. لم يعد قائدًا عسكريًا، بل تحوّل إلى رجل دولة حمل على كتفيه عبء التاريخ وأمل المستقبل. وضع بزّته الزيتية جانبًا، وارتدى ثوب الوطن كل الوطن. لم يصرخ، لم ينتقم، لم يساوم. بل أعاد بناء المسار الصحيح بهدوء، عبر عمل مؤسساتي، مدني، ثابت. لم يطلب الولاء، بل ألهم الالتزام.
لم يفهم البعض في البداية مسار الحكيم بعد خروجه، إذ لم يجدوا الخدمات السريعة، ولا الوساطات المألوفة، ولا الزبائنية التي اعتادها اللبناني في علاقته بالأحزاب. خالف سمير جعجع التوقعات، لا من باب التمرّد، بل من باب الإيمان بأن بناء مجتمع لا يبدأ بإرضاء الحاجات الفردية، بل بتأسيس ثقافة سياسية لا تُبنى على الأشخاص، بل على المبادئ. اختار الطريق الأصعب: أن يبني فكرة تقود الناس، لا أن يَقودهم بفكرة مؤقتة. صبر، وثابر، وراهن على أن المبادئ، حين تُحمل بثبات لا بمساومة، تنتصر ولو بلا جيوش.
اليوم، القواتيون لا ينتسبون إلى حزب فحسب، بل أمناء على ذاكرة جماعية تحوّلت إلى التزام يوميّ لا يلين. شبّان وشابات يشبهون الرهبان، لا في التقشّف بل في التفاني. رؤوسهم مرفوعة لا تكبّرًا، بل لأنهم أبناء قضية لم تساوم على حقيقتها. لا نُشبه الآخرين، ولا نريد. نحن من نسل رجال قاوموا لا ليحكموا، بل ليحفظوا لنا الحرية التي نعشقها، لأن ما بدأه أسلافنا مقاومة بالسلاح، نكمله اليوم مقاومة بالثبات والإيمان والرؤية.
هذه الحكاية الشخصية ليست عني فقط، بل عن جيلٍ بأكمله. جيل عاش الاضطهاد قبل أن يفهم السياسة، وتربّى على الأمل في زمن القهر، ووجد في شخصية رجلٍ سجين رمزًا لحريته الداخلية. جيلٌ لم يُخدع بالوعود، بل اختار الطريق الأصعب: الإيمان بالمستقبل من دون تنازل عن الحقيقة.
نحن أبناء قضية عمرها مئات السنين، لا تساوم ولا تضعف. خرجنا من السجن الكبير مع القائد، ولا نيّة لنا للعودة إليه. إن هذا الثبات، الذي تشكّل في أتون الظلم، هو ذاته الذي يقودنا اليوم في مواجهة تحديات بناء دولة حقيقية، قادرة على تجاوز موروثات الماضي وبناء مستقبل لا يساوم على الحقيقة ولا يتنازل عن الحرية. ومهما حاولت شياطين الأرض أن تضلّلنا، سنبقى على العهد، ثابتين، لأننا لم نكن يومًا أزلامًا لرجُل… بل رفاق قضية.