

عن جد مات زياد الرحباني؟ دوّى الخبر، دوّى الاسم الذي كان غاب لسنوات عن شاشات الناس، أو الجمهور الحبيب، بلغة زياد الساخرة، لكن ما قبل الاسم إياه وما بعده، دوّى حضور آخر ما كنا لنتوقع يومًا أننا سنشهد عليه في ظرف مماثل، فيروز في حضرة موت ابنها. مات زياد الرحباني فعلًا، والمبدع الرحباني في عزّ الحياة كان يسكنه موت ما. كانت الموسيقى والقفشات الكلامية، والمسرح المدهش بنصه غير المبهر في الإنارة وما شابه، المتفلت من التقليدية ومن عقد النجومية، هي حياة زياد، هي حضوره، هي أنفاسه التي تصل للناس، وتركت أثرها الكبير في جيل كامل من الشباب ومن بعده أجيال حتى اللحظة، لكن مات زياد الرحباني منذ أكثر من عشر سنوات، حين توقّف الإبداع في اللحن والمسرح، وانصرف الرجل كليًا الى موته الداخلي البطيء يومًا بعد يوم، الى أن أعلن موته الكامل جسدًا وروحًا. يا للخسارة.
لحظة إعلان الخبر وبعفوية مطلقة صرخنا “يا ربي دخلك وشو عاملة فيروز؟”. الخوف على فيروز سبق الحزن على زياد. نعترف. قد لا يحب “رفاق” أو معجبي زياد هذا الكلام، لكنه الشعور الحقيقي الصافي الكامل. خفنا على فيروز الأم الثكلى، من مرارة الكأس المرّ الذي تتجرّعه للمرة الثانية في حياتها، فقدت صبية اسمها ليال، فقدت مبدعها الكبير عاصي الرحباني، وها هي تفقد ابنها الثاني زياد، في حين أن هالي، مقعد منذ الطفولة ومن ذوي الاحتياجات الخاصة، تعتني به كطفل في أول سنوات عمره، وما تبقى لها سند سوى ريما، فكيف لا نخاف عليها؟!
كنا نعلم أن زياد مريض لكن ما كنا نتصوّر أنه على حفافي الموت القاسي وبهذه السرعة. لا أعلم لماذا نظن أحيانًا أنه لا يمكن للرب أن يأخذ المبدعين بهذه السهولة، في عقلنا الباطن نخترع حقيقة تحمينا من الخوف وهي أن الله يمد بعمر هؤلاء، لتكتمل رسالتهم الإبداعية على الأرض، وأنه لا يطالهم الا بعد عمر مديد، في حين أن غالبية المبدعين في الفن والموسيقى وعبر العصور ماتوا في عزّ صباهم، صحيح أن زياد لم يكن شابًا ابن الثلاثين، لكن كانت تليق به كثيرًا الدنيا بعد ابن الـ68 عامًا، ولو اكترث للحياة والموسيقى التي تضج فيه أكثر من الموت الخفي الساخر الذي كان يسكنه، لربما تنبّه أكثر لصحته وأكمل مسيرة إبداعه الفني الاستثنائي.
مات زياد الرحباني لكن ليس “بلا ولا شي”، كما يقول عنه البعض، تأثرًا بأغنيته الشهيرة، مات المبدع الرحباني الثائر المختلف بفنه عن مسيرة الرحباني الأب والعمّ، ومعه زوادة كبيرة عظيمة لا تقارن ولا تقارب، معه إرث أعماله الفنية المبدعة أولًا وآخرًا، وثانيًا حمل معه التباسًا هائل من حوله، بين معجبين حتى الوله بفنه وبمسيرته السياسية، وانتقاد لاذع لتلك المسيرة والتي أنست كثرًا مسيرته الإبداعية. لم يتمكن كثر من فصل الإبداع عن السياسة، هو اليساري المعتّق الذي أحب ياسر عرفات بداية ومن ثم حسن نصرالله، ثم عاد وانتقد حزب الله، وذروة الذروة حين اتهم فيروز، بأنها تحب نصرالله، فكان غضب عشاق فيروز منه وغضب فيروز نفسها التي قاطعت ابنها ثلاث سنوات بسبب هذا التصريح المسيء لها، قبل أن تعود العلاقة الى مجاريها بين الأم وابنها.
مات زياد الرحباني بعدما صرعه المرض وربح جولته العنيفة القاسية على ابن فيروز، واتشحت السيدة بالسواد. جلسنا الى الشاشات ننتظرها، قالوا لن تأتي، لن تصمد، لن ترافق يوم ابنها الأخير، وأتت بكل جلالها ورهبتها وجبروتها وصمودها الظاهر، وخلف الطرحة السوداء المخرّمة، جلست متفجرة بالحزن الصامت، تعيش هزيمة الموت على حياة زياد، هزيمة الحزن على الفرح، حضور الألم العميق المدوي، جلست خلف نظاراتها السوداء منتصرة على الانهيار، الانكسار العلني، التفجع والولولة والنحيب، هي الأم التي يحق لها أن تفعل كل ذلك وأكثر بكثير، وصمدت، صمتت، تعالت على اعلان فجيعتها، حجبت لوعة الفراق خلف النظارات السوداء السميكة، انحنى الحزن لعنفوان الصمت المهيب والحضور المبهر، انحنت الفجيعة أمام القلب الدامي بالآلم، لكنه آثر السكوت كي لا يتحول الى مشهدية تتناقلها الكاميرات الحشرية الوقحة، النهمة الى سكوب دمعة معلنة من عيون فيروز، وغارت العيون خلف السواد الصامت، تعلن امام النعش الخشب الذي فيه قطعة من قلبها أن “يا بني يا زياد دفنت شقفة مني معك…وأنا أصلي”… يا للأيقونة المتألمة، يا للطرحة المخرمة بالحزن النبيل، يا للسيدة التي حجبت حزننا على زياد بالخوف عليها، بدت جميلة فيروز، جميلة لفرط النبل والعنفوان المتدفق، والألم الجميل، وهل من جمال في كل ذاك الألم؟ وحدها فيروز تخترع لنا مشاعر جديدة، عبارات غير مألوفة، حكايات إنسانية متدفقة من حضورها، لأنها تسكن شغاف الناس، تحتل عمق مشاعرهم الإنسانية والوطنية، اشتقنا اليها لأنها تسكننا، تعيش فينا وبيننا ومعنا، وعندما أصابها المصاب الأليم، شعرنا أن الفاجعة هنا في بيوتنا، اشتقنا اليها بشكل هائل، لكن ما كنا نريد أن نراها في الحزن الشديد، وما كنا لنتوقع أن نشهد معها على دفن قطعة من قلبها، ودفنته…
وانتهى اليوم الحزين، وأقفلت الشاشات على وجه فيروز بالطرحة السوداء المطرزة بالألم، نحن قلنا لزياد الرحباني المسيح قام يا مبدع، والمبدعون يعيشون للأبد في ما أبدعوا فيه، لكن بقي وجه فيروز محفورًا بعناد الحب الحقيقي، معلّقًا على وجوه الناس، كيف ستمضي السيدة ليلتها ولياليها من دون زياد؟ كيرياليسون يا أم زياد، وأخالها ذهبت الى أم يسوع تركع وترتل لها ما أبدعه زياد من ألحان كنسية رائعة، “يا مريم البكر فقت الشمس والقمر”، ستقول ليسوعها “المجد لك أيها المسيح ابن الله”، ستخبر ربها أنها باقية على رجاء القيامة مع المسيح ونحن معك ربي “ساهرون ومصابيحنا مشتعلة”… وكيرياليسون يا فيروز يا الأيقونة المتألمة…
