
توقعت أن يدبك سمير جعجع في سهرة وائل كفوري مثلًا، لكن ما توقعت لحظة أن أرى الحكيم يتمايل مع 12 ألف شاب وصبية، على إيقاع موسيقى التكنو، في آخر ليالي مهرجانات الأرز الدولية! انتهت ليالي الحلم بين حنايا أرز الرب في بشري. ثلاث ليالي ساحرة بكل أبعاد الكلمة، ضجت في حنايا أرز الرب، لتحول المكان الى واحة ثقافية اجتماعية فنية شعبية اقتصادية بامتياز.
ثلاث ليالي من العمر بدأت مع فرقة مياس العالمية، وانتهت مع الـ “دي جي” العالمي Black coffee لتنقل المهرجان الى مكان آخر في فضاءات المهرجانات الدولية بكل ما للكلمة من معنى، أولًا من ناحية الاختيارات الفنية، وثانيًا التقنيات المتفوقة التي اعتمدتها شركةICE ، وثالثًا دقة التنظيم الذي، وإن تعثر قليلًا في أولى الليالي، لكن إدارة المهرجانات استدركت الهفوات غير المقصودة، واعتذرت من جمهورها وأقفلت على الثغرات التي من الطبيعي أن تحصل في مهرجان ضمّ كل ليلة أكثر من 12 ألف متفرج.
في ليلة فرقة مياس العالمية، دخل الحضور في حال من الانبهار والسحر، مع أجساد تمايلت على الأنغام واستحضرت جبران خليل جبران من عمق إبداعه العالمي، واستحضرت نسّاك الزمان من عمق كهوف وادي قنوبين، فارتفع البخور وارتفع جبران وارتفعت الموسيقى والرقص البلدي والدبكة والإيماء في مزيج فائق السحر والإبداع، وضمن استعراض مبهر جعله مؤسس الفرقة نديم شرفان، رسالة لبنانية عالمية عابرة لكل الأوطان، انطلقت من مهرجانات الأرز وستحط رحالها في الكثير من عواصم العالم.
في الليلة الثانية كان ساحر المسرح والصوت وائل كفوري. ماذا نقول عن ليلة وائل؟ من الصعب وصف قدرة وائل كفوري على اجتذاب أكثر من 12 ألف شخص، حضروا المهرجان وتحولوا جميعًا، جميعًا من دون استثناء، الى كورال مرافق لوائل وبصوت واحد! لا أظن أن فنانًا في لبنان توصّل الى هذه الدرجة العالية من التماهي مع جمهوره. في ليلة وائل لم نجلس الى كراسينا لنستمع، ساعتان وقوفًا صراخًا، تهليلًا، غناءً، صفيرًا، رقصًا، زغردة… كورس متواصل مع الصوت الرائع الذي طنطن في أرجاء الأرز المحاصر للمسرح، فعانق نسمات الجبل الباردة وعانق الأغصان المتمايلة طربًا، وعانق وعر المكان ليحوله الى نغمات حنونة صخبة متمردة تتفاعل معنا ونتفاعل معها بطريقة غير موصوفة بين فنان وجمهوره. وائل كفوري الذي كان يضطر أحيانًا لإبعاد الميكروفون حين يتجاوز الصوت حاله الى مساحات أبعد بكثير، أغرقنا بالطرب بالاستمتاع بالصوت الجبلي الهادر حينًا، الرومانسي الهامس أحيانًا، الى أن وصل الى ذروته حين أنشد موالًا خاصًا بالمهرجان، هدية من ابن زحلة لبشري “والبطل بشراوي”، فجنّ الحضور وارتفعت الأيادي والصراخ وإشارة القوات طبعًا طبعًا، خصوصًا أن الصوت المبهر بلغ ذروته وتراءى لنا أننا بحضرة صوت وديع الصافي وليس أقل. ليلة من أحلا الليالي على الإطلاق، لم تتمكن ستريدا جعجع من منع نفسها عن الرقص على وقع أغنية “قلتلا بحبك”، وطالبت بإعادة غنائها مرة ثانية واستجاب وائل وجنّ الجمهور من جديد. ولم يكن صوت وائل وحضوره وسحره هم فقط أبطال تلك الليلة، إنما الإضاءة المبهرة، الفائقة الجمال، وتلك التقنيات العالمية التي اعتمدت على خلفية غناء وائل، يا الله، روعة من الروعة فالروعة، مع كل أغنية تماهى سحر الصوت والموسيقى مع إضاءة حوّلت المسرح الى ساحة ألوان ورسوم تتناسب والأغنية، وذروة الإبداع عندما أنشد وائل أغنية “بدنا نعمر وطننا” فرقصت أرزة ما في منتصف المسرح، وكأنها أرزة حية وما عليك إلا أن تمد يديك وتلامس غصونها المقدسة، وكانت أعلام لبنان تحاصرها، ذروة الإبداع في الاضاءة والتقنيات مع شخص يقارب ستريدا جعجع في جنون العناد، لإنجاح تلك المشهديات، وهو صاحب شركة ICE.
أما آخر الليالي فكانت مع Black Coffee المخصصة للشباب والصبايا تحديدًا، والمفارقة أن تلك الليلة شهدت إقبالًا كبيرًا غير متوقعًا في الحجوزات، وفي خلال 72 ساعة تمكنت فرق العمل في الشركة المنظمة من إعادة هيكلة المسرح ليتمكن الحضور من التفاعل والرقص ومشاهدة اإانارة المدهشة والتقنيات الضوئية والصوتية العالية المرافقة، والتي حاصرت المكان من اتجاهاته كافة، و”الهدف من ليلة مماثلة ليلة Black Coffee ليست أبدًا مجرّد سهرة موسيقية عابرة، بل حملت معها رسالة واضحة أرادت لجنة المهرجانات إيصالها إلى كل بيت في لبنان وإلى كل شاب وشابة على هذه الأرض: أنتم لستم على الهامش، أنتم في القلب، في العمق، في أساس البناء الجديد لهذا الوطن. فكما احتضنت الأرزات على مرّ العصور رمزية الفولكلور والصمود والعراقة اللبنانيّة، ها هي اليوم تحتضن إيقاع الشباب، وتمنحهم المساحة ليقولوا كلمتهم ويرسموا مشهدهم الخاص”، قالت النائب ستريدا جعجع التي تمايلت مع الأنغام الافريقية كما تمايلت تلال جبل المكمل الشامخة وتمايل الحكيم. معقول؟!
معقول جدًا جدًا، الا نقول دائمًا إن الحكيم يخص الشباب بعاطفة مختلفة واضحة المعالم، ألم نقل مرارًا إننا نغار من الطلاب لأن الحكيم يحضنهم بطريقة مختلفة؟ رقص الحكيم معهم لوهلة ليقول لهم إن لكم الحياة فارقصوا على أنغامها الحقيقية لتكونوا أنشودة لبنان المستقبل ومواله الحرّ ودبكته المدوية على وقع الحرية والكرامة، هذه رقصة سمير جعجع مع الشباب والصبايا.
بقيت كلمة، كلمة صغيرة، من الخيانة والنكران ألا نقولها. ستريدا جعجع، مع الأيام تثبت الأيام أنك الجميلة، ليس بالشكل والثياب الأنيقة، وأنت كذلك وبتفوق أيضًا، أنت الجميلة لأنك مناضلة لأجل كل ذاك الحلا الساحق في قضاء بشري، ولأنك بكل ذاك العناد المتعب الجميل، حولت مهرجانات الأرز الدولية، مع الفريق المساعد وشباب وصبايا بشري المتطوعين لخدمة المهرجان، الى لبنان جميل حلو ناعم متحضر، مشع بالثقافة والحياة والازدهار، يا عنيدة صلبة حلوة من بلد الأرز.
