.jpg)
في مشهد بات يتكرر كل ليلة، تعود “موتسيكلات” الحزب لتجوب شوارع الضاحية الجنوبية، في استعراض مفضوح بعدما بدأت الدولة اللبنانية خطواتها العملية نحو حصر السلاح وفرض هيبة الدولة. في النهار، تسود الأجواء الهادئة، ولا يصدر عن الحزب أي موقف علني رافض لقرار الحكومة اللبنانية بتسليم السلاح غير الشرعي، ولكن ما إن يسدل الليل ستاره، حتى تبدأ جولة الاعتراضات المعلبة، في بقعة جغرافية محدودة تسيطر عليها “الدراجات النارية” أكثر من المنطق أو الواقع. هذه المساحة التي تجوب فيها “الموتسيكلات” التي تفتقد بمعظها للأوراق القانونية، يجري فيها كافة أشكال الاعتراض، “همرجة وتنفيسة وفشة خلق” بعد فقدان “الحزب” لفائض القوة، فيقفل اتباع وفيق صفا الطريق على أنفسهم، ويشعلون الإطارات على الطرقات، ويتنشقون دخانها الأسود الذي ينسحب إلى منازل مسؤولي “الحزب” وتتسلل إلى رواياهم، فتخرج من صدورهم تلك التصريحات السامة.
الاحتجاجات الليلية ليست عشوائية، يحركها أشخاص موالون للحاج وفيق صفا، المسؤول الأمني في الحزب، وهم لا يتجاوزون العشرات، لكن صوت دراجاتهم، وإشعال الإطارات، يضخم الصورة ويخلق وهمًا بوجود غضب شعبي واسع. في الواقع، تقول مصادر من داخل الضاحية إن هذه التحركات لا تلقى صدى حتى بين أبناء البيئة الحاضنة، الذين ضاقوا ذرعًا بالفوضى والإزعاج الليلي، ويعتبرون أن من يملك 100 ألف مقاتل لا يحتاج إلى “100 موتسيك” ليعبر عن موقفه.
اللافت أن هذه التحركات تقتصر على ساعات الليل فقط، مما يدل على غياب الجدية، وعلى أنها ليست أكثر من وسيلة “للتنفيس” الداخلي، ومحاولة لتهدئة بعض الأصوات الناقمة داخل الحزب نفسه، بعد شعورهم بأن الأرض بدأت تميد تحت أقدامهم، وأن معادلة “السلاح مقابل الاستقرار” لم تعد مقبولة لا داخلياً ولا خارجياً.
مصادر عسكرية تشير إلى أن الجيش اللبناني يضبط الأمور ضمن خطوط واضحة: لا مواجهة، لكن لا تجاوز للخطوط الحمراء. وهو ما يفسر اقتصار جولات “الموتسيكلات” على نطاق ضيق، منضبط بتفاهم غير مكتوب.
اليوم، وفي ظل التغيرات الإقليمية، وإصرار المجتمع الدولي على دعم سيادة الدولة اللبنانية، باتت هذه المشاهد الليلية تعكس مأزقاً حقيقياً أكثر من كونها استعراضاً للقوة. إنها شهادة على تراجع النفوذ، وفقدان السيطرة، ومحاولة يائسة لتذكير الداخل والخارج بأن “الحزب” لا يزال هنا، حتى لو بالصوت فقط، بعد أن تآكلت هيبته بسقوط سلاحه السياسي.