#dfp #adsense

يا مَن تحبّون سمير جعجع.. ماذا تَعَلَّمتُم منه؟

حجم الخط

سمير جعجع

المَسلَكُ المحفوف بالأَلغام، لا يُطِلّ عليه إلّا الوجه المُرصّع بالعنفوان، والرّوح المعجوق بأَمارات المواجهة، لتُكتب، عندها الرّوائع في صفحات النّضال. هي رموز النّار والجمر والتّراب والدّم، ينقلُها غَوصُ اللَّحم في الموت، من دون خوف، من العَتمة الى البَشائر، مصباحًا جليلًا يستمدّ زيته من جرأةٍ نابضة، أَبت أن تصمت لكي لا يُمطَر على الوطن رمادٌ وشَوك. سمير جعجع، الذي لم يستطع الرُّكام أن يكسَ جبينه، لم يسمحْ لليأس بأن يصفع أنفاسه، حتى بعد أن هجرتها رَيّات الشّمس. هذا الذي لم يلبسْ خلعات التَّشاوُف، على الرَّغم من انتمائه الى أُسْرة الضَّوء، تَلَقَّفَته جَوقات القلوب بطبعة المحبّة، أمينًا على النّقاء والنُّبل والشّجاعة، ِما له من عُلوّ المِنصّة في الفكر والوطنيّة والقيمة وعنفوان الرّوح.

سمير جعجع المُفَكِّر، التزم التأمّل السّليم، فكان معه، إيديولوجيا وحدة الفكر. وتأمُّله تبنّى بحماسة، قضية سامِية هي قضيّة الوطن والإنسان، وهي قضيّة لم تكن أبدًا، طقسًا شعائريًّا له طابع اصطلاحيّ يُدنيهِ من العشوائيّة. لقد كان سمير جعجع مسافرًا أبدًا، على بساط الرّيح الى الجزء الوطنيّ الصّافي، حيث سرّ الانتماء عيد، وغاية الولاء قداسة. إنّه الرُقِيّ الصّوفيّ وقد بلغ بالحكيم محطَّة التبصُّر في معرفة الله والذّات والوطن، وبهذا وحدَه، تبدأ رحلة الى حيث نور الله، الذي يَمنع الانسلاخ عن الحقيقة التي تَمتدّ ظلالها على النَفس، فتَتَرَقّى.

لم يقدّم سمير جعجع في النّضال الوطنيّ، رِجْلًا ويُؤَخّر أخرى، فمفهوم الالتزام معه، مصنوع ثابت من جرأة يرشح منها سحر الكرامة ونُضج العنفوان. والالتزام كامن في يقين الرَّجل، كُمون الإيمان في قناعاته، يُنعش روحَه بِتَمتَماته، فَيَلَذُّ لها، معه، طَعمُ التّضحيات. إنّ نضال الحكيم لم يكن باردًا، أو شحيحًا، لقد كان له فيه، شجرةُ نَسَب، من هنا، شَبَّت في مُفتاح حياته ثورة تعصى على الاتّباع والخضوع، فظفر منها، بما خاضت، بلسان صدق ينطق بحقائق ثلاث: أنّ النّضال في مسيرته، عنصرٌ كريم يُلتَزَمُ به، وأنّ لبنان لا يُربَطُ بَقاؤُهُ ولا تُصانُ كرامتُهُ إلّا بالنّضال، وأنّ هذا “المُقاتِل” الواثق بِصورة الوطن، أضاف بقتاله المُؤمن، ما روى ظَمأ النّضال الى التَّفاخر، واقتَرن اسمُه به.

لم يُرِدْ سمير جعجع الحياة زادًا من الجاه وقوّة شغفٍ بِحُطامِ الدّنيا، ولم يكنْ، في الوقت نفسه، فاصلةً محدودةً في العمل الوطنيّ، فظلال شجاعته، تَفَيَّأَتها حاجات الوطن الذي كان مع الحكيم غير قابل للقسمة أو للتصرّف. سمير جعجع الصّافي النَّبعَة والمُتمرّس بالنّبل، لم يَهنَأ بفُسحة فرح وبنظام أُنس، إلّا بعد أن أَلقى رَحلَه بين يَدَي الصّلاة والوطن، فانتقل من روح الى روح، ولم يَفُتْه طَورُ النّور. إنّ موقفه مع الإيمان، هو نفسُه، موقفه مع الوطن، ليس مَنحولًا، ولا اصطناعيًا، إنّه التزام بقضيّة ترفض مؤامرة الإِقصاء عن الوجود، والإِقصاء عن الحقّ في الحياة. لذلك، كان الصَّوت المسموع في مجالس استعادة كرامة الوطن، هذه التي اخضَرَّت، معه، بعد يبوسها، وعلى جدارها تَرك سمير جعجع بَصْمة لا تُمَّحى.

لقد آمن سمير جعجع الرّاجح الأَصالة، بأنّ الحياة أَبعد من أن تنتهي حيث يقول النّاس، فعبر فوق زمنها بتواصُل مُنفتح، قوامه رسالة الوطنيّة التي توقظ الخير في النّفوس. وهذا امتياز لا يقرَأ في كَرّاسة، إنّه هتاف الرّوح المولع بالوطن والمُحصَّن بالوفاء، والذي لا يقدر على إيقاظه إلّا البارعون من أهل الصَّلاح. في عالم النّضال للحريّة، اتُّهمَ الحكيم بالطوباويّة المثاليّة، لكنَ طوباويّته لم تكنْ تبحث عن فردوس مفقود، بقدر ما تَمَظهَرَت تجربة أنضجتها الحكمة الهادئة غير المُستَسلمة، والتي تطاولت على المستحيل واجتَنَت ثماره. سمير جعجع، لم يكنْ صاحب شراع ممزَّق في بركة لبنان المُتموجة، إنّه تَحَدٍّ موصوف استطاع أن يُنبت أجنحة أَمَل في أَنقاض النّفوس المقهورة، وقد دعا الناس الى مُشاركته هذا التَحَدّي، ونَجَح.

لم يستطعْ سمير جعجع المُطَعَّم بِعُروق الوطنيّة، أن يُميت نفسه شهيدًا، هو الذي تَحَرَّقَت عواطفه سكْرى الى الكرامة، والذي لم ينْضبْ تَغوُر حبّه المحتوم للأرض. لقد حاول البكاءُ أن يتطاولَ عليه فَعجز، لكنّه بكى سرًا، بكى شهداء هم كالماس لا يُصنعون بل يُبحث عنهم. وعندما أَخفى دمعه، فعلى لَباقة واحترامًا لِمَن سقطوا، حتى لا يتشَوَّهَ عرسُ دمهم بالنَّحيب. ما أَروع أن يُجعَلَ الوفاءُ مع الحكيم، كلسان الشَمعة، لا يخرج إلّا من صدع القلب.

وبعد، لا يمكن أن يُقارَبَ سمير جعجع إلّا بكَونِهِ الصدر الأَعظم من باب لبنان العالي.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل