#dfp #adsense

برّي أسير الماضي

حجم الخط

برّي

كلمة الرئيس نبيه برّي في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر ليست سوى إعادة إنتاج للخطاب نفسه الذي عطّل لبنان لعقود. خطاب يخلط بين شعارات الدستور وواقع خرقه اليومي. فحين يتحدث برّي عن “الاستراتيجية الدفاعية تحت سقف الدستور”، يتجاهل أن الدستور واتفاق الطائف معًا لا يعترفان بأي سلاح خارج الشرعية. التمسك بالسلاح غير الشرعي هو انتهاك مباشر للدستور، وأي دعوة إلى الحوار من دون الالتزام المسبق بهذا المبدأ ليست سوى مناورة لإبقاء الاستثناء قاعدة.

الاستراتيجية الدفاعية التي يروَّج لها برّي سقطت منذ زمن، بعدما استُهلكت حتى تحولت غطاءً للتعطيل والتوازنات الوهمية. ومع التحولات الكبرى منذ العام 2023، مرورًا باتفاقية وقف إطلاق النار في العام 2024، وصولًا إلى قرارات الحكومة في 5 و7 آب من العام 2025، دخل لبنان مرحلة جديدة. مرحلة “الاستراتيجية السيادية”، التي تعني سلاحًا واحدًا بيد الجيش، ودولة واحدة بقرارها، ودستورًا مطبّقًا لا مرفوعًا كشعار. هذه المرحلة حسمت خيار اللبنانيين، ولا رجعة عنها. والمفارقة الصارخة أن من أطاح بالدستور عمليًا، ونسف كل الحوارات السابقة، هو نفسه من يرفعه اليوم شعارًا أجوف يتاجر به سياسيًا.

أما حديث بري عن “خطاب الكراهية”، فلا يصمد أمام الواقع. فمصدر الكراهية والتخوين هو “الحزب” الذي يشيطن كل مخالف، ويتهم اللبنانيين بالعمالة، ويهددهم بالحرب الأهلية بخطاب ديني كربلائي يزرع الفتنة في صميم المجتمع. بهذا يتضح أن خطاب الوحدة الذي يروَّج له ليس سوى مشروع انقسام.

برّي وحليفه “الحزب” يقدّمان السلاح على الدولة ويغرقان لبنان في القتل والعنف باسم ما يسمّونه “الوحدة الوطنية”. فمنذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005 وسقوط شهداء ثورة الأرز، مرورًا بأحداث 7 أيار وانقلاب القمصان السود، وصولًا إلى غزوة عين الرمانة، لم يتوقف الثنائي الشيعي عن استخدام القوة لفرض إرادته على اللبنانيين وتقويض أسس الدولة. والمفارقة أنّهم طوال هذه الفترة، يرفعون شعار الوحدة الوطنية لتبرير ممارساتهم.

أما اتهام برّي الآخرين بالرهان على العدوان الإسرائيلي، فهو تضليل صريح. فمن استجلب على لبنان حروبًا مدمّرة هو الثنائي الشيعي نفسه. وهو من قتل آلاف اللبنانيين عبر مغامرات عسكرية بلا قرار من الدولة ولا قدرة لها على تحمّل تبعاتها. ولأهداف إقليمية طائفية، زُجّ بلبنان في حرب عارضها معظم اللبنانيين. وحين انتهت بخسائر فادحة، عاد أصحاب السلاح يروّجون أوهام الانتصار ومنطق الغلبة. والحقيقة أن هذا المحور الذي تلطّى خلف شعارات “المقاومة”، راهن في الخفاء على أن إسرائيل لن توسّع الحرب، ليخرج أقوى داخليًا ويثبت سيطرته. لكن الحسابات سقطت والقراءة كانت عمياء، فإذا بالرهان ينكسر، والنتيجة قوّة بلا مخالب، عاجزة عن فرض إرادتها كما في الماضي.

والأدهى أن برّي يتعامل مع قضية السلاح وكأنه طرف محايد، متناسيًا أنه كان جزءًا في المفاوضات التي انتهت إلى ما يشبه وثيقة استسلام للثنائي مع إسرائيل في لحظة تاريخية فارقة. واليوم، يظهر بموقع “الزوج المخدوع”: بعد كل إشاداته بآموس هوكستين وصفاته الحميدة، تبيّن أن الاتفاق لم يكن إلا كما أرادت إسرائيل، التي نالت ما تريد وتركت الثنائي غارقًا في ذلّ وعار أمام جمهوره. إسرائيل تسرح وتمرح وتقصف وتقتل في الجنوب والبقاع كما تشاء، فيما يواصل الثنائي التمسك بصفقة خاسرة، يحاول اليوم ترميمها بحوار جديد لا هدف له سوى إنقاذ ما تبقى من سرديات النصر والمقاومة.

هكذا، يتضح أن لبنان الجديد لم يعد أسير معادلات الماضي ولا رهينة خطاب الوصاية والسلاح. اللبنانيون حسموا خيارهم: لا سلاح إلا سلاح الدولة، لا سلطة إلا سلطة المؤسسات، ولا حوار إلا على قاعدة الدستور المطبَّق لا المرفوع كشعار. صحيح أن المخاض عسير، لكن الولادة باتت أقرب من أي وقت مضى. والعبرة اليوم هي في التنفيذ: تطبيق القرارات السيادية، دعم الجيش كدرع وحيد للوطن، وتحويل السيادة من شعار إلى ممارسة يومية. وحدها دولة القانون، كاملة السيادة، بلا أعذار ولا استثناءات، هي التي تفتح الطريق أمام لبنان ليخرج نهائيًا من حلقة التعطيل والانقسام.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل