
لست، هنا، في معرض رثاء، فزمنُ بكاء الوطن وَلّى… ولكن: من وجدانٍ مصلوب فوق حزن من لحمه، ومن قلب يَنثر أجزاءه فوق مُسَجّاكم، ومن صوت تآكَلَتهُ غَصّات الدّموع، ومن ألَم يُنذر بِفقدان الرُّشد أَسًى، مُكرهٌ أنا على الكتابة، وقلمي، كفُؤادي، مُشَظًى…
أيّها الرّفاق الشّهداء، يا عُشّاق النّضال فداء عن لبنان، لقد سقَطتم شهداء لتجعلوا من دمائكم وليمة لكرامة الوطن وشعبه، حتى لا يَطمرنا وَحل الأرض.
لقد سَقطتم لئلّا تنهار تطلّعاتُ شعبٍ تائق الى وطنٍ حرّ، لا تُحبَطُ فيه أحلام أَجياله بغد يعشق الحياة.
إنّ استشهادَكم هو مَلمحُ الاستقلال الحقيقي، الذي يرسّخُ بالتّمام، ثقافة الانتماء الى وطن، وهكذا، أعَدتم، علنًا وبحروف من دم، إيماننا باستعادة هذا الوطن مُعافًى، مِمَّن اختطفوه، وكَبَّلوا عَطشه للحياة، وزجّوا به في جهنّم.
إنّ استشهادَكم هو انكشاف الحجاب عن يوضاسِيّين معروفين، جرّعوا لبنان مُرَّ الموت وجعلوا من جراحه معرضًا، ورَمَوه في كفن ينزفُ رمادًا.
لقد أردتم استشهادَكم حتى لا يَيبَسَ النّشيد فوق الشّفاه، مُدافعين عن كرامة وطن أرادوه سلعة لقطّاع الطُّرُق، قابعًا في عصر القبليّة والغوغاء، عصر النَّهب والفساد والعمالة والخيانة، ليتحوَّلَ الوطن غنيمةً تَتناتشُها أنياب الخِزيِ والعار، ورَقمًا في جدول القَتل.
كنتم وَعد الغَد الآتي، فرفضتم أن يحوّلوكم مشروع اختناق بالموت. لقد ناضلتم، في القوّات اللبنانيّة المُعانقة للوطن، لينعم البلد بالعدل والحرية واحترام الحقوق، لأنكم عِرق من عُروق هذه البلاد، لذلك، أنتم لستم في عُزلةٍ مُتَوَغِّلةٍ بالبُعد، إنّكم لنا، فُسحة نور تُنعِش فينا قواميس البطولة، والاندفاع للتضحية في سبيل الحقّ والحريّة واسترجاعِ الكرامة.
إنّ استشهادَكم رحلة في زمان لبنان، تختصر بطولات لم يُخالطْها زَيف، وهو المرجع الوطنيّ لإعادة تأهيل ولائيّة، بعد أن كان الولاء شريدًا وبحاجة الى وكالة غَوثٍ، فصمَدتُم لتزرعوا في الحناجر والقلوب هُتافًا واحدًا هو: “لَبَّيكَ لبنان”.
ثِقوا، يا أَغلى المُتَرَحِّلين عنّا غَصبًا، بأنّنا لن ندع القَتَلَةَ يبيعون شهادتَكم في سوقِ السّكاكين المأجورة، ولن نكتفي بِتَمتَمة مراثي الحنين، وبالبكاء تحت انسحاق قلوبنا بِدَمع صنعه الحزن والشّوق، فاستشهادُكم أَمطر علينا شَمسًا، وجعل حزننا جريئًا، وحوَّل شلّال أَسلاكنا جواز عُبور الى النّور، وعلَّمَنا ألّا نكسر جباهنا بالذلّ.
ثِقوا، يا رفاقَنا شهداء “القوات اللبنانية” الأحبّاء، بأنّ نكهة دمكم الذي سال لافتداء لبنان، سيبقى طَعمُها في وجداننا والضّمائر، فاستشهادُكم تَحوَّل خبزنا الموعود، فَبِه، لم نَعُدْ وَقْفَ الشّيطان، لأنّه جعلَنا نؤمن بأنّ اليوم الثالث موجود.
ثِقوا، أيها المُتماهون بالوطن، أنتم مداميك ثوابت السيادة، والنّقلة النوعيّة لتأسيس وطن لا يتنازل عن مُثُلِه، علَّمتمونا أن نرفض بربريّة القمع والرّضوخ، ونحنُ على الوعد، نُكمل النّضال حتى لو اضطُرِرنا الى كتابة فصل الكرامة، مجَدَّدًا، بالحبرِ الأحمر.
يا أحبّاءَنا، لن أقولَ: عَبَرتُم الى الخلود، بل الخلودُ عَبَر الى حيثُ أنتم، ليمسحَ جبينَه بالقيامة…