#dfp #adsense

جعجع يحتضن الطائفة الشيعية.. معًا لحماية الكيان

حجم الخط

جعجع

قدّم رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع في معراب خطابًا يتجاوز الإطار الحزبي للمناسبة إلى خطاب دولة بمعناه الكامل. خرج من لغة تسجيل النقاط السائدة في البلاد إلى لغة تأسيسية تحدد وجهة المسار الوطني في لحظة إقليمية وداخلية حساسة. الرسالة المركزية كانت واضحة وبسيطة في آن واحد. الدولة هي المرجعية الوحيدة للسلاح والقرار والشرعية. وأي مشروع خارجها يجر البلد إلى مغامرات عبثية. هذه الخلاصة لم تُطرح كشعار تعبوي بل كحجة سياسية أخلاقية تحاكي العقل والوجدان معًا، ومعها أعاد التأكيد بالثوابت التي رافقت مساره: الطائف، حصرية السلاح بيد الدولة، وانتظام المؤسسات.

تميّز خطاب جعجع أولًا بأنه خاطب الجماعة الشيعية بوصفها مكونًا مؤسسًا في الكيان لا خصمًا سياسيًا. نفى سردية أن السلاح غير الشرعي يحمي الشيعة، وأكد أن الشيعة ابنٌ أصيل للدولة وأن كرامتهم وأمنهم من كرامة لبنان وأمنه. هنا تتبدد الهواجس من باب الاحترام والشراكة لا من باب المناورة. لم يُجرِ تدويرًا للزوايا أبدًا، بل مضى في منطق صريح: يدٌ ممدودة للمصالحة الوطنية تحت سقف الدستور والجيش والحكومة والقضاء، وثبات كامل على المبدأ. واستحضر وصايا الإمام محمد مهدي شمس الدين عن اندماج الشيعة في أوطانهم بلا مشاريع موازية، واستذكر شيعة جبل عامل بوصفهم ركنًا تاريخيًا وفكريًا في الهوية اللبنانية، بما يحمل من إرث فقهي وثقافي يُعيد ربط السلوك السياسي بالعقل الديني الإصلاحي لا بالأدلجة العمياء.

ثانيًا، بُني خطاب جعجع على منطق متماسك يربط بين الواقع الميداني والنتائج السياسية. اعتبر أن استمرار السلاح الموازي لم يعد يحمي أحدًا بل صار ذريعة جاهزة لاعتداءات خارجية وتوتير داخلي دائم. طرح السؤال البديهي: هل يقوّي هذا السلاح موقع لبنان أم يعزله؟ الإجابة جاءت عبر الوقائع لا عبر الشعارات. من هنا حدّد بوصلة المراحل المقبلة بنظرة الواثق من خياراته: قرار حكومي صريح بحصر السلاح، انتخابات في موعدها، وإحياء الشرعية من باب المشاركة المدنية لا من بوابة فائض القوة. وعلى خط العلاقات الخارجية، بحث العلاقات الندية مع سوريا في إطار المستقبل الجديد للبلدين، دولة لدولة، ترسيمًا للحدود، تعاونًا أمنيًا مشروعًا، وإلغاء ما تبقّى من مخلّفات الوصاية، بما يعيد التوازن الطبيعي بين جارين لا وصاية بينهما.

ثالثًا، استعاد جعجع سردية المواجهة المستمرة التي راكمتها القوات منذ عقود لتثبيت خط سياسي واحد في مختلف الظروف. رفع السقف يوم كانت الموازين ضده، وها هو اليوم، وهو في موقع المنتصر سياسيًا وأخلاقيًا، يمد اليد من غير تنازل عن المبدأ. ثابتة الخط لا تعني تصلّبًا، بل شجاعة مراجعة الوسائل مع الحفاظ على الغاية: دولة سيدة عادلة جامعة. في هذا السياق استشهد بقولٍ للإمام علي ليحاكي عقل طائفة طغى على منطق بعض ساستها منطق الأدلجة العمياء، مؤكّدًا أن الاحتكام إلى العقل والعدل هو طريق العيش المشترك، وأن الشرعية لا تُصنع في الخنادق بل في المؤسسات.

رابعًا، منح خطاب جعجع حيّزًا خاصًا للشباب. دعاهم إلى استعادة الثقة بالسياسة وبقدرة الصندوق على التغيير. شدد على أن المعركة المقبلة هي الانتخابات النيابية في موعدها، وأن الشرعية تولد من المشاركة لا من السلاح ولا من الفراغ. هنا ينتقل الخطاب من التشخيص إلى التعبئة الإيجابية: من لغة الشكوى إلى لغة الفعل، ومن ذاكرة الحرب إلى مشروع دولة حديثة تقيس قوتها بفاعلية مؤسساتها لا بضجيج سلاحها.

خامسًا، لفت الحضور والمشهدية التنظيمية الأنظار بقوة. الرمزية كانت مدروسة: تكريم الشهداء رُبط بمعنى الدولة لا بمنطق الثأر. مشاركة رجال دين وشخصيات سياسية ونقابية وثقافية أعطت الحدث طابعًا وطنيًا جامعًا. تنظيم صارم ورسالة بصرية موحّدة تقول إن السياسة يمكن أن تكون منضبطة وتحترم العقول. في بلد يعتاد الفوضى، بدت معراب وكأنها تقدم بروفة لنظام عام ممكن.

يُسجّل لخطاب جعجع أنه خاض أعقد ملف وهو ملف السلاح من زاوية وطنية بحتة، فلم يختبئ خلف كلمات ملتبسة، ولم يُساوم، ولم يُدوّر الزوايا. دعا إلى قرار واضح بحصر السلاح بالمؤسسات الشرعية، ولم يشيطن البيئة التي تحتضن “الحزب”، بل قدّم لها مخرجًا كريمًا: اندماج كامل في الدولة، مساواة في الحقوق والواجبات، واستعادة أمنٍ لا يرتهن لسلاح موازٍ. وهنا تكمن قوة الرسالة: يد ممدودة بلا تنازل عن المبدأ؛ حزم بلا استفزاز؛ حوار على قاعدة القانون لا على قاعدة الأمر الواقع.

بهذا المعنى، ما قيل في معراب خطاب استراتيجي تأسيسي: يثبّت الثوابت، يطمئن مكوّنًا قلقًا بلا تهيّب من قول الحقيقة، يرسم بوصلة المراحل المقبلة بثقة هادئة بخياراته، ويضع شباب لبنان أمام موعد مع السياسة بوصفها فعل أمل. مضمونًا وأسلوبًا وحضورًا، أوحى الخطاب بأن السياسة اللبنانية ما زالت قادرة على إنتاج خطاب وطني يضبط العصب ويحمي العقل ويفتح باب الخروج من النفق نحو دولة ممكنة.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل