#adsense

ملامح التحوّلات الكبرى ورهانات المرحلة المقبلة

حجم الخط

لبنان والعالم العربي

يقف الشرق الأوسط في أواخر العام 2025 عند مفترق حاسم. ما يبدو من أحداث متفرقة – من الضربة الإسرائيلية في الدوحة إلى النقاش الأممي حول حلّ الدولتين، ومن الترتيبات الجديدة في سوريا إلى الضغوط المتواصلة في لبنان – ليس سلسلة وقائع معزولة. إنه مسار متكامل يُعاد من خلاله رسم خريطة النفوذ وتوازن القوى، داخليًا وإقليميًا ودوليًا. هذا المسار يتجه نحو ثلاثية واضحة: ضمانات أمنية خليجية ـ أميركية أوسع، تهدئة فلسطينية قابلة للحياة، واتفاقات إبراهيميّة تتوسع لتصبح منصة اندماج اقتصادي وسياسي.

الهجمات الإسرائيلية على الأراضي القطرية لم تكن حدثًا أمنيًا عابرًا. لقد شكّلت صدمة استُثمرت لدفع واشنطن نحو رفع مستوى التزاماتها الدفاعية في الخليج. الرياض والدوحة رأتا فيها فرصة لتثبيت معادلة ردع جديدة تعيد الثقة بالدور الأميركي في مواجهة إيران وحلفائها. أما واشنطن فتنظر إلى الخليج باعتباره أكثر من محور طاقة أو استثمار. إنه قاعدة التوازن الأهم في أي إعادة صياغة للنظام الإقليمي.

نجاح هذه المعادلة يتطلب تحويل التعاون الدفاعي والاستخباراتي إلى منظومة ردع فعلية. أما فشلها فيترك المجال مفتوحًا أمام ضربات عابرة للحدود تقوّض الثقة وتزيد الهشاشة. وإلى جانب البعد الأمني، تربط الرياض والدوحة هذه الضمانات بمشاريع اقتصادية ـ تنموية ضخمة تحتاج إلى مظلة استقرار عسكري لحمايتها وتسويقها أمام الرأي العام كخيار يحمي الأمن والازدهار معًا.

وعلى الرغم من أن الخليج يُقدَّم ككتلة متجانسة، إلا أن التمايز بين أدوار العواصم لا يمكن تجاهله. السعودية تقود الدفع الاستراتيجي نحو شراكة أمنية ـ اقتصادية شاملة. قطر تحاول موازنة موقعها بين الوساطة والضغط الخارجي، خصوصًا في ملف حركة ح. أما الإمارات فتمضي بسرعة في مشاريع الاتفاقات الإبراهيمية وممرات الطاقة والتكنولوجيا. هذه الفوارق تضيف طبقة جديدة من التعقيد على مسار الضمانات الأمنية الأميركية.

في موازاة ذلك، يبرز الدفع الخليجي نحو قرار أممي يؤكد حلّ الدولتين. القرار غير ملزم، لكنه يمنح غطاءً سياسيًا للعواصم العربية لتبرير خطوات تطبيع إضافية مع إسرائيل. غير أن المشهد على الأرض يبقى هشًا. ملفات القدس والضفة والحقوق الفلسطينية ما زالت معلّقة، تجعل من حلّ الدولتين إطارًا تفاوضيًا أكثر منه واقعًا مضمون التنفيذ. النجاح هنا يعني تثبيت مرجعية تفاوضية تعطي الاتفاقات الإبراهيمية شرعية أوسع. أما الفشل فيحوّلها إلى مجرد ورقة تجميلية لا تمنع الانفجار.

مستقبل حركة ح. يظهر كأحد الملفات الأكثر تعقيدًا. الضغوط الإسرائيلية ـ الأميركية على الدوحة دفعتها للتفكير في تقليص حضور قيادة الحركة على أراضيها، ما يفتح الباب أمام انتقال مركزها السياسي إلى تركيا أو عواصم أخرى. أي تراجع قطري في احتضان الحركة يعني تضييقًا إضافيًا على الحركة، ووضعها أمام خيارين: إما الانخراط في مسار سياسي يواكب حلّ الدولتين، أو العودة إلى موقع المقاومة المعزولة.

لكن الأمر لا يقتصر على بعد خارجي فقط. أي تغيير في موقع الحركة سيترك أثرًا مباشرًا على الداخل الفلسطيني. فالتراجع عن دورها المقاوم قد يثير انقسامًا داخل القاعدة الشعبية في غزة والضفة، بينما الانخراط في المسار السياسي قد يضعها في مواجهة امتحان الشرعية أمام الشارع الفلسطيني والفصائل الأخرى. وفي المقابل، ترى إسرائيل أن أي إضعاف لحركة ح. يفتح المجال أمام السلطة الفلسطينية لاستعادة دور تفاوضي، لكنه قد يخلق فراغًا أمنيًا إذا لم يُدار بحذر. نجاح الأطراف الدولية في إعادة هندسة موقع الحركة قد يشكّل مدخلًا لتوسيع دائرة الاتفاقات الإبراهيمية. أما الفشل فيُبقي غزة بؤرة انفجار دائم تعطل أي تسوية إقليمية.

أما سوريا، فهي تدخل مرحلة حكم لامركزي غير معلن. الضغوط الأميركية والإسرائيلية تدفع باتجاه صيغ تُقلّص سلطة المركز وتمنح الأقليات كالأكراد والدروز أشكال حماية خاصة. المشهد أقرب إلى إدارة أمر واقع لا إلى تسوية نهائية: وحدات شبه منفصلة تديرها تفاهمات إقليمية ودولية متشابكة، مع دور تركي محوري في الشمال.

في هذا السياق، يشكّل تراجع النفوذ الروسي تحوّلًا بنيويًا. فموسكو لن تنسحب بالكامل، إذ مصالحها الاستراتيجية، خصوصًا قواعدها البحرية، تفرض عليها البقاء. لكنها ستنتقل من موقع “صانع الملوك” إلى لاعب مضطر للتفاوض والتنازل للحفاظ على ما تبقى من نفوذ في بيئة دولية لم تعد لصالحه. في العمق، تسعى طهران إلى حماية خط إمدادها عبر العراق وسوريا نحو لبنان. في المقابل، ترى قوى كبرى أن استقرار سوريا شرط لنجاح الممرات التجارية التي تتنافس عليها واشنطن وبكين ونيودلهي.

تركيا بدورها تتحرك خارج المشهد السوري أيضًا. فهي تستثمر في مشاريع الطاقة والممرات البرية ـ البحرية التي تربطها بالخليج وأوروبا. وتوظف حضورها في الناتو وعلاقتها المتذبذبة مع واشنطن وموسكو لتعزيز موقعها كقوة لا يمكن تجاوزها. أنقرة تدرك أن موقعها الاستراتيجي يمنحها أوراقًا تفاوضية مضاعفة في أي صياغة جديدة للنظام الإقليمي.

لبنان حاضر أيضًا في هذه اللوحة. الضربات الإسرائيلية المركزة ضد “الحزب” تتزامن مع دعم أميركي متزايد للجيش، في محاولة لجعل المؤسسة العسكرية الضامن الوحيد للاستقرار والمدخل لأي تسوية سياسية. المشهد اللبناني أصبح اختبارًا حيًا: هل يمكن أن يتحول الضغط الخارجي والدعم الدولي إلى فرصة لاحتواء سلاح “الحزب” تدريجيًا ضمن منطق الدولة، أم أن الاستنزاف المستمر سيبقي لبنان ساحة مواجهة مفتوحة تهدد كل ترتيبات الإقليم؟

وهنا تكمن أهميته: لبنان ليس ملفًا محليًا معزولًا، بل ميزانًا دقيقًا لكل مسارات المنطقة. نجاح النموذج اللبناني في تحويل الدعم الخارجي إلى فرصة لبناء دولة قادرة يعني إعطاء شرعية عملية لكل الرهانات الإقليمية. أما فشله فيُفقد النظام الجديد إحدى ركائزه الأساسية.

الاتفاقات الإبراهيمية بدورها تجاوزت مرحلة المبادرات الدبلوماسية. لقد تحولت إلى إطار لبناء شبكات اقتصادية وصناعية عابرة للحدود. الحديث اليوم لم يعد عن تطبيع سياسي فقط، بل عن مشاريع طاقة وممرات تجارية وتكنولوجية تربط الخليج بإسرائيل والبحر المتوسط. في هذه الساحة الاقتصادية العالمية، تتنافس الولايات المتحدة مع الصين على النفوذ، فيما تحاول أوروبا أن تجد لنفسها مكانًا عبر بوابة الطاقة والاستثمارات. نجاح هذه المشاريع يعني فرصة لتثبيت “سلام بارد” يتحول تدريجيًا إلى تكامل اقتصادي. لكن هشاشة البيئة الأمنية تجعل هذا المسار عرضة للانتكاس عند أول تصعيد كبير في غزة أو لبنان.

أما إسرائيل، فهي على الرغم من حضورها كقوة عسكرية وسياسية في هذه المعادلات، تواجه تحديات داخلية متصاعدة: انقسامات سياسية ـ اجتماعية، احتجاجات حول قضايا الهوية والدين والدولة، وضغط أمني مزدوج على الجبهتين الشمالية والجنوبية. هذه الأزمات تجعل قدرتها على الاستفادة من الاتفاقات الإبراهيمية أو فرض وقائع جديدة في فلسطين محكومة أيضًا بمحدودية الداخل.

إيران تواجه بدورها مرحلة استنزاف مركبة. نفوذها يتراجع في سوريا ولبنان والعراق تحت وطأة الضغوط العسكرية والدبلوماسية، لكنها لم تخرج من اللعبة. طهران تتأقلم عبر وكلاء أقل كلفة، وأدوات سيبرانية، وتفاهمات تكتيكية مع قوى دولية كروسيا. غير أن ورقتها الأثقل تبقى ملفها النووي وبرنامجها البالستي. بهما تحاول إبقاء واشنطن وأوروبا في دائرة التفاوض.

التصعيد النووي والصاروخي ورقة مساومة لتحسين شروطها في مواجهة العقوبات. بالتوازي، تحاول فتح منافذ اقتصادية مع الصين وروسيا، لكنها تدرك أن التأقلم هش لأن الاستنزاف الخارجي يتقاطع مع الداخل: أزمة اقتصادية خانقة، تراجع العملة، واحتجاجات اجتماعية متكررة. قدرة النظام على المناورة الخارجية مرهونة بصلابته في الداخل. إدارة ناجحة قد تبقي لها أوراق تفاوضية، أما الفشل فيهددها بعزلة خانقة تدفعها نحو مغامرات خطيرة.

في المحصلة، تُعاد صياغة المنطقة على قاعدة جديدة: أمن خليجي برعاية أميركية، تهدئة فلسطينية مشروطة، واتفاقات إبراهيمية تُطرح كمنصة اندماج اقتصادي. لكن هذه القاعدة هشة. فأي خطأ تكتيكي – ضربة غير محسوبة، انفجار في لبنان، أو فشل لامركزية سوريا – قادر على نسفها. الرهان اليوم ليس على إغلاق ملفات النزاع، بل على إدارة الأزمات ضمن سقف يمنع الانفجار ويتيح بالتوازي بناء شبكة مصالح اقتصادية ـ أمنية أكثر استقرارًا.

المنطقة أمام فرصة تاريخية لصياغة توازن طويل الأمد. لكن المخاطر تبقى كامنة دائمًا، وأي إخفاق في إدارة هذه المرحلة سيعيد الشرق الأوسط إلى دوامة عنف لا تقل قسوة عن المراحل السابقة.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل