.jpg)
ملهمة مي شدياق لا شك في ذلك. من يريد تلقي الدروس الصعبة بالصمود والمثابرة حتى النجاح المبهر، عليه أن يتعرف الى سيرة تلك السيدة. الكل يعرف من هي ومن تكون وما حصل معها، واعداؤها يعرفون عنها حتى أكثر من الأصدقاء والمعجبين. أقول “أعداؤها” لأن من يتابع صفحاتها وما يكتبه هؤلاء بسطور الحقد غير المسبوق عليها، يجعلهم أعداء للإنسانية برمتها وليس أعداءها فقط، وليس مجرد أخصام في السياسة بطبيعة الحال. لن أكتب عن الجريمة الإرهابية في محاولة اغتيالها في ذاك الـ25 من أيلول المروع من العام 2005، الكل يعرف تفاصيل الحكاية، ويعرف أسباب الاغتيال، اذ لم يتحملوا أن يستمعوا الى إعلامية تملك هذا الكم من الجرأة، ذاك الكم من قول الحقيقة مهما كانت صعبة، واجهت مي الاحتلال السوري عبر صوتها وحضورها وضيوفها ولذلك حاولوا اغتيالها، نعرف ذلك تمامًا، ولكن ما يجب ذكره أن من فجرّها يومذاك، وزّع البقلاوة على شرف دمائها وأشلائها، كما فعلوا تمامًا حين اغتالوا صديقها جبران التويني وغيره من قياديي ثورة الارز.
عجقت في تلك الأيام على محال الحلويات وخصوصًا البقلاوة، احتفلوا بألآمها وظنوا أن عملية اغتيالها نجحت، وأن مي ماتت وسكت أخيرًا الصوت الحر، وطلعت البقلاوة ع الفوفاش، إذ عاشت مي ونجت بأعجوبة غريبة، ولو مات من جسدها الكثير وتناثر مع الجسد “الناقص” الكثير من الروح التي غلبها عذاب العمليات الجراحية المتكررة والتي تجاوز عددها على مرّ السنين الأربعين عملية، إضافة الى يد ورجل مستعارتين، لكن عادت مي وانتشلت من الموت حياتها، ومن اليأس نضالها وعادت مي القوية المناضلة المواجهة للاحتلال السوري والايراني، عادت الأنيقة الجبارة القوية التي لا تقهر، فكان القهر من نصيبهم!
يلمع الخاتم الماسي في يد مي البلاستيك. وبهذه اليد تمامًا كتبت مي سطور حياتها من جديد، هذه مفارقة. أنيقة العصا التي تتكئ عليها مي لتسند الرجل البلاستيك وتتغير بحسب الفساتين الأنيقة التي ترتديها، من يوم يومها أنيقة حتى أصغر التفاصيل، وبتلك العصا حفرت مي لنفسها درب نجاح غير متوقع، وهذه أيضًا مفارقة. خرجت مي من المستشفيات الى العمل مباشرة، أكملت لبعض الوقت مسيرتها الإعلامية عبر برنامجها الشهير “بكل جرأة”، ثم تركت الشاشة الصغيرة لتلتحق بحلمها الكبير، فأنشأت مؤسستها الإعلامية التدريبية الرائدة، MCF وانطلقت عبرها الى الاعلام العالمي والعربي، حيث تكرِم سنويًا شخصيات إعلامية رائدة ومعروفة في العالم، وحيث تطل مي شدياق بأثوابها البراقة لتعلن انتصارها على الإرهاب وثقافة الاغتيال وتمجيد الموت لأجل الظلام، وتتحدى كل ما حصل معها، وترفع يدها البلاستيك التي يعيِرها بها بعض التويتريين الموتورين والفايسبوكيين السفهاء، وتعلن بتلك اليد تحديدًا المزينة بخاتم الماس، الانتصار على التجربة بقوة المسيح.
هذه حكاية سيدة تدرّس في علم النفس وفي سيرة المناضلات، وفي حكايا السيدات اللواتي صنعن عبر التاريخ، سيرة نجاح قوامها التجربة الصعبة، الألم الفائق، الانكسار المريع، سيدات انتفضن من أرض الهزيمة الجرداء القاحلة، الى فسحات خضراء زرعنها بتجربتهن الرائدة، بعذابهن الشخصي، بنضالهن، والأهم الأهم بعنادهن وإصرارهن على النجاح على الرغم من كل شيء. مي شدياق حطّمت تلك الـ “رغم كل شيء”، وخرجت من تجربتها الصعبة لتصنع مجدها الشخصي، ولتعلن تجربتها المتفوقة ورسالتها الذهبية البراقة كخاتمها، بأن لا شيء مستحيل ما دامت الإرادة موجودة، وأن من حاول أن يقتل الجسد، انتصرت عليه الروح قبل أن يعود الجسد متعافيًا حتى لو كان “ناقصًا”، علمًا أن هذا النقص بالتحديد كان نقطة الارتكاز للوصول الى ذروة النجاح، اذن هو التحدي. وهذا ما فعلته مي شدياق، تحدّت نفسها وتحدّت قاتلها شخصيًا والذي تعرفه بالاسم والوجه، وأعلنت عليه الانتصار. ملهمة سيرة مي شدياق وتستحق التوقف عندها دائمًا والامتثال بها، وأهم الدروس من تلك التجربة العميقة الصعبة، أن لا تيأسوا، لا تتراجعوا عن أحلامكم. إجعلوها محققة وليس مؤجلة، وان من كان الرب معه فمن عليه. المهم أن نلتقط رسالة الرب ونمشي معه على الطريق. تفوقت مي شدياق على نفسها قبل تفوقها على قتلتها، وأكبر انتصار لها أنه منذ لحظة تفجيرها، مات القاتل وعاشت مي.
