
أربعون عامًا و”الحزب” يعمل بلا هوادة على خطف المكوّن الشيعي، ليس فقط عبر ترسانته العسكرية، بل من خلال أخطر سلاح امتلكه: الأدلجة الفكرية وغسيل الأدمغة الجماعي. فهو نجح باستيلاد ذاكرة جماعيّة جديدة للمجتمع الشيعي مستندة إلى عقيدة مذهبيّة، يختلف الفقهاء الشيعيّون أنفسهم حول مدى تطابقها مع الحقائق التاريخية. لقد حوّل الطائفة من مكوّن حضاري منفتح، غني بالتجارب الفكرية والثقافية، إلى جماعة أسيرة عقيدة حزبية – مذهبية مغلقة، تقدّس العنف وتشرعن الولاء للخارج وتستبيح الدولة ولا تعترف بالآخر المختلف إلّا إذا استزلم لقناعاتها ونفّذ مشروعها. فالسلاح يزول بصفقة أو تسوية، لكن الأدلجة التي زرعها “الحزب” في المدارس، في الحسينيّات، في الإعلام، وفي تفاصيل الحياة اليومية، لن تزول بضربة واحدة.
لقد صدر قرار حكومي بحلّ التنظيم العسكري ونزع السلاح، لكن السؤال الجوهري يبقى: ماذا نفعل بعقول أُشبعت بالدعاية، وأجيال رُبّيت على ثقافة الكراهية والارتهان لمحور إقليمي؟ كيف نستطيع تنقية الذاكرة الجماعيّة الشيعيّة وإعادتها إلى حاضنة الكيانيّة اللبنانيّة؟ أم أنّ الأوان قد فات وعلينا البحث في كيفيّة التعامل مع جسم غريب في قلب الكيانية اللبنانيّة؟ وهل يستطيع النّظام السياسي، المتعثّر أساسًا، أن يواكب هذه الحالة الشاذّة؟
نؤمن تمامًا أنّ محاربة الأدلجة الفكرية لا تكون إلّا بالفكر. ولكن الاشكاليّة تكمن في المنطَلَق الذي يجب أن ينبثق منه هذا الفكر. فبحسب الفيلسوف كارل بوبر (Karl Popper) في كتابه The Open Society and Its Enemies يقول:
“The open society is one in which men have learned to be to some extent critical of taboos, and to base decisions on the authority of their own intelligence.”
يعني أنّ المجتمع المفتوح يتطلّب من الأفراد أن يكونوا ناقدين للتابوهات (الممنوعات الفكرية) وأن يعتمدوا على تفكيرهم الذاتي، لا على السلطة أو التقليد.
هذا القول يثبت أنّ المنطلق الأساسي يجب أن يكون من قلب البيئة المؤدلجة نفسها، من خلال الاعتماد على التفكير الذاتي. ولعلّ هذه المسألة بحاجة إلى نضج تفكّريّ كبير وبعيد من الخوف أو الترغيب. وما يطمئننا كلبنانيّين كِيانيّين ضنينين بأن يكون لبنان الجديد بتعدّديّته الكيانيّة كاملة من دون أيّ نقصان، هو أنّ هذين العاملين قد تقلّصا كثيرًا؛ ولا سيّما بعد التغيّرات الجيو ـ استراتيجيّة التي حدثت في المنطقة. بانتظار التغيير الجيو ـ سياسي الكبير المرتقب في منبع هذا الفكر. عنيت هنا الجمهوريّة الاسلاميّة في إيران، حيث لا يمكن لهذا النّظام أن يستمرّ وسط محيط متغيّر بالكامل.
كذلك، ما نجح جزء من المجموعة الحضاريّة الشيعيّة بالقيام به هو كشف الافتراضات التي وصلت مع منظومة “الحزب” الفكريّة إلى بديهيّات، من مثل: “أنّنا كشيعة لسنا عرب ونحن خلقنا هنا لنستشهد ضدّ إسرائيل”، كفريضة دينيّة مذهبيّة، ولقاء مكاسب غيبيّة لا وجود لها بالمطلق. “وهذا ما بنى عليه المفكّر ميشيل فوكو (Michel Foucault) مقاله “So is بعنوان: it important to think?”:” الذي قال فيه:
“Thought does exist, both beyond and underneath systems and edifices of discourse. … Criticism consists in uncovering that thought and trying to change it: showing that things are not as obvious as people believe, making it so that what is taken for granted is no longer taken for granted.”
ما معناه أن جزء من محاربة الأدلجة هو أن ننقّب تحت الخطاب الظاهر، نكشف الافتراضات التي تُعتبر بديهية، نجعل المحسوم منه محلّ تساؤل. وهذا ما جعل كلّ ما هو محسوم بالنسبة إلى هذه البيئة موضعًا للتساؤل بعد نتائج حرب الاسناد. فصار السؤال المشترَك في قلب البيئة الشيعيّة المنضوية فكريًّا تحت لواء الخمينيّة الفكريّة: هل نحن كشيعة في لبنان محتوم علينا الموت دائمًا ضدّ إسرائيل؟
وهنا بيت القصيد. لقد بدأت هذه الصحوة الفكريّة لكنّها بالطبع تتطلّب منّا جميعًا كلبنانيّين صبرًا وطنيًّا ريثما يعبر هؤلاء كلّهم إلى البرّ اللبناني من جديد. وهذا وحده ما سيحرّر هذه البيئة. ولعلّ النمذجة الحضاريّة مع باقي المكوّنات الحضاريّة في لبنان قد تؤسّس لحالة من التمرّد الفكري وسط هذه البيئة. وقد بدأنا نشهد نواتها تكبر في انتخابات العام 2022. وأعتقد أنّ كرة الثلج هذه ستكبر أكثر في انتخابات العام 2026؛ ولكنّها لن تكون الضربة القاضية. فبنهاية المطاف الأمثلة في لبنان والعالم لا زالت راهنة أمامنا من مثل الفكر القومي الذي لا يزال موجودًا في لبنان، وحتّى الفكر النّازي الذي لا يزال موجودًا في ألمانيا. لكن وطأة هذه الأفكار تندثر مع الزمن.
في كتاب Notebooksللمفكّر أنطونيو غرامشي (Antonio Gramsci) يُعرّف مفهوم الهيمنة (hegemony) باعتبارها السيطرة الثقافية ـ الفكرية التي تمارسها الطبقة الحاكمة من خلال المؤسّسات، واللغة، والتعليم، والإعلام. وهنا مكمن الخلل الوطني في هذه الثقافة الفكريّة الخمينيّة التي لا تشبه الثقافة اللبنانيّة. ثقافتنا مطبوعة بصبغة تعدّديّة تقوم على الاعتراف والقبول بالآخر، لا على محاربته ونبذه أو جعل قبوله مشروطًا بأوراق تفاهم ذمّيّة كتلك التي وقّعت على مذبح رئيس الملائكة في 6 شباط من العام 2006.
ويُبيّن غرامشي أهمية “المثقفين العضويين” (organic intellectuals) الذين ينشأون ضمن فئات اجتماعية غير النخبة، والذين يمكن أن يساهموا في تشكيل وعي نقدي بديل يُقاوم الأدلجة السائدة”. هؤلاء الذين يجب أن ندعمهم ونفتح لهم مساحاتنا الفكريّة ليشعروا بالحرّيّة والأمان فيقولوا الحقيقة مهما كانت صعبة. وعندها نكون قد ساهمنا بالردّة اللبنانيّة لجزء من المكوّن الحضاريّ الشيعي الذي لا زال حتّى الساعة يكابر ويفاخر بانتمائه الايديولوجي على حساب مواطَنَتِه ولبنانيّته.
فـ”الحزب” لم يكتفِ بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، بل قاوم فكرة لبنان نفسها. وجعل من الطائفة الشيعية رهينة مشروع إيراني توسّعي، وفرض عليها هوية بديلة تُلغي تنوّعها التاريخي وتختزلها في صورة “المجاهد” المطيع لولاية الفقيه. لقد نجح في قتل روح النقد، وإلغاء التعدّدية، وزرع عقليّة ترى في الدولة خصمًا وفي السلاح قدرًا مقدّسًا. ولكن الواقع الذي اصطدم به كذّب هذه السرديّة، ولا سيّما بعد موجة النّزوح الأولى حيث لم يجد الشيعة لهم أيّ مأوى إلا وسط البيئة التي قاتلوها وقتلوها.
الحقيقة والواقع يكمن في محاربة هذه الأدلجة بمواجهة صدامية شاملة وليس بالمسايرة أو بالسكوت تحت ذريعة نظريّة “البيئة المجروحة”. الوطن بأكمله مجروح لأنّ الوطن بالنسبة إلينا لا يستثني أحدًا من أبنائه. فعندما واجه بعض أصحاب هذا الفكر الكيانيّة اللبنانيّة في محاولة لوأدها في مهدها في مجازر عين إبل في 5 أيّأر بعد مؤتمر وادي الحجير في 24 نيسان من العام 1920، أتاهم الرّدّ في الأوّل من أيلول باحتضانهم في لبنان الكبير.
نعم، تفكيك هذه المنظومة الفكرية أصعب من نزع السلاح، لكنه وحده الكفيل بتحرير الطائفة من أسر “الحزب”، الذي لم يحتلّ الجنوب فقط، بل احتلّ العقول، واستبدل الهوية الكيانيّة اللبنانيّة بعقيدة أيديولوجية قاتلة. المطلوب اليوم أن نعلنها صراحة: الحرب ليست على السلاح فقط، بل على الثقافة التي جعلت من السلاح إلهًا يُعبد. ومن الدّين سيفًا على رقاب أتباعه. فالدين حرّيّة وقناعة وإيمان. والهويّة الوطنيّة هي شرف نحمله كلّنا كلبنانيّين مختلفين في وحدتنا ومتّحدين في تنوّعنا.
لبنان الجديد مطالب تربويًّا بإقفال كلّ المؤسسات التربويّة التي ما فتئت تضخّ المناهج الأحاديّة على حساب قيم المواطنة، وعلى رجال الدّين المتنوّرين أن يكسروا الاحتكار الديني لمرجعيّة الطائفة الشيعية الكريمة ويرجعوا هذه المرجعيّة إلى لبنانيّتها أوّلًا. وعلى وزارة الاعلام والمجلس الوطني للإعلام ومحكمة المطبوعات أن تلعب دورها الحقيقي في كسر ماكينة البروباغندا الدعائيّة التي ضخّت سموم المشروع الإيراني في لبنان.
أمّا سياسيًّا فأعتقد أنّنا قطعنا شوطًا كبيرًا في كشف زيف شعارات “الحزب” أمام جمهوره أولًا، وأثبتنا بالممارسة أن مشروع الدولة أقوى وأكثر كرامة من مشروع الميليشيا. هذه الميليشيا التي رأت ظلّها على جدار الكهف. فظنّت أنّ هذا الظلّ هو الواقع. كما أشار إلى ذلك أفلاطون في كتابه الجمهورية (Republic)، من خلال مَثَل الكهف (Allegory of the Cave)، يَصوّر الناس في الكهف الذين يرون ظلال الأشياء على جدار الكهف، ويظنون أن هذه الظلال هي الواقع الكامل. فحين يخرج أحدهم إلى الضوء ويرى الحقيقة، يشعر بأنّ واجبه أن يعود وينبّه الآخرين إلى أنّ ما يرونه ليس إلا ظلًا.
فالناس غالبًا ما يتبنون صورًا وأفكارًا مفروضة عليهم، والفلسفة والتعليم الحقيقيين يدعوان إلى التحرّر من الأدلجة عبر المعرفة والعقل لرؤية الحقيقة. أمّا إذا أصرّ هذا الجسم الغريب على غرابته، وليس فرادته، وسط الكيانية اللبنانيّة، فلن يستطيع النّظام السياسي، المتعثّر أساسًا، أن يواكب هذه الحالة الشاذّة. لذلك يصبح من الحتميّ التفكير في صيغة جديدة تسمح لمَن يريد الحياة أن يعيش. أمّا من يريد الموت فليمُت وحدَه خارج الكيانيّة اللبنانيّة!