
من كفرعبيدا كانت بداية رفيق شاهين، الذي ترعرع وسط بيئة مسيحية مؤمنة وصلبة، استمدّت الكثير من صلابة أرض لبنان. عندما اتخذ قراره بالمقاومة، لاقى ترحيبًا كبيرًا من أهل البلدة. لكن، إلى جانب شخصية رفيق المناضلة، كان هناك رفيق آخر عاطفي وحنون وطيّب.
عاش معظم أعوامه الـ19 وهو يعاني من مرض الربو، لكنه في السادسة عشرة من عمره تحدّى نفسه، فحمل بندقيته وجُعبته متوجّهًا إلى “كتائب” كفرعبيدا، واستُقبل بترحيب كبير من أهل البلدة. سمع أن الوضع في فنادق بيروت وأسواقها التجارية مقلق، وكمعظم شباب العام 1976، انبرى للدفاع عن وسط العاصمة التي اعتبرها قلب لبنان. اتخذ اجراء احترازيًا، فسلّم رفاقه في كفرعبيدا ساعة وخنجرًا و”بونية” ومسبحة وصليبًا خشبيًا، والأهم رسالة من بضع كلمات قال فيها: “يا رفاقي، ممكن ما ارجع بقى… تركت لكم أغراضي المتواضعة، تقاسموها وتبقوا تذكروني. بس أمانة، وصلوا هالساعة لإمي الغالية وخليها تدعيلي…”
منذ العام 1975 تنقّل رفيق بين الجبهات، بدءًا من الشمال وصولًا إلى الأسواق التجارية في بيروت، وكان شعاره: “أوعى توقَع بالأسر، الأسر يعادل الاستشهاد بمئات المرات”. و”الخرطوشتان” لم تفارقا جُعبته، ففي حال فرغت الذخيرة، كان يختار الموت بالخرطوشتين على أن يقع أسيرًا.
تميّز رفيق برجولته وشهامته وقيمه واندفاعه، وربما هذا ما أدى إلى استشهاده. ففي 1 تموز من العام 1976، كانت مجموعته متمركزة في منطقة الفنادق، حيث الحدود عبارة عن شارع يفصل بين بنايتين: يوم تكون مع “الكتائب” ويوم ضدها. وكان على كل شاب أن يغطي مكان الآخر وألا يتركه شاغرًا. قرّر أحدهم قطع الطريق ليتمركز في مكان آخر، وإذا برصاصات القنص تُصيبه ويسقط أرضًا. عندها، استيقظت رجولة رفيق ولهيب عينيه يحترق من بعيد وهو يركض للإنقاذ. لم يخف، لم يتردّد، ولم يتراجع، بل تابع طريقه والرصاص يرافقه كخياله، حتى وصل إلى منتصف الطريق وحاول سحب رفيقه عن الأرض، فأصابته رصاصة في قلبه، لتدق دقاته الأخيرة ويسقط فوق رفيقه.
لم يعلم أن من ركض لينقذه لم يمت، إذ إن استشهاد رفيق ألهى القنّاص، فكُتب لذلك الشاب عمر جديد.
استشهاد رفيق في ربيع العمر أحرق قلوب أهله، وخصوصًا والدته التي صرخت: “يا دَلّي… اخترب بيتي ببيروت! راح ابني… أنا بعرف، بيروت خطفته مني”. والمفارقة العجيبة أن رفيق شاهين وُلد في 1 تموز من العام 1957 واستُشهِد في 1 تموز من العام 1976.
ربما ارتاحت نفسه عندما أطلق شقيقه يوسف على ابنه اسم “رفيق”، وهو اليوم أحد قيادي “القوات اللبنانية”، حاملًا اسم عمّه وقناعاته ورجولته، وها هو يكمل طريقه ويسير على خطاه… أجيال تتابع أجيال.
