#dfp #adsense

أغناطيوس مالويان.. ما كان قائدًا صليبيًا

حجم الخط

مالويان

مالويانمالويانمالويانمالويان

“يا أبتِ أغفر لهم لأنَّهم لا يعلمون ماذا يفعلون”.

مسترسلٌ أنت في إهدائك صكوك الغفران لصالبيك وهم مسترسلون في عملية بحث وتحرِّي عن أسباب جرمية جديدة تبرِّر مطاردتهم لكَ في كلِّ مشتبَه به أنَّه من خاصَّتك. أليس للمساقين إلى هوان المسالخ زادٌ إلاَّ لحم أجسادهم المكشوف حتَّى العظم عقابًا على رفضهم الجحود بكَ. تواريخ الصَّلبِ نزفٌ متواصل منذ صدور قرار الحكم بصلبك والصَّالبون في شتَّى مذاهبهم وأطيافهم وأعراقهم يستندون إلى استعدادكَ مجدَّدًا لأمدادهم بمجَّانية المسامحة مُبرَّرين بجهلهم ما ارتكبوه ويرتكبونه وسيرتكبونه!

من ساحة أورشليم إلى ساحة ماردين سريَّة الجلادين حاضرة لمواكبة قوافل الكفرة حتى حتفهم الأخير جزاءً لما تزندقوا وكفروا… من كُفر يسوع النَّاصري بحرّاس السَّبت والدين إلى كفر أغناطيوس مالويان، فإنَّ العسس كتيبةٌ واحدة، والقوَّامون على الصِّراط المستقيم ملَّة واحدة. أسقف أبرشية ماردين وأبناؤه المنزَّهين عن الوهن الإيماني إنَّ إيمانهم إيمان بولس ومثله لا يعرفون يسوع المسيح وإيّاه إلاَّ مصلوبًا ولم “يشبَّه لهم أنَّه قد صلِبَ”… فحلَّل الظَّلاميون لعقولهم الظلامية الاشتباه المفتعل بأنَّ راعي رعية ماردين وشعبه هم من بقايا الصَّليبية والصَّليبيين!!

 

ما بين أرمينيا وآراميا

ماردين. سيفو. طور عابدين. المثلَّث الذَّبيح كأنَّه فجيعة المذبوحين: “إنَّنا لأجل أسمكَ نُمات النَّهار كلَّه وكغنمٍ قد حسِبنا للذبح”… ما أحقَّهم أرمن البيعة المجاهدة وسريانها برفع السؤال الأحقِّ الأخطر: يا غافرًا للمستبيحين حياتك وحياتنا حتَّى متى تدوم صلاحية مكارم غفراناتك سارية المفعول كبطاقة تسهيل مرور التديُّن الإجرامي إلى أعناقنا وأرواحنا وأعمارنا وعمراننا. نحن نخوة المعترفين بك أمام النّاس أجمعين كيف يتم استخدام دمائنا موادًا تنظيفيَّة تنظِّف الجنَّة مِن كلِّ قائلٍ ما قلته أمس وما تقوله اليوم وغدًا: “أنَّ في يوم القيامة لا يزوِّجون ولا يتزوَّجون بل يكونون كملائكة السَّماء” ! أرمينيا المقدَّسة أقداس أول مملكة اعتمدت بميرون الماء والروح والنار واعتنقت المسيح في أصدق وأنبل وأعمق تفاسير المسيرة المسيحية منذ ذلك التَّحذير الملائكي ليوسف: “قم خذ الصبي وأمه واهرب بهما إلى مصر”. كم مِن هيرودس طارد ويطارد أرمينيا من يوم لبس ما البسته العذراء ليسوع يوم ولادته داخل مزوده الأرمني عام 301 !

طوال أيام وأسابيع وأشهر أهوال وفظائع وتفظيعات سنة 1915 وعتاب ذلك الوحيد المتروك من الجميع يرتفع صوتًا وصورةً بين ماردين وسيفو وطور عابدين: “إلهي إلهي لماذا تركتني” !

أرمينيا أولى قارئات العهد الجديد بين ممالك الشرقين محكومة بموقع جغرافي ما أشبهه بموقع يسوع واقفًا وسط جلاَّديه… جورجيا شمالها، أذربيجان شرقها، إيران جنوبها، وتركيا غربها. هي بلاد ما بين البحرين، البحر الأسود وبحر قزوين ووجهتها جنوب بلاد القوقاز في مقاربةٍ زمنيَّة بين جبلين تلازما والتزما الفداء: جبل أورشليم وجبل أرارات!

1915 بحسب التقويم الأرمني تستغيث وتنادي المعلَّق عريانًا بين خسوف الشمسِّ وتصدُّع حجاب الهيكل: انتزع قميصكَ من أيدي المقترعين عليها واستر بها أجساد أمَّهات وبنيَّات أرمنيات سريانيّات مرفوعات فوق صلبانكَ وصلباهنَّ عرايا، وليس من فيرونيكا تمسح بمنديلها عرق الخجل عن وجه تاريخٍ تلوثَّ بعثمانيَّة سحنات سلاطينها وباشاواتها محتارة الشبَّه بين أشباه بشر وأشباه وحوش هم أحفاد وأتباع أورطغرل مؤسس سلطنة الإبادات الجماعية واغتيال الحضارات والسَّير في جنازتها، وكما في جبل لبنان ودمشق أعوام 1842 و1860، كذلك في ماردين وسيفو وطورعابدين  عام 1915، وأنَّ التهاون في مطاردة تلك الحقبة العثمانية الملطًّخة بحقبات نيرون وجانكيزخان وتيمورلنك سيعريّ محاكم العدل الدوليَّة وشرعة حقوق الأنسان من أعلامِها وإعلامها!!

شكرالله ملكون مالويان

عائلة ملكون وجميلة مالويان حلَّت عليها نعمة ميلادية تكاملت فيها عائلة الأتقياء بمولود وجهه الملائكي وجه البشائر بين أخوة خمسة وأخت وحيدة. تاريخ الولادة كان شهر نيسان 1869 لكنَّ تحديد يوم ولادته جاء متناقضًا بين أن يكون 8 نيسان أو 15 نيسان أو 19 نيسان، لكنّ الأهم بأن الوالد ملكون والوالدة جميلة ومن شكرهما لله على اكتمال النَّفس الجديدة بنفس ذلك السؤال :

“مَن يكون هذا الصبّي ويد الربِّ عليه”.

الوالدان ينتميان إيمانيًا وطقسيًا ورعويًا إلى الكنيسة الأرمنية الكاثوليكيَّة المؤسَّسة بتبشير برتلماوس الرسول منذ أول انتشار المسيحية. حبَل الأم جميلة بضناها شكرالله لم يتكوَّن بحسب عدد الأشهر التسعة بقدر ما كان عددًا مفصليًا محسوبًا على آية: “لا تخافوا فشعور رؤوسكم كلَّها محصاة” ورأس المغبوط شكرالله في التَّسلسل الزمني للرؤوس المرفوعة شهادة للرب والأمم مزمع أن يرث جسده أجساد يوحنا المعمدان واسطفانوس أول الشهداء والأخوة المسابكيين ورهبان دير سيدة مشموشة حزيران 1860 وسائر الذين لا ولن يستقيم الصِّراط إلاَّ إذا أريقت دماؤهم حوله !!

 

أغناطيوس الشهداء مالويان أرمينيا

شكرالله الممتلئ صفاءً إيمانيًا وصلابة رجاء، تربَّى وسط عائلة هي أشبه بجماعة ديرية تسعى إلى ملكوت الله ووجهه في أبراره. عند بلوغه ربيعه الرابع عشر تمنَّى على والديه منحه رضاهما وبركتهما للانضمام إلى تلامذة المعلم الرب المدعوين إلى صيد النفوس للخلاص، الوالد ملكون لم يتردَّد فاصطحب فلذة كبده إلى جبل لبنان قاصدًا بلاد العاصية كسروان قارعًا بوابة حصن دير سيدة بزمّار قلعة الأمَّة الأرمنية اللبنانية الكاثوليكية وكان ذلك عام 1883. داخل الإكليريكية الأرمنية البزمّارية انفتحت على فتى ماردين نوافذ عنصرة العلوم الكهنوتية ودروسها ساعيًا إلى شهاداتها شهادة  لنيله إجازةً ليست كبقية الإجازات يسعى لأجلها الطّامحون في بلوغهم فهم أسرار السماويات تلك التي حازها الأبرار والصدِّيقون والمعترفون والشهداء. 1896 كانت سنة ميرون الكهنوت وسمًا ليدَي الآتي مِن ميراثٍ مسيحانيٍّ هو أكليل من أكاليل الشوك داخل بلاد ديار بكر. يوم عيد تجلِّي الرب 6 آب 1896 وقف الشماس  المالوياني بحضرة البطريرك اسطفانوس بطرس العاشر أزريان يرفعه إلى رتبة رافعي الذبيحة الإلهية ومقدِّسي خبزها وخمرتها وحبر السيامة الكهنوتية باسم الرب يسوع يخاطب الموسوم بميرون  الأفخارستي: “أنَّك كاهن إلى الأبد”.

والكاهن الجديد يتسمَّى على أسم القديس أغناطيوس الأنطاكي النوراني الشهيد متتبِّعًا جمالات أقدام المبشِّرين يرسِّخها بين بزمّار والإسكندرية والقاهرة والقسطنطينية ليعود إلى مهد ولادته ماردين. عام 1911، انعقد المجمع المقدس للكنيسة الأرمنية الكاثوليكية في مدينة روما حيث تم انتخاب الأب أغناطيوس مالويان أسقفًا على أبرشية ماردين ساهرًا يقظًا على أمانة كنائسها في صدر أبويٍّ أسقفيٍّ يتَّسع لأبنائه وشعبه ضمن منطقة ملتهبة ألتهاب الجمر تحت الرمّاد، ومحاصَرة بالقضاء والقدر!!

 

مذبوحٌ من يوم ولادتي

هذا هو الشِّعار القرار السِّلاح الذي تمنطق به أسقف الأمَّة الأكثر تطبُّعًا بنبؤات آشعيا عن الذي “صار جرحًا من أعلى الرأس حتى أخمص القدمين لأجل معاصينا”.

1914، التحق السلطان العثماني الطَّاغيَّة محمد الخامس رشاد بن عبد المجيد بقاطرة الحرب العالمية الأولى الثابتة في الذاكرة الشرق أوسطية الجماعية بلقب “حرب سفر برلك”. تلك السنة راز المطران أغناطيوس كتفيه ملهَمًا بأنَّ صليبًا مقبلٌ إلى كتفيه وزنه ذات وزن ذلك العرير المجنزر القديم: “أصلبه أصلبه”. الشَّمس الجلجليّة تنخسف مرة أخرى وديار الأرمن والسريان تتحول إلى جلجلة لا حدود لها وجمعة عظيمة لا تنتهي أيامها… مسامير الصَّلب الجماعيِّ ترنُّ على صلبانها رنَّة ألحان التَّرانيم الأرمنية والسريانية. مثلَّث ماردين سيفو وطور عابدين آية: “لا تخف أيها القطيع الصَّغير لأن أباكم قد سُرَّ بأن يعطيكم الملكوت. انهالت العروض على راعي الرعية الذبيحة للنفاذ بجلدِه وأبواب اللجوء مفتوحة أمامه إلى أيَّة سفارة بابويَّة أو دولة أوروبية، فلم يكن لعظيم شهداء البيعة المعلَّقة على خشبة وثلاثة مسامير إلاَّ جواب واحد يساوي به دماءه بدماء أبنائه المساقين إلى قوافل الإعدام: ” أنا مذبوحٌ من يوم ولادتي”!!

 

قد تمَّ كل شيء

3 حزيران 1915 تمَّ تكليف فرقة من رعاع الإنكشارية السلطانية ربط يدي المطران مالويان بسلاسل الحديد وجرجرته إلى المحكمة العرفية مع سبعة وعشرين من أعيان طائفة الأرمن الكاثوليك الماردينيّة وهناك ذاقوا ما ذاقه معلمهم يوم صعوده إلى موته… وحل بهم ما حلَّ بشهداء المسيحية الأولى داخل ملاعب وحوش أباطرة روما الوثنية… الكاهن المطران يصلَّي على ما تيسَّر من خبز ويوزِّعه قرابين على نيِّفٍ وأربعمئة وسبعة أربعين سيقوا مثله إلى مسالخ التَّعذيب والتنكيل بتهمة انتمائهم الأرمني المعاكس للمنزَل والمقدَّر والمكتوب…

غمامة بيضاء تهبط إلى زنزانة أولئك المبغوضين لأجل أسم يسوع يفوح منها عطر وردي يظلل الأجساد المسحولة المسحوقة، وكأنَّ أجواق الكاروبيم والشَّاروبيم تختار من الأنغام أرمنيَّتها وآراميَّتها لتتضمَّخ كلِّ ما تصلِّيه وترتِّله الكنيسة الجامعة الرسولية!!

وسط صحراء عثمانية الرَّمل والقحط والأخلاق والتوحُّش ها هو العنوان اللامع بين أضواء عناوين كنيسة أرمينا برتلماوس الرسول يقف كعمود من ضياء والسفَّاح العثملِّي ممدوح بيك يحثَّه على الجحود بذات الذي جحد به بطرس في حالك ليلة الصَّلب لكنَّ المطران أغناطيوس مالويان وهو العالم الأعلم بأنَّ “النُّطق بالشهادتين”  ليس مقبولاً ولا مستجابًا تحت تهديد النَّاطقين بأحكام الإعدام… حثَّ أحبَّاءه المحيطين به التشبُّث بالرب المصلوب فداءً عنهم حتى لو اختبروا صلبًا كصلبه وعلِّقوا على صلبان كصليبه… جواب أغناطيوس مالويان للرعاعي مأمون بيك ممثل السلطنة العثمانية كان قرأه فصلاً من رسالة استشهاد بولس نابغة رسل عقل المسيحية وفكرها: “حياتي هي المسيح والموت ربحلي”…

من حضارة ماردين 11 حزيران 1915 إلى حاضرة فاتيكان تقديس أحد 19 تشرين الأول 2025!!!

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل