
كان متوقعًا هذا السيل من السباب وازدياد الصراخ من حول معراب وحول مَن وما تمثل، حتى قبل أن يدلي الدكتور سمير جعجع بما أدلى به، جريًا على عادة الممانعين وفروعهم الذمية من المسيحيين عونيين وباسيليين وإقطاعيين، أطلقوا على أنفسهم اسم “مردة” على خلاف تاريخ ومسار المردة الموارنة الأولين، حيث أن الصراخ والسباب الممانع والذمي: العوني ـ الباسيلي ـ الإقطاعي، له ما يبرره من أوجاع المسلة التي نعرت إبط المنكشفين بعد سقوط أغطية النظام الساقط في سوريا حافظ وبشار الأسد، ويبدو أنه ما زال معشعشًا في الضمائر الميتة لجماعة “ضرورة اعتذار اللبنانيين من نظام الأسد” كما تأكد في دفاعات الذميين، ويبدو أنه ما زال محتلًا لقلب أخيه غير البيولوجي في زغرتا، منسحبًا دفاعًا مستميتًا عن “العم” بشار وإفرازاته في لبنان، مهاجمًا رئيس أكبر كتلة مسيحية ووطنية في المجلس النيابي.
من الطبيعي أولًا أن نسمع صراخ من لفظتهم مجتمعاتهم بسبب مواقفهم وأدائهم، لصالح من يتهمون ويرجمون اليوم. كيف لا وذاكرة اللبنانيين ما زالت تسجل على “منتحل المردة” قوله أمام فوز نجله الهزيل في دائرته الضيقة زغرتا الزاوية: “زمطنا بريشنا”.
ومن المسلّم به أن يوجع كلام الحكيم بعد شلالات الانتصارات التي أحرزتها “القوات اللبنانية” انتخابيًا، نيابيًا، بلديًا، نقابيًا وطلابيًا، الساقطَ في تلك الاستحقاقات الشعبية التمثيلية، عقابًا لتياره وردًا عليه من مؤسسه ورئيسه، الى أصغر شتّام وسباب على مواقع التواصل الاجتماعي، ومن الطبيعي أن رئيس “الشتامين” لم يقرأ لا بالشكل ولا بالمضمون أي حرف من حروف خطاب الدكتور سمير جعجع السيادي ليبرر ما كان يدعّيه مؤسس التيار ميشال عون في “عزِّ دولته”، مترئسًا حكومته العسكرية، سعيًا حثيثًا لحل الميليشيات بالقوة العسكرية، وهذا ما فعله حصرًا من دون أي خجل أو وجل من حرب أهلية مسيحية ـ مسيحية بين الأخ وأخية ليفتح خطوط تماس المنطقة الحرة لميليشيات النظام السوري وذخائرها وأسلحتها ومسلحيها دعمًا له، وختامًا إسقاطًا لخطوطها الحمر التي حافظت عليها طيلة 15 عامًا بفضل “المقاومة العسكرية” التي استهدفت في الـ1990 والتي يستهدفها وريثه اليوم كمقاومة سياسية ديمقراطية استطاعت أن تعبّر عن وجدان مسيحي ولبناني سيادي، عبّر عن عرفانه لها بالجميل في المحطات المذكورة.
وبعد أن اكتشف المسيحيون السياديون زيف ادعاءات الحالة العونية الذمية بعد توقيع تفاهم مع الميليشيا المسلحة المتبقية في 6 شباط من العام 2006، بدأت المحاسبة في انتخابات العام 2009 وكرّت سبحتها وتوسعت ترجماتها في الاستحقاقات اللاحقة، وقد عبر معترفًا شتام اليوم جبران باسيل بعد انتخابات العام 2009 وتحديدًا في 8 حزيران بما يدور في ذهنه: “قمنا بخيار سياسي لم يتبعه الناس ولم تفهم نتائجه، سوف يجري كل فريق قراءة لما يحصل ويستخلص العبر اللازمة منه. من الممكن أننا لم نعط العناية الكافية لمعالجة مخاوف الناس”.
كما لم ينزعج، من دغدغ مشاعر وغرائز اللبنانيين عامة والمسيحيين على فكرة البدلة المرقطة الشرعية بوجه الميليشيات غير الشرعية، من خطاب نعيم قاسم أمين عام الميليشيا التي تأخر حلها أكثر من خمسة وثلاثين عامًا، لتبقى الميليشيا الوحيدة الحصرية الرافضة لحصرية السلاح بيد الدولة بقواها الشرعية، ويبدو أن السيادي المزعوم لم يتنبه الى أن قاسم قالها بالفم الملآن على الرغم من خراب البلاد وقتل العباد “لن نسلّم السلاح”، مهددًا بقية اللبنانيين متماهيًا مع باسيل وفرنجية وبقية الفلول …
طبعًا إن من استمع الى قداسة البابا على ما دعانا اليه متلون المواقف، لغايات انتخابية تحالفية مع “الحزب” من أجل حفنة من الأصوات، لسمع وأسمع باسيل وفرنجية ما قاله قداسته من دعوات نزع السلاح من القلوب والأيدي والدعوات للحوار توصلًا الى السلام بين الأعداء مقابل خطاب الكراهية التي ما انفك “الحزب” وذميوه يبثوه ويوزعوه ويوجهوه باتجاه إخوانهم في الوطن بمسيحييه ومسلميه في بيئاتهم ومجتمعاتهم المختلفة… وردًا على ادعاء باسيل المزعوم عن “تهديد السيّد (سمير) جعجع بقطع الرؤوس والتخلّص من البقايا والرواسب، أيها المسيحيون، أيها اللبنانيون، ماذا تختارون”؟، اخترنا لجبران باسيل والعونيين والذميين متملقي “الحزب” وسلاحه ما نقلته في 17 تموز من العام 2010 صحيفة “السفير” عن النائب العماد ميشال عون دعوته “الحزب” لاجتياح المناطق المسيحية لقلب الطاولة وفرضه (أي عون) رئيسًا للجمهورية، ذلك أن عون أبدى تخوفه من سيناريو دراماتيكي، تتداخل فيه عناوين المحكمة وإسرائيل والداخل اللبناني، ويتمثل ذلك في تحضير بيئة سياسية داخلية للقرار الظني عبر نظرية “المجموعة غير المنضبطة”، ويترافق ذلك مع توتير داخلي لبناني ـ لبناني، ولبناني ـ فلسطيني، وعند صدور القرار الظني، يبدأ العد العكسي لعمل عسكري إسرائيلي واسع النطاق، تصبح معه المقاومة أسيرة النار الإسرائيلية من جهة ونار الفتنة الداخلية من جهة ثانية، ويصبح جمهورها من جهة ثالثة، رهينة النارين. وأبدى عون مخاوفه من أن يتقاطع القرار الظني والعدوان الإسرائيلي مع تحرك مجموعات عسكرية في الداخل اللبناني وخاصة في البيئة المسيحية، من أجل فرض أمر واقع جديد في المناطق المسيحية، وفي الوقت نفسه، تنبري بعض المجموعات الأصولية خاصة في المخيمات الفلسطينية، لرسم وقائع جديدة في ساحات محددة، ويصبح مشروع الفتنة في لبنان مفتوحًا على أكثر من احتمال. وفي مواجهة هذه المعطيات، طلب عون من حلفائه وخاصة من “الحزب” أن يعد العدة للفتنة الآتية، وأن تكون باكورة الاستعداد إعادة النظر بالتركيبة الحكومية الحالية، ذلك أن حكومة كهذه لن تكون قادرة على مواجهة الفتنة بل هناك فريق وازن فيها يراهن على الفتنة ويعمل من أجلها وربما يكون دوره تغطيتها. وقال عون مخاطبا نصر الله: “يريدون قتلكم مجددًا يا سماحة السيد، وممنوع عليكم أن تصرخوا أو أن تدافعوا عن أنفسكم. هناك فريق لبناني ما زال مراهنًا على حرب إسرائيلية جديدة، لذلك.. أنا أنصحكم بتغيير قواعد اللعبة”.
وفي 20 تموز من العام 2010 وبعد اجتماع تكتل “التغيير والإصلاح”، أكد عون معلومات “السفير” بقوله: “هذا السيناريو لا أنفيه إطلاقًا وهكذا تخيّلته”.
ونضم صوتنا الى جبران باسيل مع المعلومات الواردة أعلاه، سائلين مسائلين مخيّرين اللبنانيين بين استقواء الذميين بخطاب سلاح نعيم وخطابي السلام والسيادة الوارِدَين على لساني قداسة البابا والحكيم …
.jpg)