
في الأزمات السياسية الكبرى التي يمرّ بها لبنان، يتكرّر خطاب الثنائي الشيعي مدّعيًا الدفاع عن “المصلحة الوطنية” و”الوحدة الوطنية”. غير أنّ هذا الخطاب، عند إخضاعه للوقائع لا للشعارات، لا يبدو أكثر من غطاء سياسي لتكريس نفوذ طائفي وفرض أجندات فئوية، غالبًا على حساب الدولة ومؤسساتها. فهو يستعير لغة أخلاقية ودينية عالية النبرة لتسويق خيارات سياسية ثبت أنها ألحقت ضررًا مباشرًا بالوطن، وعرقلت قيام دولة فعلية قادرة على حماية مواطنيها جميعًا.
الأخطر من ذلك، أنّ هذا الخطاب لم يكتفِ بتبرير الواقع القائم، بل جعل من “المظلومية” أداة سياسية تُستخدم لتبرئة الذات من المسؤولية، وإعادة تعريف الوطنية على قياس القوة لا على أساس الدولة، متجاهلًا الدور المركزي الذي لعبته هذه الخيارات في إنتاج الأزمات التي يعيشها لبنان اليوم.
قداسة الإنسان وعلاقة الخطاب بالواقع
في صلب هذا الخطاب، يتكرّر شعار أخلاقي لافت: “الإنسان أكبر مقدسات الله”. غير أنّ هذه المقولة تفقد معناها السياسي والإنساني عندما تُفصل عن شرطها الأساسي: السيادة. فالإنسان لا يكون مقدسًا حين تُربط حياته بقرار عسكري لا يخضع لمؤسسات الدولة، ولا حين يُدفع إلى النزوح والدمار نتيجة حسابات إقليمية لا علاقة له بها ولا قدرة له على مساءلتها.
لا يمكن رفع شعارات حماية الإنسان في بلد يُحكم فيه جزء من أراضيه بسلطة مسلّحة ذات أجندات إقليمية، تتجاوز الدولة وتضع لبنان باستمرار في قلب صراعات مفتوحة. فالقداسة لا تكون في الخطاب، بل في من يمنع تحويل الناس إلى رهائن قرار، أو أوراق ضغط في مفاوضات خارجية.
ومن خلال احتكار السلاح وفرض السيطرة العسكرية على مناطق واسعة، وُضع اللبنانيون أمام واقع دائم من القلق وعدم الاستقرار، وتعرّضوا للدمار والتهجير لا نتيجة قرار وطني جامع، بل بفعل خيارات عقائدية وإقليمية لا تعبّر عن إجماع لبناني ولا تخضع لأي مساءلة داخلية.
دولة المواطنة: الغياب المتعمّد والانتقائي
من غير المعقول أن يُرفع شعار “دولة المواطنة” في وقت يُستبعد فيه جزء أساسي من اللبنانيين عن المشاركة الفعلية في القرار السيادي. فالدولة، في أي نظام حديث، هي المرجعية الوحيدة التي تضع السياسات العامة وتتحكّم بمصير الأمن والحرب والسلم. لكن الواقع اللبناني، منذ عقود، يشهد تعليقًا متعمّدًا لهذا الدور في مناطق محددة، ورفضًا منهجيًا لأي حضور فعلي للدولة.
لم يكن غياب الدولة خللًا عابرًا، بل نتيجة خيار سياسي واضح، جرى فيه منع مؤسسات الدولة من أداء دورها، ثم اتهامها لاحقًا بالعجز والتقصير. أي حديث جدي عن المواطنة يجب أن يبدأ من استعادة السيادة، ومن حصر القرار الأمني والعسكري بيد الدولة، لا الاكتفاء بخطاب أخلاقي لا يغيّر في موازين القوة شيئًا.
التلاعب بالمظلومية: من الضحية إلى الجلاد
استمر الخطاب الطائفي في لبنان في تقديم المظلومية بوصفها تفسيرًا شاملًا لكل أزمة. ومن خلال الحديث المتكرر عن “مظلومية الشيعة”، جرى تبرير خيارات سياسية وعسكرية وضعت هذه الطائفة نفسها في مواجهة مباشرة مع الدولة ومع المجتمع اللبناني الأوسع.
لكن هذه السردية تغفل حقيقة أساسية: أنّ جزءًا كبيرًا من الدمار والتهجير الذي أصاب مناطق شيعية لم يكن نتيجة تقاعس الدولة فقط، بل نتيجة قرارات عسكرية اتُّخذت خارج مؤسساتها، وبالتنسيق مع أطراف إقليمية، من دون تفويض وطني جامع.
الأخطر أنّ أي محاولة لمساءلة هذه الخيارات، أو لطرح نقاش داخلي حول كلفتها، قوبلت عبر مراحل متتالية بالتخوين والترهيب. شخصيات سياسية شيعية معارضة، صحافيون، مثقفون وناشطون، تعرّضوا للإقصاء والتهديد، وأحيانًا للتصفية المعنوية والسياسية، لأنهم طالبوا بدور الدولة أو شكّكوا في ربط مصير الطائفة بمعادلات خارجية. هكذا تحوّل الخلاف السياسي إلى خطر، والنقاش إلى تهديد، والصمت إلى شرط للسلامة.
الحديث عن “وحدة وطنية” في غياب الدولة
في ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن “وحدة وطنية” مجرّد شعار فارغ. فالوحدة لا تُبنى بالقوة، ولا تُفرض بسياسة الوصاية، ولا تقوم على إسكات المختلفين. الوحدة الحقيقية لا تتحقق إلا ضمن دولة قوية وموحّدة، تمتلك وحدها السلاح والقرار، وتضمن العدالة والمساواة لجميع مواطنيها من دون استثناء.
أي وحدة لا تقوم على سلاح واحد، وقانون واحد، وقرار واحد، تبقى وحدة هشّة، تُدار بالخوف لا بالثقة، وبالأمر الواقع لا بالشراكة.
لبنانيون أولًا: لا وحدة إلا تحت سقف الدولة
الخطاب الذي يكرّر شعار “لبنانيون أولًا” يفقد مضمونه حين يقترن بقرارات إقليمية وتحالفات خارجية تفرض أمرًا واقعًا داخل لبنان. فلبنانيون أولًا لا تعني تسويق مشروع يتجاوز حدود الدولة، ولا ربط أمن الناس بمفاوضات خارجية، ولا تحميل المجتمع كلفة خيارات لم يشارك في صنعها.
لبنانيون أولًا ليست جملة تُقال، بل ممارسة سيادية واضحة، تبدأ باستعادة السلطة الكاملة للدولة على أراضيها، وتنتهي بمساءلة كل من يضع نفسه فوقها.
في الخلاصة، الخطاب الذي يرفع شعارات “الوحدة الوطنية” و”السيادة”، فيما يكرّس واقع الدولة الموازية ويعمّق الانقسام الطائفي، لا يشكّل مشروع إنقاذ، بل محاولة واضحة لتبرئة مسار سياسي راكم الخسائر ووسّع الشرخ الوطني.
تفكيك هذه السردية لا يستهدف طائفة بعينها، بل يدافع عن فكرة الدولة نفسها. فالدولة ليست خصمًا لأحد، والخروج عنها لم يحمِ أحدًا، بل ترك اللبنانيين جميعًا، من مختلف الطوائف، بلا حماية حقيقية.
