Site icon Lebanese Forces Official Website

مجلس النواب رهينة بري

لم يعد ما يجري في مجلس النواب اللبناني مسألة إدارة جلسات أو خلافات سياسية عادية، بل بات انقلابًا مكشوفًا على مبدأ الشراكة الوطنية، تقوده رئاسة المجلس بوعي كامل، وتحويلًا متعمّدًا للسلطة التشريعية إلى أداة مذهبية مسخّرة في خدمة سلطة الثنائي الشيعي، لا في خدمة الدولة ولا الدستور ولا الإرادة الشعبية. ما يحصل اليوم ليس تعطيلًا ظرفيًا، بل مصادرة سياسية ممنهجة لمؤسسة يفترض أن تكون قلب النظام الديمقراطي.

نبيه بري لم يعد يتصرّف كرئيس مجلس لجميع النواب، بل كحارس لمنظومة مغلقة تُدار بمنطق السيطرة لا التمثيل، وبميزان قوة مذهبي لا بمعايير وطنية. هو من يقرّر متى ينعقد المجلس ومتى يُقفل، ما يُناقَش وما يُمنَع، وما يُمرَّر وما يُدفَن، في سلوك يُفرغ المجلس من وظيفته الدستورية ويحوّله عمليًا إلى غرفة عمليات سياسية تُستخدم لحماية سلطة قائمة وقطع الطريق على أي تغيير ديمقراطي حقيقي.

يتجلّى هذا الانقلاب بأوضح صوره في المنع المتعمّد لأي نقاش جدي حول قانون الانتخابات النيابية، وخصوصًا ما يتعلّق بحق اللبنانيين المنتشرين في الاقتراع الكامل. فهذا الحق ليس تفصيلًا تقنيًا، بل جوهر العملية الديمقراطية، وتعطيله قرار سياسي واضح هدفه إبقاء قواعد اللعبة الانتخابية محكومة سلفًا، ومنع أي خرق في بنية الهيمنة التي بناها الثنائي الشيعي داخل المؤسسات. من يرفض طرح القوانين على التصويت لا يبحث عن توافق، بل يهرب من حكم الصندوق.

وفي موازاة هذا التعطيل الخطير، يجري تسويق انعقاد الجلسات تحت عناوين “القوانين المعيشية” و”قروض البنك الدولي”، في استخدام فجّ لمعاناة اللبنانيين كذريعة سياسية. فالقوانين التي تُنتج في مجلس يُدار بالاستنساب واحتكار القرار ليست قوانين إنقاذ، بل أدوات إضافية لتكريس واقع مختلّ. ومن يربط لقمة الناس بإرادته السياسية لا يمارس تشريعًا، بل ابتزازًا منظّمًا يغطّي به انقلابًا أكبر على الشراكة والدستور.

لقد تجاوز نبيه بري منذ زمن دوره الدستوري، وتحول فعليًا إلى وصيّ على النظام السياسي، يفرض أعرافًا جديدة تضرب جوهر النظام البرلماني، وتحوّل التوافق من شراكة بين المكوّنات إلى حق نقض دائم بيد طرف واحد. هذا السلوك لا يمكن وصفه بالخبرة أو الحكمة، بل هو تفكيك تدريجي لفكرة الدولة المشتركة، واستبدالها بدولة محكومة بقرار فئوي لا يقبل بالمحاسبة ولا يعترف بالمساواة.

في هذا الواقع، يصبح الحضور إلى جلسات تُدار بهذه الطريقة شراكة في تكريس الانحراف لا ممارسة ديمقراطية. لم يعد الصمت حيادًا، ولم يعد التذرّع بالاستقرار مبررًا، لأن السكوت عن هذا المسار يعني القبول بتحويل مجلس النواب إلى مؤسسة شكلية، وبالديمقراطية اللبنانية إلى واجهة فارغة.

ما يجري اليوم في مجلس النواب هو مصادرة كاملة للشراكة الوطنية وانقلاب على روح النظام اللبناني، يقوده نبيه بري عبر تسخير السلطة التشريعية لخدمة منظومة مذهبية مغلقة. هذه ليست أزمة إدارة، بل أزمة خيار، ومن دون كسر هذا النموذج، لا انتخابات حقيقية، ولا دولة، ولا شراكة، بل سلطة واحدة تمسك بالقرار وتغلق الطريق على لبنان.

إقرأ ايضًا

Exit mobile version