#dfp #adsense

“الحزب” بين الاستنزاف الخارجي والارتداد الداخلي

حجم الخط

في المرحلة الراهنة، لم يعد “الحزب” يتحرّك من موقع المبادرة أو فرض الإيقاع، بل من موقع التكيّف القسري مع تحوّلات إقليمية تضغط عليه من أكثر من اتجاه. فارتباطه العضوي بإيران، التي تواجه بدورها أزمات متراكمة اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا، وضعه أمام واقع جديد لم يعد فيه السلاح عنصر فرض معادلات، بل عامل استنزاف سياسي وأمني، داخليًا وخارجيًا في آن واحد. الصورة التقليدية لقوة عسكرية قادرة على تثبيت قواعد ردع ثابتة بدأت تتآكل، لتحلّ مكانها معادلة أكثر هشاشة وتعقيدًا.

الضربات الإسرائيلية المتصاعدة في الجنوب والبقاع لا يمكن قراءتها كتمهيد لحرب شاملة لا تبدو تل أبيب معنية بها في هذا التوقيت، بل كجزء من إدارة مدروسة للصراع تقوم على توسيع هامش العمل العسكري من دون كسر السقف الإقليمي. ما يجري هو تفكيك تدريجي لقواعد الاشتباك التي سادت لسنوات، وفرض وقائع ميدانية جديدة تُراكم الضغط من دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة. هذا السلوك يعكس إدراكًا إسرائيليًا بأن “الحزب” بات الحلقة الأكثر عرضة للاستنزاف ضمن منظومة النفوذ الإيراني، والأقل قدرة على الرد من دون أثمان مرتفعة.

في هذا السياق، لا تبحث إسرائيل عن انتصار سريع أو حرب شاملة، بل عن استثمار لحظة ضعف مركّبة. فهي تضرب، وتوسّع بنك أهدافها، وتختبر حدود الرد، مستفيدة من واقع إقليمي لا يسمح بفتح جبهة واسعة في لحظة تُحاصر فيها إيران على أكثر من مستوى. الهدف هو تحويل السلاح من أداة ردع إلى عبء دائم، وإفقاد “الحزب” هامش المبادرة الذي كان يمتلكه في مراحل سابقة.

هذا الواقع يفسّر الخلل الواضح بين الخطاب المرتفع السقف والقدرة الفعلية على الفعل. فغياب الرد الميداني المتناسب مع حجم الضربات لا يعكس خيارًا تكتيكيًا ظرفيًا، بل حدودًا مفروضة على قرار استخدام القوة في مرحلة يُعاد فيها ضبط الإيقاع العسكري بدقة عالية. لم يعد “الحزب” قادرًا على توظيف قوته كما في السابق، بل بات مضطرًا إلى حماية ما تبقّى من بنيته التنظيمية والعسكرية، والحفاظ على سلاحه بوصفه أصلًا يجب عدم التفريط به في توقيت إقليمي بالغ الحساسية.

الضغوط المالية الناتجة عن العقوبات على إيران، إلى جانب التوترات الداخلية التي تواجهها، انعكست مباشرة على “الحزب”، وقلّصت قدرته على تحمّل مغامرات عسكرية محسوبة خطأً. في مثل هذا المناخ، يصبح أي تصعيد واسع مخاطرة قد تتجاوز كلفتها القدرة على الاحتمال، ليس فقط عسكريًا، بل سياسيًا ووجوديًا.

ومع تضييق هامش الحركة الخارجية، يصبح الداخل اللبناني ساحة اختبار بديلة. ليس بالضرورة عبر انفجار شامل أو مواجهة مفتوحة، بل من خلال ضغوط متدرجة تستهدف منع تثبيت أي مسار سيادي قد يفرض على السلاح واقعًا جديدًا. تعطيل المؤسسات، رفع السقف السياسي، وإرباك عمل الدولة تتحوّل هنا إلى أدوات دفاع سياسي، لا مؤشرات قوة، في محاولة للحفاظ على الأمر الواقع في لحظة إقليمية متقلّبة.

هذا الخطر يتعاظم مع تصاعد الحديث الدولي، وخصوصًا الأميركي، عن ضرورة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، ومع سعي إسرائيل إلى فرض واقع أمني جديد شمال الليطاني بالقوة النارية. في مثل هذه الظروف، تاريخ الحركات المسلحة يُظهر أن الارتداد إلى الداخل يصبح احتمالًا قائمًا، لا خيارًا نظريًا، خصوصًا حين يُنظر إلى الجيش اللبناني بوصفه الجهة التي قد يُطلب منها تنفيذ هذا التحوّل تحت ضغط خارجي متزايد.

الرسائل الإسرائيلية في هذا الإطار متعددة الاتجاهات: إلى “الحزب” بأن هامش المناورة يضيق؛ إلى إيران بأن أدواتها لم تعد محصّنة كما في السابق؛ وإلى الدولة اللبنانية بأن الفراغ السيادي لم يعد مقبولًا. غير أن أخطر ما في هذه المعادلة هو احتمال أن يتحوّل سلاح مأزوم خارجيًا إلى عنصر توتير داخلي، في لحظة لا يحتمل فيها لبنان مزيدًا من الاهتزاز.

في المحصلة، لم يعد “الحزب” يشكّل رافعة متقدّمة لمشروع إقليمي صاعد، بل بات أحد أكثر عناصره هشاشة في مرحلة إعادة رسم التوازنات. هذا التحوّل يفرض على لبنان مقاربة مختلفة لمسألة السلاح، لا بوصفها سجالًا سياسيًا أو فئويًا، بل كجزء من تحصين الدولة ومنع تحويلها إلى ساحة تعويض عن خسائر الآخرين. ففي لحظات التحوّل الكبرى، لا يُقاس الخطر بحجم السلاح، بل بكيفية استخدامه ومكان توجيهه، وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام الدولة اللبنانية.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل