.jpg)


لم يكن سمير جعجع الشاب، في خلفيّته الإنسانية والشخصية، معجبًا بالحروب والمواجهات والعسكر في العام 1976، بل كان منهمكًا في متابعة تخصّصه في الطب في الجامعة الأميركية في بيروت. وكان مقدّرًا له، بعدما بلغ المرحلة النهائية من اختصاصه، أن يصبح طبيبًا لامعًا، وهو الذي يتمتّع بكل مقوّمات الذكاء وحبّ المعرفة. لكن اللافت في مقابلته الأخيرة عبر “البودكاست” أنّه كان، منذ ريعان شبابه، رجلًا يتمتّع بإرادة قويّة ولا يرضى أن يعيش على هامش الأحداث، وخصوصًا عندما يشعر أنّ وجود مجتمعه مهدَّد بالخطر. وقد وصف ذلك بدقّة باستخدامه عبارة: “دقّ الخطر على الأبواب”.
منذ تلك اللحظة، وهو في بلدته بشري، لم يتردّد جعجع. إذ رأى دخان المعارك يملأ قضاء الكورة، ما يعني أنّ من أحرق ونكّل بالقرى الكورانيّة، إن لم يهبّ أبناء المجتمع المسيحي لمقاومته، سيصل بعد حين إلى الجرود، وخصوصًا قضاء بشري، بعدما كانت الفصائل الفلسطينية، المدعومة من الأحزاب اليساريّة، قد وصلت إلى عين عكرين، وربما كانت ستحتلّ كل المناطق اللبنانية في مرحلة لاحقة.
لم يكن جعجع مسؤولًا كبيرًا في حزب “الكتائب”، الحزب الأكثر تنظيمًا آنذاك، بل كان شابًا متحمّسًا للدفاع عن أرضه وقومه. فامتشق بندقية والده، العسكري المتقاعد من الجيش، ونزل عفويًا إلى الكورة. واكتمل هذا المشهد عندما التقى رفاقًا في “الكتائب” وبعض الأحزاب المسيحية الأخرى، فهبّوا جميعًا للدفاع عن الكورة.
السرّ في شخصية جعجع الجذّابة لشباب الشمال الذين التفّوا حوله كان قوّة التصميم التي يتمتّع بها، إلى جانب مواصفات قياديّة نضجت مع مرور الزمن نتيجة التمرّس في العمل المقاوم. لم ينظر إلى الوراء، بل غاص في المعارك من دون هوادة حتى تحرير الكورة. وكان جعجع يعلم بأنّه وحيدًا، لن يستطيع أن يفعل شيئًا، لكنه فرض نفسه لأن فكره كان واضحًا، لا غموض فيه، ينطلق من سرديّة تاريخيّة، ولو عن غير معرفة عميقة في عمر الشباب، مفادها أنّ الموارنة لم يتخاذلوا يومًا في الدفاع عن وجودهم، بل كانوا الأعند والأكثر تشبّثًا بالأرض. وكانت صخور قاديشا توحي لجعجع الشاب بهذه الحقيقة المطلقة.
التحدّيات كانت كبيرة في الأمس، كما هي كبيرة اليوم. ولا يمكن القول إنّ الظروف أنشأت قائدًا مثل جعجع، إنما ساهمت في دفعه إلى ميادين المقاومة، متأثّرًا بالتاريخ ومؤثّرًا في شباب عصره، مستوحيًا من معادلة “الراهب ـ المقاتل” عقيدةً قتاليّة. لم يكن حديثه في المقابلة عن سماعه أجراس الكنائس تدقّ لأنّ الخطر اقترب مجرّد صدفة، بل كان منبّهًا طبيعيًا استخدمه الآباء والرهبان الموارنة منذ بدء تاريخهم في لبنان.
تلك الأجراس التي سمعها جعجع لم تتوقّف عن الدقّ منذ القرن السابع الميلادي حتى يومنا هذا. لم يتغيّر شيء: إرادة الله ثابتة، والشعب الماروني هو هو، والأشرار ما زالوا متربّصين بلبنان شرًّا. والمفارقة أنّ الأشرار تتغيّر وجوههم وصفاتهم ولغتهم، لكن الهدف واحد: تغيير هوية لبنان. ولا شكّ في أنّ تأثير مؤسّس “القوات” الثائر بشير الجميّل جذب جعجع بدوره، إذ تحدّث عن اضطهاد تاريخيّ للموارنة، واقتنع جعجع، مع الوقت وعمق التجربة، بأنّ الشعب اللبناني، المؤلّف من أقليّات متعدّدة، ليس بمنأى عن الاضطهاد.
تأسّست “القوات” على يد بشير، وربما كانت لجعجع الشاب، الذي اشتدّ عوده وبات حالة في الشمال، ملاحظات حول أمور عديدة، لكنّه في الجوهر أحبّ أفكار بشير الثائرة وآمن بها، واضعًا نفسه في صلب مشروع مؤسّسة “القوات” التي حلم بها بشير.
صُعق جعجع باغتيال بشير “الرئيس”، وشعر بضياع الحلم، كما كثيرين من رفاقه. إلا أنّ ما تميّز به أنّه كان الأكثر تطلّعًا وتفاؤلًا للخروج من حالة الضياع. بدأ التفكير في القطارة بالبدائل، ومنع المساومات والتردّد في موضوع “القضية”، وكان يعلم أنّ استمرار هذه القضية يتطلّب الإقدام وعدم التهرّب من المسؤوليّة. وعندما دقّ الخطر على الأبواب مرّة أخرى، استُدعي إلى الجبل في العام 1983، ولم يُستدعَ لأنّ اسمه سمير جعجع فحسب، بل لأنّه كان يتمتّع بالحسّ القيادي والتنظيمي الذي كان الجبل بحاجة إليه، على الرغم من أنّه كان ورقة محروقة في ظلّ التجاذبات الإقليميّة والمحليّة وفقدان التوازن بعد خسارة “البشير”.
لم يهرب جعجع، على الرغم من معرفته العميقة بالصعاب والمخاطر. قاوم حتى اللحظة الأخيرة، وتحمّل مراوغات وكيديّة بعض المسؤولين المسيحيين، وعانى الأمرّين من التردّد في اتّخاذ القرارات الكبرى. وكان حصار دير القمر والتهجير من الجبل محطة إدراك عميقة لدى جعجع بأنّ أوضاع المسيحيين في لبنان لن تستقرّ إلا بانتفاضة على واقع رماديّ. ولو استمرّ هذا الواقع، لكانت المناطق الشرقيّة ستفقد حريّتها مع الوقت، ولخسرت “القوات” الحرب نهائيًا في العام 1986. وربما نقول هذا الكلام للمرة الأولى، لكن آن الأوان للمصارحة كي لا تبقى الحقائق غائبة عن الوعي المسيحي العام.
دقّ الخطر على الأبواب مجددًا في العام 1986 مع الاتفاق الثلاثي المشؤوم، وكانت انتفاضة جعجع سريعة، متحالفًا مع شخصيّات وطنيّة مارونيّة كبرى، مثل الرئيس كميل شمعون. فاستحقّ قيادة “القوات” بعدما انتزعها من أيدٍ كانت تعبث بالثوابت المسيحيّة التاريخيّة في السيادة والحريّة وكرامة الإنسان. ولا شكّ في أنّ جعجع كان، مرّة أخرى، الأكثر وضوحًا في معرفة عدوّه: نظام البعث السوري ومطامعه في لبنان.
أنهى جعجع ضياع القيادة القواتيّة وانحرافها، وحمل راية المقاومة لتبقى “الشرقيّة” آنذاك حصنًا حصينًا، كما كانت البلدات المارونيّة عبر التاريخ حصونًا في بطون الجبال وأعماق الوديان، عصيّة على الجيوش الغازية. وكان يعلم أنّ هذه التحصينات أنجبت شعبًا مقاومًا، وأنّ المنطق المقاوم سيطر على اللاوعي التاريخي لدى الموارنة منذ تأسيس الكيان الماروني على يد البطريرك يوحنّا مارون. وقد تجسّد ذلك في حكمه للشرقيّة الذي دام عامين كاملين (1986 ـ 1988)، قدّم خلالهما نموذجًا رائدًا للتجربة المسيحيّة التاريخيّة التي قاومت وعمّرت وزرعت، وجعلت الجبال والوديان أشبه بجنّة على الأرض، فأصبحت “الشرقيّة” نموذجًا مصغّرًا للبنان، مليئًا بالحريّة والعيش الكريم.
لا ينفصل التاريخ عن الحاضر في فكر جعجع، لأنّ حركة التاريخ مستمرّة إلى الأمام والخطّ واحد. ولا يمكن لقضيّة عمرها 1600 سنة أن تموت إذا وُجد قادة يعرفون تاريخهم بعمق ويتطلّعون إلى مستقبل مزدهر ومتطوّر. هذا هو سرّ نجاح جعجع. لم يكن يومًا، منذ امتشق تلك البندقية، محبًّا للحروب والعنف والعسكر، بل استخدم السلاح مرحليًا حبًّا بالبقاء. ثم عاد ليرسم معالم جمهوريّته الفاضلة، فسلّم السلاح ودخل مشروع الدولة. لكن دولة “الجهاز الأمني اللبناني ـ السوري” انقلبت عليه، وتجمّعت قوى الشرّ للقضاء على حلمه. لم يهرب، بل استوحى مجدّدًا، مجبولًا بالقضيّة، حكايات نضال رجال أبطال من التاريخ. لم يقلّدهم، بل كان يؤمن بأنّه “لا يصحّ إلا الصحيح”، وأنّ الصمود واجب. فأظهر شجاعة وقدرة تحمّل لا تُضاهى خلال 11 عامًا في المعتقل، هذه المرّة من دون بندقيّة. وكان لا بدّ لليل أن ينجلي، فخرج في العام 2005 أقوى، كطائر الفينيق، وأعاد بناء حزبه على نحو مؤسّساتي حجرًا حجرًا، وهو أمر يُحسب لـ”الحكيم”، حتى تحوّل اليوم إلى الحزب الأكبر تمثيلًا في الشارع المسيحي واللبناني.
لا يستطيع جعجع العيش على الهامش، بل كان فاعلًا ومؤثّرًا طوال مسيرته الممتدّة لأكثر من خمسين عامًا. ولم تخفت في داخله شعلة المقاومة والنضال، راسمًا معالم وطن يشبه مبادئه وثوابته: وطن حرّ ومتطوّر، يعيش فيه الإنسان كريمًا ومعزّزًا ومحترمًا. لذلك لا يمكنه إلا أن يكون في مواجهة أي مشروع ديني مذهبي مسلّح يسعى مجددًا إلى تغيير هوية لبنان التعدديّة. ومن هنا، لم تنتهِ قصّة جعجع بعد، فهو يقاوم اليوم من دون بندقيّة، من أجل مستقبل لا يراه إلا في كنف دولة تضمن لشعبها العيش بكرامة، بتنوّع دياناته، حيث يعيش المسيحيون وسائر الشركاء قناعاتهم الإيمانيّة والفكريّة بحرّية، ويعملون على تطويرها لتواكب تطلّعات دولة رياديّة في العلم والثقافة. ولهذا السبب يدافع جعجع دائمًا عن الدولة، لأنّ استمراريّة المسيحيين خصوصًا ولبنان عمومًا مرهونة ببقائها.
هل تعب جعجع؟
لا شكّ في أنّ الصراعات في لبنان لم تُرح جعجع يومًا، إلا أنّه لم يتذمّر مرّة واحدة، بل لا يزال يدعو الشباب، كما كان في ثكنة القطّارة، إلى الانخراط في النضال من أجل بناء الدولة والدفاع عن مفهومها. وهذا ما يفسّر اندفاع الشباب للتصويت لـ”القوات” في الجامعات.
لا يريد جعجع العودة إلى تجربة “المقاومة العسكريّة”، لذلك يدعم الجيش اللبناني بكل ما أوتي من قوّة. لكن يبقى في الوعي المسيحي أنّ “القوات”، إذا غابت الدولة يومًا وتعرّض الجيش لأي مكروه، ستبقى البُعد العسكري للمجتمع عند الحاجة، لأنّها تحمل إرث التاريخ المقاوم ونخوة المقاتلين الموارنة الأوائل. ومع ذلك، فإنّ جعجع، ابن هذه التجربة، يرى أنّ المرحلة الراهنة لا تستدعي إلا العمل السياسي الشريف المنسجم مع القيم والمبادئ المسيحيّة التاريخيّة، ولا داعي للتفكير بالحروب والمقاومة العسكريّة، فذلك كأس شربناه، ولا يجوز أن يشربه أبناؤنا في المستقبل.
جعجع الشجاع في المقاومة العسكريّة هو نفسه الشجاع في السلم، والريادي دائمًا في حماية مشروعه. وهو اليوم يريد الدولة القويّة ولا شيء سواها. هذا رجل سينصفه التاريخ لا محالة، ولن يمرّ مرور الكرام، لأنّه يمارس الشأن العام باحترافيّة وأخلاق عالية، وهو النموذج الذي يتطلّع إليه اللبنانيون.
إنّه رجل تحدّى الاعتقال والموت، وخرج من النفق أكثر حكمة وبصيرة وثباتًا على المبادئ السياسيّة المسيحيّة والوطنيّة. لذلك يستحقّ لقب “الحكيم”، بل هو الحكيم المتّزن والرؤيوي على الدوام.
