


.jpg)

حزقيال النبي مناهض الفراعنة والفرعنة بكل ما أوتيَ من رؤى كأنه واكب تلك الجموع الآذارية اللبنانية ودعمها بنبوءة حزقياليَّة تتناسب مع ذلك الجموح الجماعيّ الخلاق، المتدفّق إلى ساحةٍ يحتشد في جغرافيَّتها تاريخ سيبقى أثبت وأصدق الشهود، على أمَّة ألهمت ساحات العواصم، لأن تتحول هيكل عبادة لإنسان الحرية والكرامة والكلمة. في ذلك اليوم اللبناني والشهر الآذاري، كان للنبي حزقيال خطابًا نبويًا ألقاه بحضرة ذلك الحشد الأنبل : “وكان في السَّنة الحاديّة عشرة، في الشهر الثالث، في أول الشهر، أنَّ كلام الرّب كان إليَّ: “يا ابن آدم قل لفرعون ملك مصر بمن أشبهتَ عظمتك؟… هوَّذا أعلى الأرز في لبنان”!
عاميَّة أذار
الشهر الثالث بين أركان الأشهر الإثني عشر، هوَّ المحفِّز للثوارت ابتداءً من طبع وطبيعة فصله الرَّبيعي المتوثِّب للخصب وزخم المواسم، هو شهر المواجهة بين البذار وتربتها والبراعم وأغصانها والثمار وأزهارها. ذاك النهار ووسط عاصمة عواصم الشرق، حلَّ الخِّصب الآذاري الربيعي الروحيّ في أولئك الآتين من جميع مناطق الوطن اللبناني، ليعيدوا ترميم كيانهم المبعثر، وتأهيل عقائدهم المتنازع عليها، لعلَّهم يتوفَّقون ولو بعنوان مثاليّ، يتَّفقون عليه، فالإنطواء في المناطقية والمذهبيَّة قد كلَّف الجميع ما كلَّف!
يوم الرابع عشر من أذار 2005 لم يأتي من تلقاء رمزيَّته. لقد كان رافدًا من نهرٍ متَّصل بينبوع وأحد 27 شباط 1994. كان ذلك الينبوع المتدفِّق دماء وأجسادًا متناثرة من داخل خورس كنيسة سيدة النجاة الزوق المفخَّخة، وقدّاسها المنسوف، وأفخارستيتها المتفجرة وكؤوس قرابينها المشظَّاة… من باحة هذه الكنيسة بالذات، انطلق أرز الرب بثورته وثوَّاره، فوصل إلى ساحة الحرية بعد فهرسيَّة أحد عشر سنة، وأتى هذا العداد مطابقًا لعدد رفاق ملاك سيدة النجاة “أليانا بطيش” ورفاقها العشرة الذين تناولوا معها القربان شظايا… كما أنَّ الرَّقم إحدى عشر انسجم مع عدد سنوات استحباس أرز بشري في محابس اليرزة … يوم 27 شباط 1994 وطوباوييه الإحدى عشر. يوم 14 أذار 2005 وميامين مليونيَّته، أيقظوا تلك النبوءة الشعرية التي تنبَّأ بها شاعر تونس الخضراء رمَّاح قصائد النَّفير أبو القاسم الشَّابي: “الشَّعب شعبك يا لبنان أراد يومها الحياة، وما كان للقدر من خيارٍ إلاَّ أن يستجيب”!
مشهديات مذهلة توالت تباعًا في غرَّة يوم أذار الرّابع عشر: الناس هم الذين قادوا “القيادات”… الاندفاعة الشعبيّة الأنبل زخمًا، والأوضح عفويَّة، والألمع نقاوة تتقدَّم نحو المبتغى الأعلى والمطلوب الوحيد، تكسر أرقامًا قياسيَّة لشعوب تدرك معنى وغاية مناعة وفاعليَّة حضورها في صفِّ الأمام، بينما “الزعماء” ومن خلف أحداث قد سبقتهم بمسافات لم يتبقَّ لهم إلاَّ أن ينظروا ويناظروا وينظِّروا…
روح الرب كانت الأقرب رفرفةً إلى رفرفات مليون علم من أعلام أرز الثائرين بمليون نشيد وزغردة وهتاف: حريّة سيادة استقلال!!!
ساحة حريَّة انقلبت مزادًا
منذ عراضة استقلال قلعة راشيا، لم يقم في لبنان انتخاب أصدق وأوفى وأدق من ذلك الاقتراع المليوني لصالح ساحةٍ بلحمها الحي، ولهبة أنفاسها، ومنائر ضمائرها قد انتصرت على ساحات الجلاَّدين وأزقة المرتزقة ومكاتب ارتزاق المخبرين وزواريب الأزلام وسراديب الجاسوسيَّة، والأهم انكشاف معامل تصنيع ألقاب الفخامات والسَّعادات والمعاليات المدفوعة الثمن نقدًا وبالأعراض…
بعد مرور آذارينِ على آذارك يا ساحة الرابع عشر، من هو “لويس الرَّابع عشر ” الذي حول رشوة ثوارك بإعاشات البسكويت كي يستطعم الفم وتستحي العين…
أيُّ خبير محاسبة مجازٍ بالطَّرح والضَّرب والقسمة وخبير بتشتيت الجَّمع أستجلب الذين طرحوكِ وضربوكِ وقسَّموك وأتوا بكلِّ “قايين” يرشق أخاه بكراسي ساحة النَّحمة وكراسي قصر السَّرايا…
من صادر مفاتيح أبوابكَ يا ملتقى الثوّار الأرزيين وسلَّمها بخفَّة رأس ويد للسحرة والمشعوذين والضَّاربين في الرَّمل والطَّبل، وكانت الإصابة بليغة بعين النّمرة الزرقاء… بأي لغزٍ ولغم تمَّ اقتلاع أوتاد خيم أولئكَ المرسَلين لتثبيت أرضية وطن المدينة الفاضلة، لتحتل مكانها مخيَّمات أين منها مضارب الغزوات وغزاة يطاردون الحرية والسيادة والاستقلال، مستبيحين ست الدنيا طوال سنتين لروائح التنبك الأعجمي وآلاف مؤلَّفة من النراجيل تقرقع مكان المنشدين بعقولهم وقلوبهم وأفواههم:
“كلنا للوطن للعلى للعلم”… مِن أيِّ صوبٍ تسللت لعنة الخلاف على أجناس الملائكة فتلاشت أفعال التَّجانس والجناس بين أولياء الدم المسفوك بمتفجِّرات “أبو عدس”، فتمت تصفية الشهداء مجازًا وواقعًا على أيدي الوكلاء على دمائهم!!
27 شباط 1994 كان السَّابق
بعد ظهيرة زلزال 14 شباط 2005 التقت الأسطورة بالحقيقة التقاءً لا مثيل له ولا شبيه. أسطورة الثور الأسود المذبوح تتمَّة لذبح الثور الأبيض… الشَّماتة السوداء عمياء لا تريد أن ترى بأن سكين الجزّار هي ذاتها التي جزَّرت بالثورين الثاني تلوى الأول بعد صدور الأمر من “حمد باشا” وحدة المصير والمسار. معزوفة أورغ كنيسة سيدة النَّجاة المدوزن بالمواد الناسفة قد تمَّ عزفها يوم 14 شباط 2005 بألف كلغ من نوتات عازفين “إلهيين” قرَّروا بأنَّ صوت “أبو بهاء” قد أصبح في نشاز لا يحتمل…
كنيسة سيدة النجاة الزوق وشارع فندق السّان جورج وبمكانين متباعدين وتاريخين مختلفين، تساويا بأدبيات المثل المأثور: “مثلما تراني يا جميل أراك” ومَن غيره أبو الجمايل يرى من جهتين متعاكستين…
ساحة النَّجمة يا ساعة التَّجربة الضَّاربة نجوم الجنباز السياسي في مواقعٍ تزحل من مكانها الطبيعي زحل الرِّمال المتحرِّكة، وفي مواقفٍ بدَّلت أمكنتها تبديلاً لا يفسِّره إلاَّ المنجِّمون ونجّارو الخوازيق والكراسي الهزازة، شونسونييه “ربط النِّزاع” نفَّرت النَّمر الألماني ديتليف ميلس فتأبَّط ملفاته الحاوية نتائج تحقيقات فكفكت شبكات العنكبوت الحديدي والأخطبوط العضّومي، ثمَّ ودَّع الحق المبين والحقائق البيِّنة كشمس الظهر بعدما أرغم الجناة من أعلاهم إلى أوطاهم على مشاهدة نجوم الضهر… نابغة علم التحقيق والاستجواب هجر قسرًا آمال اللبنانيين به عائدًا إلى وطنه ألمانيا بعد أن تأكَّد له بأن “القاض راضي” والقضاء والقدر قد هلَّ فيهما وجه السَّعد!!
نقسم بالله العظيم
بأنَّ قسم جبران بن غسان بين جبران النَّهار قد ثقلَ علينا، فترنَّحنا ترنُّح السَّكارى على الزَّبيب. فما عدنا موَّحدين إلاَّ على أن يعود كلٌ منّا إلى مربَّعه وربعه، وإلى خانته وخالته والمسلمون منّا والمسيحيون له الإله الواحد، يؤمنون به ويلتجئون إليه تائبين. نقسم بأنَّ الدفاع عن لبنان العظيم لا يكون بهكذا شعب عظِّيم يتوهَّم العظمة في قادة مصابين بجنون العظمة، وشعب يستلهم زعيمه من أي كرَّاز يقود القطيع… ويوم يحلُّ موعدنا مع الضمير الحي مع ورقة انتخاب مصيرنا ووجودنا وكياننا، لعلَّنا نقسم بالله الأزلي ولبنان السّرمدي أن نتجاوز مجموعة رديّات وقرّاديات “الله يطوِّل عمرو ما مننسى فضلو”…
“هنّانا بفرحنا وعزّانا بحزنّا وغير أسمو ما بيسقط بالصَّندوق”… “قضَّينا عمرنا ناكل من خبزو وواجبنا نضرب بسيفو”… “زفَّتلنا قدام الباب وطريق الحاكوره نحنا بأمر محدلتو”… وقافية القوافي “ما جايينا شي من حدا ولا تندهو ما في حدا”!!
فصحنا اللبناني يعبر في جبهات الصيام الكبير هو صيامنا إلاَّ عن كرامتنا كفاف يومنا. أعياد قيامتنا كثورات أرزنا لا تقترب الشمس من صباحاتها إلاَّ من خلف جبال الجمعة العظيمة والأيادي الثابتة بين خشبة الصَّلب ورنَّة المسمار هي وحدها أيادي المنتصرين على الموت بألف حياة وحياة!!!