
من المعلوم والمسلّم به ـن الأحزاب الشمولية والتي تنضوي تحتها أحزاب البعث والناصرية والشيوعية والقومية السورية وأحزاب وجماعات الجمهورية الإسلامية ومنها حزب إيران في لبنان، تلغي القيمة المستقلة للإنسان، وتخضعه بالكامل لإرادة “الحزب” والدولة. فهي تحوله من “فرد” له حقوق وحرية تفكير إلى مجرد “أداة” أو “رقم” يُستخدم لتحقيق أهداف إيديولوجية، مما يخلق مجتمعات تخلو من التعددية وتقمع كل صوت معارض.
تتمثل العلاقة بين الأحزاب الشمولية والإنسان في عدة محاور أساسية:
إلغاء الفردية: تُخضع هذه الأحزاب جميع جوانب حياة الإنسان لإرادتها، فلا وجود للخصوصية أو الحرية الشخصية؛ إذ يُعرّف الإنسان فقط بمدى ولائه وانتمائه للحركة أو “الحزب.
سحق الإرادة الحرة: تستخدم أساليب القمع، والإرهاب، والمراقبة المستمرة لإجبار الأفراد على الطاعة. هذا يخلق بيئة يمارس الخضوع التام والامتثال القسري، وقد يكون “الحزب” في ممارساته السابقة والحالية والتي تجعل من القاطنين في مناطق نفوذه ومن النازحين والقاطنين خارجها، وقودًا لمشاريعه التي لا تمت الى لبنان والى الإنسان فيه بأي صلة، خيرَ تطبيقٍ عقائدي وعملي لما ذكرنا وحددنا.
من ضمن الإطار نفسه، لا بدّ أن نتوقف عند النائب حسن فضل الله المكثر من الخطابات والمفيض في الاطلالات مروّجًا لفكرة “الانتصار لمجرد بقاء المقاومة” ولمجرد تقديم التضحيات، وغني عن القول أن الحصة الأكبر من تلك التضحيات يقدمها الشعب قسرًا لا طوعًا، سواء انتمى الى بيئة مقاومة فضل الله أم لم ينتمِ… وذلك على الرغم من ادعاء فضل الله نفسه السابق، وتحديدًا في 25 كانون الثاني من العام 2025 لقناة المنار بـ”أن الهمّ الأساسي في الحزب هو البحث عن كل السبل الممكنة لحماية أرواح الناس، وأن الحزب هو حزب الناس”، لترد عليه “الناس” بأصوات وأنين عشرات آلاف الذين أسقطتهم بين جريح وقتيل، حربا “الحزب” المهتم بـ”حماية الأرواح”، إسنادًا لغزة وإيران وما زالت تسقطهم، مدعية دفاعًا عن الأرض. وعن هذا الدفاع يقول فضل الله بُعيد سقوط قلعة الشقيف الاستراتيجية والمطلة على الناس وعلى كامل قراهم في قضاء النبطية ومدينتها المركزية، “لم تقل المقاومة يومًا أنها تمنع اجتياحًا أو احتلال الجغرافية أو أن هناك توازنًا تسليحيًا وأن قلعة الشقيف موقع أثري وطني تحت سلطة الحكومة اللبنانية، ولم يكن موقعًا عسكريًا للمقاومة، وهو يتبع لوزارة الثقافة وليس منشأة فيها مقاتلون”.
…وكأني بفضل الله يكذّب حزبه وسيّد حزبه الراحل الذي قال في 3 كانون الثاني من العام 2024، بعد إعلانه إسناد غزة: “الذي منع إسرائيل حتى الآن من شن العدوان على لبنان هو أن في لبنان قوة وأن في لبنان مقاومة وأن في لبنان رجال لله وهذا واقع الحال”… كما كذّب فضل الله نفسه بقوله في 29 أيار من العام 2026 “أن المقاومة ثابتة في الميدان وتمنع العدو من تدنيس الأرض والتقدم”…
حالة إنكار الهزيمة تلك واستسهال خسارة الأرواح، سبق أن ظهّرها فضل الله بعد سقوط مماثل لمعقل “الحزب” في بنت جبيل ورمزية “انتصار حرب لو كنت أعلم” في ملعبها، إذ يقول النائب المفيض في إطلالاته المتناقضة المؤكدة على إسقاط الإنسان من حسابات واهتمامات “الحزب” في 15 نيسان من العام 2026: “على الرغم من تدميرها ملعب بنت جبيل عجزت إسرائيل عن التقاط صورة في داخله”.
كم يلتقي حزب إيران في لبنان مع حزب البعث في سوريا في تقديم مصلحة “الحزب” ومشروعه الشمولي على أرض الوطن والإنسان فيه، وهنا لا بدّ أن نستذكر ما قاله وزير الخارجية السوري وعضو القيادة القطرية في حزب البعث العربي الاشتراكي ابراهيم الماخوس بعد نكسة العام 1967: “ليس مهمًا أن يحتل الإسرائيلي دمشق أو حمص أو حلب، فهي مجرد أبنية وأراضٍ يمكن استردادها، المهم أن يبقى حزب البعث أمل الأمة”، مع أن تلك الأبنية والأراضي في دمشق وحمص وحلب، يقطنها ناس وبشر تمامًا كالأبنية والأراضي في قرى الجنوب والبقاع والضاحية وجبل لبنان وبيروت والتي تسقط مع قاطنيها وعليهم… إذ إن المهم لدى إيران أن يبقى “الحزب” وبيئته ورقة للتفاوض ولو أحرقت، والمهم لدى “الحزب” الشمولي الإسلامي أن يبقى الإنسان في لبنان أضحية وورقة ابتزاز للاحتفاظ بالسلاح “ولو قتلنا جميعًا” على ما يردده الشيخ نعيم قاسم، أمين عام “الحزب” الحالي.
.jpg)