
سقوط أوهام “المعادلة الإيرانية”
تراجعت حدة الانفجار العسكري المباشر بين طهران وتل أبيب لتدخل المنطقة في مناخ من التهدئة الميدانية الحذرة، عقب جولة الصواريخ الباليستية والغارات المتبادلة التي حبست أنفاس العالم في الساعات الماضية. وأثمرت الضغوط والإنذارات الصارمة التي قادها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في كبح جماح التصعيد الإقليمي وفرملة الردود المتبادلة، ما أجبر الحرس الثوري الإيراني على إعلان “انتهاء عملياته”، لتسقط معها أوهام المعادلات الميدانية التي حاولت طهران فرضها، بعدما اصطدمت بجدار التصلب الإسرائيلي المدعوم أميركياً.
جولة عيسى “الرئاسية”: مسار واشنطن لا رجوع عنه
هذا الانكفاء الإقليمي المباشر تُرجم فوراً في العاصمة اللبنانية بحركة دبلوماسية لافتة أطلقها السفير الأميركي ميشال عيسى من قصر بعبدا، عقب لقائه رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون. عيسى نقل للرئيس عون تقدير واشنطن الكامل لمواقفه السيادية الشجاعة، مؤكداً أن ما جرى في الساعات الماضية لم يكن سوى “رسالة سياسية” عابرة تم احتواؤها دولياً؛ وفجّر السفير الأميركي قنبلة دبلوماسية بإعلانه رسمياً أن المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية برعاية الولايات المتحدة بلغت مرحلة “لا رجوع فيها”، وأن الاستعدادات جارية على قدم وساق في العاصمة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض المباشرة قريباً، مشيداً بالمهنية العالية للفريق اللبناني المفاوض.
عين التينة والرد المفخخ.. بري يتسلم شروط “الحزب”
المحطة الأكثر سخونة في جولة عيسى، وفق مصادر مطلعة لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، كانت في عين التينة، حيث إلتقى رئيس مجلس النواب نبيه بري. وحمل السفير الأميركي في جعبته طلباً حاسماً بوقف هجمات “الحزب” على إسرائيل “كشرط أساسي لضمان عدم استهداف إسرائيل للضاحية الجنوبية مجدداً”، فيما كشفت المصادر عن أن الرئيس بري سلّم السفير الأميركي رد “الحزب” بشأن ترتيبات وقف إطلاق النار؛ مكرراً عبارته الشهيرة للجانب الأميركي: “أعطوني وقف إطلاق النار والباقي عليّ”ّ!، وذلك وسط نقاش حاد حول “المنطقة التجريبية” الأمنية المقترحة في الجنوب لانتشار الجيش اللبناني تحت غطاء دولي وأميركي.
السرايا الحكومية تحسم المرجعية.. سلام يرفض مصادرة قرار الدولة
رئيس مجلس الوزراء نواف سلام حسم المرجعية الدستورية العليا للتفاوض، مؤكداً بلهجة شديدة الحزم أمام السفير الأميركي عيسى أن ” لا أحد يفاوض عن لبنان غير الدولة اللبنانية”، قاطعاً الطريق بالكامل على محاولات طهران استخدام دماء اللبنانيين كأوراق سمسرة على موائد مساوماتها المغلقة مع واشنطن، بحسب المصادر. وشدد سلام على ضرورة ممارسة الولايات المتحدة ضغوطاً حقيقية على تل أبيب لوقف اعتداءاتها وخروقاتها المستمرة للمناطق المدنية، معتبراً أن بسط سلطة الشرعية بقواها الذاتية وحصر قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الدستورية، هو الممر الإلزامي الوحيد لإنقاذ البلاد.
“الجمهورية القوية” عند سلام موفداً من جعجع.. والنائب جعجع: “الدعم الكامل”
وفي السرايا الحكومية، وفد من تكتل “الجمهورية القوية”، باسم رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، مؤكداً دعمه الكامل للمواقف التي عبّر عنها الرئيس سلام في جلسة مجلس الوزراء، وللمسار الذي تسلكه الحكومة من أجل استعادة الدولة اللبنانية كامل سيادتها على أرضها وقرارها، وفق ما صرّحت النائب ستريدا جعجع باسم الوفد إثر اللقاء.
وشددت جعجع، على أن ما يجري اليوم ليس خياراً سياسياً عادياً، بل فرصة تاريخية لوضع لبنان على سكة الدولة الفعلية.. نحن ندعم كل جهد يهدف إلى تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، ووقف دوامة العنف والحروب، واستكمال تنفيذ القرارات الدولية، وفي مقدمتها حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها.. ومن هنا، نقول لدولة الرئيس: نحن إلى جانبكم في كل خطوة تصب في مصلحة لبنان، وفي كل مسعى يعيد للدولة هيبتها وسلطتها وقرارها الحر، لأن لا خلاص للبنان إلا بقيام دولة فعلية تحتضن جميع أبنائها وتحمي مستقبلهم.
الجنوب تحت النار.. غارات مكثفة وحرب استنزاف لا تهدأ
ميدانياً، وعلى الرغم من إعلان طهران إنهاء ضرباتها، صبّ سلاح الجو الإسرائيلي جام غضبه على قرى وبلدات الجنوب اللبناني بتوسيع لافت للعمليات البرية والغارات الجوية العنيفة، متجاوزاً خطوط الهدنة المفترضة. وشهدت الساعات الماضية قصفاً تدميرياً مركزاً طاول عشرات القرى والبلدات فيما أصبحت صور هدفاً يومياً للغارات، ما أسفر عن سقوط عدد من القتلى والجرحى، في مؤشر واضح على أن تل أبيب ماضية في فرض وقائع جغرافية قاسية لعزل الجنوب وتحويله إلى منطقة أمنية عازلة بقوة النار.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أكد أن الحرب مع إيران و”الحزب” “لم تنتهِ بعد”، محذّراً من أن بلاده ستردّ بقوة في حال عادت طهران إلى استهداف إسرائيل. وأضاف أن إيران و”الحزب” حاولا فرض “معادلة جديدة” على إسرائيل، مؤكداً أن ذلك “غير مقبول ولن يحظى بأي قبول خلال ولايته”. ومن جانبه، أكد وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن “أي هجوم على المستوطنات الشمالية سيقابله هجوم على الضاحية الجنوبية”، وأن الجيش الإسرائيلي سيواصل العمل في لبنان ضد “الحزب”.
كماشة دولية.. ترامب يربط الأمن بالحصار المالي
هذا الغليان الميداني والسياسي يتلاقى مع “كماشة” دبلوماسية يفرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب من البيت الأبيض، حيث أكد في أحدث مواقفه ومكالماته الهاتفية مواصلة الدعم لضرب بنية الفصائل المسلحة، رابطاً أي تهدئة شاملة بفرض تراجع كامل لنفوذ الحرس الثوري الإيراني. وجدد ترامب تشديد الحصار العقابي على طهران ورفض الإفراج عن أي أصول مالية مجمدة لها قبل تفكيك أدواتها العسكرية في المنطقة؛ ما يضع الدولة اللبنانية برئاستها الشرعية أمام مسؤولية تاريخية لانتزاع قرار السلم والحرب، والثبات في مسار تسوية واشنطن قبل أن تأتي آلة الحرب على ما تبقى من الحجر والبشر.
اقرأ أيضاً:
خاص ـ إيران تحرق لبنان انتقاماً: “تريد إبقاءه في سجنها الكبير” (أمين القصيفي)
