
“ويلٌ لأمّة لا ترفع صوتها إلا إذا مشت في جنازة، ولا تفخر إلا بالخرائب، ولا تثور إلا وعنقها بين السيف والنطع”.
من كتاب “النبي” ـ فصل “الحرية” الصفحة الـ68 ـ جبران خليل جبران.
وكأن بجبران الثائر الصارخ المفتخر بلبنان ثقافة الحياة والانفتاح ولبنان الجمال والعلم والفرح والسياحة والازدهار، يحضرُ “جنازة” الإمام علي خامنئي ويشاهد الأمة التي مشت “بالملايين” مفتخرة بالخرائب الممتدة على كامل مساحة الجمهورية الإسلامية في إيران والمتمددة اليها، طوفانًا معاكسًا، من غزة ولبنان… وكانه قد شاهد “جنازة” وكيلي الإمام الراحل والحالي نصرالله وصفي الدين من نفس الزاوية وفي نفس الإطار.
قد يكون ما يؤكد تطابق ما قاله جبران خليل جبران قبل أكثر من قرن على حالة المحور الإيراني الممانع، في وقوع “عنق” رأس المحور وأعناق اذرعه بين “السيف والنطع”… والنطع هو بساط من الجلد المدبوغ كان يُفرش قديمًا لتنفيذ أحكام الإعدام، لا لتسطير الانتصارات.
وما يؤكد واقع الحال الموصوف منذ مئة عام هو في ضبط الجنازات، بعد أخذ الإذن والموافقة على عدم التعرّض، على ساعة العدو، شيطانًا أكبر، أميركي كان أو شيطان أصغر إسرائيلي.
فكما حصل في رفع الصوت الاستعراضي في “جنازتي” أميني عام “الحزب” في لبنان حسن نصرالله وصفي الدين تحت “غطاء وحماية ومراقبة الطائرات الإسرائيلية، وبعد وساطات عربية وغربية استعمارية، أقيمت في 23 شباط من العام 2025 جنازتا نصرالله (سقط في 27 أيلول 2024) وصفي الدين (سقط في 3 تشرين الأول 2024 وأعلن الحزب مقتله في 23 تشرين الأول) بعد أخذ موافقة وإذن الأعداء، ولكن كل هذا لم يمنع “أبناء الأمة” من رفع الصوت “افتخارًا” بالخرائب والمصائب واحتفاءً بـ”انتصار الدم على السيف” مع أن السيف كان على العنق، بدليل اقتراب طائرات العدو الإسرائيلي من رؤوس المشيعين لحظة التشييع المهيب.
لم يختلف ضبط مواقيت “جنازة” الإمام علي خامنئي الممتدة لأيام بين العراق وإيران عن جنازة وكيليه في لبنان، إذ إن الجنازة لم يحدد تاريخها الا بعد قبول أو حتى رضوخ إيران للشروط الأميركية بالمفاوضات و”مذكرة التفاهم” وقد أتت بعد تدمير كبير شبه كلّي للبنى التحتية العسكرية والمدنية النووية والحيوية والحياتية، وطبعًا كما في الـ2025 في لبنان كذلك في الـ2026، لم يكن للأمة الإيرانية ـ الفارسية أن تحشد مليونيتها لولا التصريح الممنوح من العدويين المعتديين المغتالَين لكافة قادة النظام الإيراني والذي سهّل التشييع وإقامة الجنازة بتأخر أشهر من 28 شباط تاريخ استهداف خامنئي الى أوائل شهر تموز من العام 2026 وكذلك من أكبر الدلائل على وقوع عنق رأس المحور بين “السيف والنطع” هو في عدم ظهور مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران مجتبى علي خامنئي في أي من “فعاليات” الجنازة والتي دامت لأيام.
انطلاقًا من ما سبق وما شاهدنا فـ”ويلات” نبي جبران قبل مئة عام ما زالت فاعلة فعّالة اليوم، لتنصبّ على صاحب الصوت الذي لم يرتفع الا في الجنازات بمواجهة “دولته” لا قاتليه وعلى الذي لا يثور الا على القوانين والدساتير وشركائه في الوطن رسميين وغير رسميين وعلى من لم يلقِ خطابًا الا ليزفّ فيه شهيدًا او شهداء، وتنصبّ ويلات جبران خليل جبران اليوم أكثر على المحور الذي يعتبر “الخرائب والمصائب” إشارات “انتصار” ومحطات افتخار… ألم يقل الأمين العام السابق لـ”الحزب” نصرالله في 3 تموز من العام 1991 مستئنسًا مستنيرًا بعقيدة الأصيل في إيران: “الدنيا، في فكر الحزب فانية محدودة. نحن قوم ننمو ونكبر بالدمار، ودماؤنا نقدمها قربانًا”.
.jpg)